غربة
قصة بقلم : سمير اليوسف
ديوان العرب
www.diwanalarab.com
مضى من عمره ثلاثة وعشرون عاماً عندما قرر
السفر، ليغادر دمشق المدينة التي أحبها وترعرع فيها تاركاً خلفه
ذكريات الصبا والشباب، بعد أن سدت جميع السبل في وجهه، ولم يبق
أمامه إلاّ البحث عن مكان آخر، مكان يبدأ فيه من جديد، فقرر
السفر إلى إحدى الدول العربية كما يفعل الكثيرون من هم في عمره،
وكان أن حصل على وثيقة سفر، وبعد جهد جهيد استطاع أن يجمع ثمن
التذكرة، أسرع إلى مكتب السفريات وحجز إلى ليبيا، الدولة التي
كانت تمنح حاملي وثائق السفر حق الإقامة والعمل، أمسك بالتذكرة
ووثيقة السفر بقوة وأسرع الخطى ليزف البشرى إلى والدته، أخيراً
سوف أسافر، قال لوالدته وهو يكاد يطير من الفرح، كان وقع الكلمات
على الأم عظيماً، لم تصدق في البداية، ولكن ما أن شاهدت الوثيقة
والتذكرة حتى أدركت أن الأمر حقيقة، وأن السفر حاصل لا محالة،
اسودت الدنيا أمام عينيها، ومالت بها الأرض، وقبل أن تهوي أسرع
إليها ليمنعها من السقوط ويجلسها على أقرب كرسي، لقد بدأت
الحقيقة جلية وواضحة أمام عينيها، ولدها سوف يغادرها إلى بلاد
الغربة، أخذ يهدئ من روعها، ويحاول أن يخفف عنها بأن الأوضاع
التي يعيشونها هي السبب التي دفعته ليقوم بمثل هذه الخطوة، وأنه
ليس الوحيد الذي يغادر ليعمل في الخارج، وبدأ يعدد لها أصحابه
الذين سبقوه إلى السفر سعياً وراء لقمة العيش.
جلس إلى نفسه بعد أن هدأ من روع والدته، التي أظهرت رضاها عن ذلك
بابتسامة باهتة ودعاء تمتمت به، ولكن في داخلها شلال دمع يتساقط
في أعماقها تاركاً أخدوداً من الألم والعذاب، أخذ يرسم لنفسه
صورة المستقبل، عندما يعود من السفر وقد جمع ثروة ، ماذا سيفعل
بها، بدأ خياله الرحب يتفتح على مشاريع لا تحصى سوف يقوم بها،
وحشرت الآمال نفسها في دماغه تدغدغ خياله الرحب بأن الدنيا ستفتح
الباب على مصراعيه له، وأن حياة الفاقة التي عاشها سوف تبتعد إلى
الأبد، غادرت الشمس مختفية خلف التلال تاركة خلفها طيفاً من
الشفق الأحمر، فاتحة المجال للقمر أن يقوم بجزء من مهمتها في هذه
الليلة الصافية، كان القمر يمشي الهوينا عاكساًً الضوء في سماء
دمشق، وهو يجلس في صحن البيت تتصارع في داخله أفكار متضاربة،
شعور الفرح بالسفر وأن المستقبل يفتح له ذراعيه على امتدادهما،
وفي الطرف الآخر في الزاوية الأخرى من دماغه تقف صورة والدته
التي أنهكها البكاء على ولدها المغادر والدعاء له بالتوفيق،
بينما أخوته وأخواته يكادون أن يطيروا من الفرح بأن أخاً لهم
أخيراً سوف يسافر ليعمل في الخارج، وبدأ كل واحد منهم يحدد ما هي
الهدية التي يرغب في الحصول عليها، وعندما سألت الوالدة عن
رغبتها ، نظرت إليهم جميعاً وتزاحم الدمع في مقلتيها وانطلق
لسانها بالدعاء له أن يحميه الله ويعيده سالماً.
