
العَينات الخمسة
قصة بقلم : نزار
ب. الزين
هل سمعت ياسيدي
الضابط بشعار ( العَينات الخمسة ) ؟
خوفا من أن تظن – ياسيدي – أنني أقدم إليك
أحجية ، ومع أن الكثيرين سمعوا بهذا الشعار و الكثيرين غيرهم طبقوه دون
أن يسمعوا به ، و بالرغم من تخميني بأنك لم تسمع به من قبل – ذاك باد من
ذهول عينيك – اؤكد لك أنه شعار لا علاقة له بالعيون التي في طرفها حور أو
بعيون الماء القراح السلسبيل ، و لما كنت لا أحب الإستطراد ، فسأبادر فورا
إلى شرحه لك في الحال .
إنه يا سيدي شعار الإنسان الطموح
من وجهة نظر قِطاع عريض من البشر ، و لكن الطموح يقاس عِلميا بمؤشر ذي أربع
درجات مرتبطة كلها بغريزة التملك .و هي أولها ، ثم الطموح أو السعي إلى الأفضل
، ثم الطمع و هو السعي إلى طلب المزيد و أخيرا الجشع و هو الشراهة المطلقة إلى
جمع المال و عدم الشعور بالإكتفاء .
أعود إلى الشعار ، فهو بكل بساطة
تحديد أهداف الإنسان الطموح بخمسة أهداف تبتدئ كلها بحرف العين : (
عمل ، عروس ،
عربيّة ، عمارة ،
عزبة ) و هو شعار رحب يوحي بتبرير كافة الوسائل من أجل تنفيذه ؛
أما خطوات الإنطلاق فقد تكون متمهلة أو متسارعة أو قد تتحول إلى القفز كما في
حالة جاري ؛ فجاري سلمان من حملة هذا الشعار و يجري خببا وراء تحقيق
بنوده !
تجده دائم اللهاث فهو يعمل و يعمل و يعمل ،
يداعب أولاده بيسراه بينما يمناه تعمل ، حتى ضرورات حفظ بقائه الشخصي
إختزلها إلى شطيرة و كوب ماء ، و ضرورات حفظ بقائه النوعي حولها إلى
عملية آلية لا روح فيها .
لم يحرم عينيه متعة التلفزة ، فهو لا يدع
الرسوم المتحركة تفوته و كذلك الهزليات و الأهم منهما المصارعة الحرّة ، فقد
ترهل جسمه من كثرة الجلوس حتى ناء بحمل كرشه المدلى أمامه كقربة ماء ،
كما برز ردفاه بروز صندوق عربته ، و أما شعوره باضمحلال قواه التدريجي ،
فقد جعله يغرم بالمصارعة كتعويض .
و لفرط إنهماكه بالعمل ، تنحبس مشاعره
طويلا ثم لتفجرها – من حين لآخر - مواقف تافهة كهزليات التلفاز
، فينطلق ضاحكا بقهقهات مجلجلة ترعب من يسمعها أول مرة ، أو تزعجه مشاحنات
أطفاله أو طلبات زوجته ، فينطلق لسانه ناطقا بأبشع القاذورات ...
و سواء مع المصارعة أو الرسوم المتحركة و
مهرجي التلفزة ، فإن إحدى عينيه تنصرف نحو التلفاز بينما تبقى يمناه تعمل
و تعمل و تعمل ؛ ذلك أن طبيعة عمله تسمح له أن يعمل و هو يأكل و يعمل و
هو يشاهد الشاشة الصغيرة ، و يعمل و هو يداعب أولاده ، و يعمل و هو يغازل
زوجته و يعمل و هو يعمل .
******
أما سعاد ، حرمه المصون ، فهي أيضا من حملة
هذا الشعار و لكن مع بعض التعديلات ، فالعمل و العريس توفرا بدون جهد
يذكر ، خطبوها ثم زوجوها هذا كل ما في الأمر ، و العربية على الباب قبل
أن يكتب الكتاب ، و العمارة و العزبة متروك أمرهما لمساعي ( سبع البرمبو
سلمان بن سالم السليمان ) ؛ و هكذا أبدلت خماسية زوجها بخماسيتها الخاصة التي
تتناسب مع أنوثتها ، فحلت هواية إقتناء المجوهرات محل ( العمارة ) كما حل
ولع لا حدود له بمسايرة آخر مبتكرات الأزياء محل (العزبة ) أما
العمل و العريس فسوف يأتي ذكرهما لاحقا .
سايرها سلمان بداية ، أي عندما كان مفتونا
بسحرها ، أما عندما أدرك أن طموحها جشع و رغباتها شراهة ، كبح جماح جيبه (لاحظ
– يا سيدي - كباح جيبه و حسب ) و بعد قيل و قال و طول كفاح و نضال ، يئست سعاد
من جدوى نزاله و ملّت كثرة جداله ، فسلمت و لكنها ما استسلمت ، و القصة من هنا
إبتدأت .
******
عادت ذات يوم من السوق محملة ، فقام إلى
جيوبه يتفحصها ، و إذ إطمأن أن كل فلس قابع في مكانه ، عاد إلى
طاولته يعمل و يعمل و يعمل ..
هتف مجهول لها ذات يوم ، طلبها بالإسم و
بإصرار ، نظر سلمان إليها شذرا ، ناولها مسرة الهاتف
مشمئزا، ثم إنصرف إلى طاولته يعمل و يعمل و يعمل ..
ثم أخذت مكالماتها الهاتفية تطول و تطول
، ضايقه الصوت .. تذمر .. قذف بعض قاذوراته ، ثم عاد يعمل و يعمل و يعمل ؛
فخفضت صوتها – بعدئذ – تجنبا لسلاطة لسانه ، و لكن محادثاتها الهاتفية إستمرت
تطول و تطول ، و استمر يعمل و يعمل و يعمل .
