
قصة بقلم :
تيسير الغصين
عن موقع دنيا
الوطن
http://www.alwatanvoice.com/arabic
هذا
الديك العجوز يتعمد إزعاجي غير مبال إن كنت متعباً أم لا ؟
..فكرت في ذبحه مرات عديدة لأتخلص من صياحه عند الفجر، لكن
ماذا عساي أنتفع منه و سنوات عمره جعلت لحمه قاسيا لا طعماً و
لا لذة فيه، لن ينالني منه سوى المزيد من الجهد والعناء ، مع
ذلك لم يبق له عذر عندي سأذبحه و أتخلص من صوته المزعج.. كم
يطيب لي الاستمتاع بالنوم خاصة في تلك الساعات الأخيرة من
الليل هي ألذ عندي و أشهى من لحم ذلك الديك المزعج.. لكن ما
الفائدة من هذا الحديث الآن ؟!
الفجر يتقدم، والشمس على وشك
أن تشرق و لا بد لي من النهوض ، فأغنامي تنتظر مرعاها، و
زبائني سيأتون بعد حين لشـراء الحلـيب، تناولت إفطـاري قطعة
جبـن مع شريحة خبز صغيرة و شربت قهوتي ، ثم حملت عصاي أسوق بها
غنمي إلى خارج البلدة حيث المرعى الخصيب والفضاء الفسيح..
قطيع أغنامي في ازدياد مستمر،
و هذا يحتاج مني عناية أكبر و حذراً أشد
، فالذئاب أيضاً يزداد عددها يوماً
بعد يوم ، و قريتنا أمست عرضة لهجماتهم، فمنذ أيام اختطفوا أحد
خرافي و قبل ذلك هاجموا منزل أحد رعاة قريتنا و افترسوا حملين
من حملانه ، حتى بالأمس القريب هاجموا شاة للحاج مسعود منتهزين
فرصة انفرادها عن القطيع.. " الحذر لا يمنع القدر "، هذا حق
لكن العمل بالأسباب مطلوب أيضاً.. لا بد من اجتماع موسع لأهل
القرية..نتدارس فيه كيفية التخلص من تلك الذئاب المتوحشة ،
وحماية قطعاننا من هجماتها ؟!
في طريقي إلى المرعى قابلت
الحاج مسعود راكبا حماره قاصدا سوق المدينة لتسويق ما أنتجه من
جبن و زبد.. سألته عما يود عمله لحماية أغنامه من هجمات الذئاب
الشريرة فأخبرني بنيته جلب أحد الكلاب القوية ، فالكلاب تهابها
الذئاب ، أو على الأقل تتحاشاها.
الحاج مسعود رجل حكيم ، كل أهل
القرية يستشيرونه فيما يعرض لهم من مشاكل..حتى في كثير من
أمورهم الخاصة لا يترددون في مشورته و العمل بنصحه.. سأعمل
برأيه و أجلب كلبا.. لا..لا كلب واحد لا يكفي.. سأجلب كلبين ،
فالذئاب شرسة جدا و لا يستطيع كلب واحد مقاومتها ؟
تابعت طريقي إلى المرعى..بدت
شجرة الخروب التي تعودت على الجلوس في ظلالها من بعيد ، صوت
الأغنام كان يتعالى في كل مكان فرحا ببزوغ فجر جديد ، و على
البعد مني بدا رعاة قريتنا
يسوقون أغنامهـم بحثا عن مكـان كثـير العشب وفير الماء ،
استطعت الوصول إلى الشجرة ، أسندت ظهري إلى جذعها و رحت أراقب
أغنامي بحذر خوفا عليها من الذئاب المفترسة ..
لاحظت حركة مريبة بين قطيع
أغنامي و رأيت الكثير منها تركض في اتجاهـات مختلفـة و فجأة
قفز أرنب بري كبير، أخذ يركض بسرعة هائلة ثم سرعان ما ظهر خلفه
ذئب مخيف حاول الإمساك به، نهضت من مكاني على الفور و أسرعت
نحو الذئب ملوحـا بعصـاي.. و لى الذئب هاربا لكنه بقي يراقب من
بعيد !
الذئاب تكدر عيشنا مرة أخرى !!
لابد من سلاح لمواجهتها، هي لا تعرف سوى منطق القوة! سأقترح
على أهل قريتنا في اجتماعهم القادم خطة ذكية نحصل بموجبها على
السلاح لمقاومة تلك الذئاب الملعونة.. و حينئذ
لن يجرؤ أيٌّ منها على الاقتراب من أغنامنا..
انتصف النهار ومالت الشمس عن
وسط السماء رويدا..
قضيت وقتي حذرا متهيئاُ لكل
مفاجأة، و في نفس الوقت بقيت الذئاب تراقب عن بعد متحينة غفلة
الرعاة للانقضاض على شاة تسد بها جوعها !
مضت ساعات
النهار دون مفاجآت، شعرت بضرورة العودة إلى القرية قبل
الغروب طلبا للسلامة و الأمن !.. اقترب أحد الذئاب من
القطيع حذرا دون أن يبدي أي محاولة للانقضاض على خرافي، و
مع ذلك أوجست خيفة منه.. هششت عليه بعصاي، ابتعد قليلا ثم
غاب عن عيوني لحظات، و فجأة ظهر خروف من بعيد أقبل نحو
القطيع بسرعة كبيرة أدهشتني قدرته الفائقة على الجري.. كان
ذو همة و قوة لم ألحظها في أي خروف آخر بينما اندس بين
الخراف على عجل حاولت متابعته بنظراتي لكنه اختفى بينها
كلمح البصر .. لو أن كل واحد.. من خرافي يتميز بهذه القوة
و السرعة لما استطاع ذئب اقتناص شاة واحدة .. كم هو خروف
مدهش حقا لم أر خلال حياتي كلها و خبرتي الطويلة خروف في
مثل سرعته وقوته! أمست القرية على بعد خطوات قليلة، كان
الكثيرون من الأهالي الذين غادروها في الصباح لقضاء
حاجاتهم قد بدءوا في العودة إليها حاملين على رؤوسهم
وأكتافهم ما ابتاعوه من المدينة..سارعت الخراف بالدخول إلى
مبيتها أقفلت عليها الباب الحديدي جيدا، ثم سرعان ما نهضت
من مكاني أبحث عن القليل من الخبز و الجبن و اللبن.. مللت
هذا الطعام لا شيء غير الجبن و اللبن في كل يوم!!.. لم لا
أمتع نفسي بعشاء دسم شواء مثلا !!.. أذبح خروفا فلحم
الخراف لا يجاريه لحم آخر خاصة إذا كان مشويا فلا ألذ و
أطعم منه ، تناولت سكيني و اندفعت نحو خرافي فتحت الباب ،
تأملتها جيدا.. أيها أكثر لحما ! لعله ذاك الحمل ! بل تلك
الشاة !.. آه وجدت مأربي و سارعت بالإمساك به صرخ الخروف
بصوت عال أفزعني!! تراجعت للخلف خطوتين كان الصوت صوت ذئب
و ليس خروفا !! دققت النظر أكثر..عاودت محاولة الإمساك به
مرة أخرى، خرج منـه عـواء ذئب و سقط عنه فراء الخراف
إنكشفت الحيلة ووقفت أمامه وجها لوجه، لم يعد السكين يجدي
نفعا، فتناولت فأسا كان بالقرب مني و اندفعت نحوه ضاربا
بكل قوة ،حاول الذئب الإفلات ، لكنه وقع صريعا في النهاية
و دون حراك.