أمضى فترة ما قبل السفر شارد الذهن يفكر في كلمات والده الأخيرة
قبل أن يغادر هذه الحياة، شريط من الذكريات أخذ يسير من أمام
عينيه، عندما كان والده يجلس على الأريكة التي تتصدر ساحة البيت،
بينما كان هو لا يزال طفلاً يركض في ساحة البيت وكلمات والده
تطارده في كل زاوية، أنت يا بني من قرية تقع على تلة مرتفعة قرب
دير ياسين، وعندما عرفنا ما حصل في دير ياسين لم يبق أمامنا خيار
سوى الرحيل، بيتنا في القرية يتكون من سبعة غرف، وساحة كبيرة
تحيط به سور عال، وبياراتنا التي كانت مزروعة بالبرتقال والليمون
و و…،
هكذا كان والده يخبره عن قريته، هكذا عرفها، لقد رضع حبها مع
الحليب وهو لا يزال في ربيع عمره، فكيف له أن ينسى ذلك، وها هو
اليوم يعاني كل هذه المعاناة للحصول على الوثيقة التي يستطيع بها
أن يسافر، وكيف أن دولاً كثيرة تعلن على الملأ دعمها لعدالة
قضيته، ولكنها تغلق أبوابها في وجهه.
في الوقت الذي أقلعت فيه الطائرة ، كانت دموع كثيرة تتدحرج إلى
الأسفل، دموع والدته الحارقة ولسان حالها يدعو الله أن يحفظه،
ودموعه المتدحرجة على وجنتيه بصمت، نظر من شباك الطائرة البيضاوي
إلى الأرض المبتعدة التي ترك عليها عائلته وذكرياته، ذكرياته
بحلوها ومرها، لم يصحو من شروده إلاّ على صوت المضيفة التي كانت
توزع وجبة العشاء، وتسأله إن كان بحاجة إلى أي نوع من المشروب.
غادر مسقط رأسه غير متسلح بشهادة علمية كما فعل الكثيرون من
أقرانه وأبناء شعبه، فقد ترك الدراسة مبكراً ليلتحق بصفوف
المقاومة، وتقاعد بعد أن حصل على نيشان شرف سيبقى يلازمه طوال
حياته، تقاعد مبكراً هكذا قدر له، ولكنه كان قد امتهن مهنة
يستطيع من خلالها أن يشق طريقه في الحياة، إنه كهربائي، لم يعان
كثيراً في الحصول على العمل، ولكن الوظيفة بدأت وكأنها حبل يضغط
على رقبته ويكاد أن يخنقه، استأجر دكاناً صغيراً وترك الوظيفة،
وفتح ورشة خاصة به لتصليح المحركات الكهربائية، لكن القدر لم
يتركه وشأنه فقد كان يتربص به، مما اضطره إلى أن يبيع ورشته
ليغادر، لكن إلى أين؟ سؤال بقي يتردد في عقله، طرق باب معظم
السفارات للحصول على فيزا، ولكن الأبواب جميعها كانت موصدة في
وجهه، الباب الوحيد الذي فتح له هو "مالطا"، وكان ذلك.