رحلات التسوق كانت قليلة و لكنها مستمرة ، و
العودة بأكياس الغنائم أخذت تلفت أنظار الجيران و إنشغال هاتفها المتواصل
بدأ يثير الريبة .
أشفقوا على سلمان !
سلمان العصامي ، سلمان المكافح ، سلمان
المعطاء ، سلمان ( المشغول دايما ) الذي لفرط إنشغاله لم يسألها قط عن
محدثيها على الهاتف ، سلمان الساذج الذي لم ينتبه إلى تخمة خزانتها بأفخر
الثياب و رفوفها بأنفس العطورات و أدراجها بأثمن المجوهرات .
سلمان الإنسان الجاد المستقيم ،
الأنيس اللطيف ، يلقى من زوجته كل هذا العقوق ؟؟؟!
أخذوا يتهامسون ، ثم بدؤوا يتشاورون ،
و ظلوا حتى الأمس القريب يتهامسون و يتشاورون حول سلوك جارتهم سعاد ، دون إتخاذ
أية خطوة أكثر من إزدياد اللغط ، فهناك أطفال ، و هناك بيت قد يصيبه الخراب و
يدمر سلمان بن سالم السليمان ؛ و سلمان غير دار بما يلوكونه ، حوله مستمرا يعمل
و يعمل و يعمل ....
******
شوهدت سعاد – صدفة – في دار للسينما مجاورة
، مع شاب خليجي رشيق أنيق ، مشذب الشاربين منمق الحاجبين ، غطى هامته
بكوفية ناصعة ، ، لا كرش مدلى يتقدمه و لا مؤخرة بارزة تتبعه ، و قد
أحاطها بكل إهتمامه و إنصرف لإرضائها بكل جوانحه ؛ ثم شوهد بعد أيام يطلق
بوق سيارته بجوار بيتها لتهرع إليه و تركب إلى جواره !
- ما أجرأها
تهامس الجيران !
ثم شوهدت تخرج معه من أحد الفنادق المتساهلة
..
- سلمان أين أنت يا سلمان ؟ هل من المعقول
أنك لم تنتبه حتى الآن يا سلمان ؟
تساءلوا مستغربين !
******
اللغط يتفاقم
و سلمان يعمل و يعمل و يعمل
و سعاد تعمل و تعمل و تعمل
و الحساب المصرفي ينمو و ينمو و ينمو
و أكداس الهايا صارت طبقات فوق طبقات
و الصعود مستمر .. مستمر .. مستمر
******
قررتُ التدخل ، فأنا منذ البداية
تراودني الشكوك ، عندما كان همس الجيران مجرد لغط ، كانت شكوكي تقارب اليقين ،
صارحت بها زوجتي الحصيفة ، فاتهمتني – كعادتها - بالمبالغة و سوء الظن،
ثم ألقت في وجهي بحكمة الأديان و الأجيال : (( إن بعض الظن إثم )) !
و مع ذلك قررت التدخل ، فظنوني تجاوزت سعاد
إلى سلمان ذاته ؛ فهل من المعقول أن يكون الرجل غِفلا إلى هذا الحد ؟ و حتى لو
كان كذلك فمن حق الجيرة أن أنبهه و شاركني في رأيي أبو نضال و هو من
أقرب جيراني إليّ !
******
إستدعينا سلمان
فرشنا المقدمات و مهدنا الطريق ، و التففنا
حول الموضوع و درنا ، ثم بهدوءمينا قنبلتنا ؛ و كمن صفع على قفاه دارت رأسه و
خذلته ركبتاه ، و بدا و كأننا أوقعناه في متاهة ، فتساءل ببلاهة :
- كيف حدث أنني آخر من يعلم ، متى نبت
قرني و تضخم ؟
بكى و أبكى ، ثم أرغى و أزبد ، ثم هدد
و توعد :
- سأقتل .. سأذبح سأنشر الدمار .سأصنع
كارثة .. سأقود أعصار !
نصحناه ، أن يقوِّم إعوجاجها و يبحث عن
أسباب إنحرافها لعلها تعود إلى صوابها فننقذ الأطفال من مآسي خراب البيوت ، فإن
ارعوت و ثابت إلى رشدها كان بها ، و إن أبت و أخلت بعهدها ، فتسريح بإحسان !
******
و يا لعجبي ، ياسيدي الضابط ، ها أنا ذا
بين يديك متهما بأنني دئبت على التحرش بجارتي سعاد ، و الأعجب أن
بقية الجيران بما فيهم أبو نضال ، رفضوا الإدلاء بأية معلومات ، و بأن
عليّ الإعتذار ، و كتابة تعهد خطي بعدم التعرض لجاري و لحرمه المصون ، و إلا
سوف تزجون بي في غياهب السجون !
******
في بيت جاري سلمان بن سالم السليمان ، لا
زال الصعود مستمرا ، فالحساب المصرفي يزداد نموا ، و أدراج المجوهرات
تزداد إمتلاء ، و أكداس الملابس الداخلي منها و الخارجي تزداد إرتفاعا ،
و مواد التجميل و العطور تزداد تراكما ، و أصدقاء سعاد تتزايد
أعدادهم .
و عاد الجيران يتهامسون و يتغامزون و
يتشاورون و يتجادلون ، أما أنا فقد تقوقعت و أغلقت عيني بالطين و سددت أذني
بالعجين و ألصقت شفتيَّ بلاصق متين ...!
و لم يعد يهمني إن حمل الناس شعار
الخمس ( عَينات ) أو كانوا مثلي بعين واحدة ، و كذلك لم يعد يهمني
إن سقط الناس إلى أعلى أو صعدوا إلى أسفل سافلين !