ما أن وطأت قدماه
أرض هذه الجزيرة القابعة في وسط الموج، حتى بدأت رحلة عذاب جديدة
له، فهو غريب في بلد فيها قليل من الجالية العربية، ولا يعرف حتى
لغة أهلها وإن كانت غنية بالمفردات العربية، بدأت رحلة البحث عن
العمل، وبعد أكثر من شهر استطاع أن يجد شركة مقاولات، عمل فيها
عاملاً بسيطاً في التمديدات الكهربائية، وتمضي السنين سريعة،
ليجد أنه تجاوز الثلاثين من العمر، وهو لا يزال بدون زواج، وكان
عليه أن يبحث عن فتاة تشاركه حياة الغربة هذه، وكان له ذلك عندما
قابل فتاة مغربية، اقترن بها، وأنجبا طفلاً جميلاً، ولكن السعادة
لا تدوم أحياناً، بدأت المشاكل بينهما تزداد كل يوم، وبدأت زوجته
تستعمل ابنه كأداة ضغط عليه للحصول على ما تريد لأن القوانين
المدنية تشير إلى أن الأطفال من حق الزوجة، وبقيت الأمور كذلك
حتى
بلغ السيل الزبى،
أخيراً كان لا بد من الفراق، فطردها من البيت هي وابنه معاً، لكن
القدر تدخل ليعيد الطفل إليه، كان ذلك عندما تم اعتقال الزوجة
بتهمة أمنية، وعاد الطفل إلى كنفه، وبقدر ما كان فرحاً بعودته،
بقدر ما كان مهموماً على الطريقة التي يستطيع فيها أن يوفق ما
بين عمله وبين العناية بطفل لم يتجاوز الثالثة من عمره، هذا
الطفل الذي كان ضحية عدم التفاهم بين والديه، وكان لا بد من أن
يبحث عن وسيلة يستطيع من خلالها أن يضع ابنه في مكان آمن، ولم
يجد غير مدرسة داخلية لهذه الغاية، مدرسة تعتني به وتلبي له
حاجاته ورغباته الطفولية، هذه المدرسة تابعة للكنيسة، لأن في بلد
لا يوجد فيه جهة إسلامية تعتني بمثل هذه الحالات، وإن كانت حالات
كثيرة تعيش نفس المأساة، وبخاصة هؤلاء الذين اقترنوا بزوجات من
مجتمعات تختلف عن مجتمعاتهم، ترك ابنه على مضض في هذه المدرسة،
في كل يوم تقريباً يذهب إليه ليأخذه في المساء ويذهب به إلى
الملاعب والمتنزهات ليسري عنه، إلاّ أن هذا الوضع أقلقه أكثر من
السابق، فهو الآن يعيش بين فكي كماشة، ولده الموجود في المدرسة
الداخلية والتي تقوم على تربيته بأسلوبها ومفاهيمها، الأيام بدأت
تهرول مبتعدة عن يوم ميلاده لتضعه على حافة الأربعين من العمر،
ولتبدأ عنده رحلة جديدة من البحث والعذاب، رحلة البحث عن فتاة
تقبل به زوجاً بكل الظروف المحيطة به.
هي السنين تمر سريعاً، والطفل أصبح في عمر يسمح له بدخول
المدرسة، أحد الأصدقاء قدم للطفل الأدوات المدرسية من حقيبة
ودفاتر وأقلام، طار الطفل من الفرح عندما كان في زيارة لأبيه قبل
موعد المدرسة بيوم واحد، حمل الحقيبة وما بداخلها من أدوات على
ظهره، ركض مسرعاً في الشوارع على غير عادته عندما كان بصحبة
والده في الأيام الماضية، اليوم يركض لا يهتم بشيء، يريد أن يصل
إلى المدرسة الداخلية بأسرع وقت ممكن، فغداً هو اليوم الأول له
في المدرسة الحقيقية، وصل إلى المدرسة الداخلية، وضع حقيبته في
حضنه على السرير داهمه النعاس من التعب ونام.
عاد الوالد إلى المنزل ليلاً بعد أن اطمأن على ولده، والأفكار
تتصارع في داخله، تجاوزت الساعة منتصف الليل وهو يفكر في هذا
الوضع الذي يعيشه، ويمني النفس أن يجد ابنة الحلال التي تعينه
على تحمل هذه المسؤولية، ويعيد ولده إلى كنفه، لم يشعر كيف سلطان
النوم زاره، ولكن حلماً جميلاً كان يرافقه في تلك الليلة، كان
يبتسم وأحياناً تصدر عنه ضحكة خافتة وهو يشاهد ابنه في البيت
عنده تداعبه زوجته الجديدة. استيقظ على رنين الساعة التي أعلنت
أن ساعة الذهاب إلى العمل قد حانت، نهض متثاقلاً، ليبدأ يوماً
جديداً .