

قصة بقلم :
نادية الكوكباني
nadiah@zafrah.com
حتى لو علم بأن ما قام به سيدمرها، سيدوس كلَّ مشاعرها، سيقتل أرقى إحساس يمكن
أن تناله أو تحلم به امرأة، وسيحرمها من أنبل متعة مدى الحياة. لم يكن ليهتم،
لأنها باختصار لم تكن ضمن حساباته
، رغم أنها ابنته (التي لا يعرف رقمها التسلسلي، ومن أي زوجة جاءت، لأنه لا
يحفظ ذلك إلا بعد تكرار الدرس عليه ألف مرّة، أو حسب غلاوة أمها في عينيه...)
فهناك مشاغل عديدة يقوم بها الشيخ، مشاغل تهم القبيلة، والناس، والجوار...أما
شئون أولاده فلها من يهتم بها من الخدم المتخصصين بالنظافة والأكل والتعليم.
الغريب أن هذا التعليم كان يهمّ الشيخ كثيرا. كان حريصا على أن يتلقاه جميع
أبنائه، البنات قبل الأولاد، وعلى يد أفضل الشيوخ، ومدرسي البلاغة والنحو
والصرف. لكن عندما يتعدى الأمر كل ذلك، وتقع بين يديه رسالة إعجاب بابنته من
شاب رفضت الإفصاح عن اسمه أو عن شكله ولونه، لسبب بسيط: لا تعرفه. تم قذف
الورقة إلى غرفتها ب«قوس» مجهول المصدر!
لم يفكر ولو لحظة أنها صادقة، رغم أنها لا تخرج أو تدخل إلا بمرافقين. لم يفكر
لحظة أن يسأل الشغالة كيف وجدت تلك الورقة اللعينة التي لم تقرأها بعد ابنته
المسكينة!؟ كل ذنبها أن اسمها كان ظاهرا فيها رغم كرمشتها وعدم وضوح الخط
فيها...
ثارت ثائرته، لابد أن الأمر تعدى ذلك بكثير. بحث عنها، ابنته المجرمة التي لم
تتجاوز العاشرة من عمرها! هاهي تلعب مع صديقاتها أمام المنزل، في الجزء الخاص
بالنساء. التقطها من رقبتها كما يلتقط حشرة. ألجمتها المفاجأة، لم تسأل! أو
تتكلم! لم تجد الفرصة لتستيقظ من الكابوس الذي بدأ للتو...
تهاوى فوقها هذا الجبل العظيم، شيخ القبيلة وحامي حماها. قام بتفتيشها،
بتجريدها من ملابسها الداخلية، ليتأكد بنفسه من عذريتها، من ذلك الغشاء اللعين
الذي لم تكن تعلم عنه شيئاً حتى اللحظة... (تلك البكارة الذي يتقن فضها،
وبسهولة، مبرهنا على فحولته التي لم يمسها الدهر بسوء، أو يظفر منها الزمن
بشيء، وبمعدل بكارتين كل عام... هو معدل زواجه السنوي من أجمل صغيرات القرية،
والقرى المجاورة)
المسكينة، فاغرة الفاه، مبحلقة العينين، لم تستوعب بعد ما يحدث! سارع بطلب
خبيرة أغشية بكارة، «مُزَيِّنة»، ليتأكد أكثر وأكثر وأكثر من شرفه الذي لم
تلطخه هذه الحقيرة التي بدأت تعشق، وتحب، وتأتيها رسائل غرام أيضا. ولو فعلت
لقتلها دون أن يحاسبه على ذلك احد، أو حتى يسأله احد... بما في ذلك أمها
الواقعة في غرام الشيخ، حتى «شُوشَتها»، والمستعدّة لعمل أي شيء حتى تكون من
ضمن الأربع الزوجات الدائمات في عصمته، حال زواجه. الأم التي «حجرت» (زغردت) من
أمعائها عندما زفت الخبيرة إلى الشيخ براءة ابنته، وطمأنته على غشائها المصون،
وعلى بكارتها العظيمة.
رغم كل هذه التأكيدات إلا أن الشيخ لم يقتنع أبدا. ( إقناع الشيوخ، بأي شيء
تافهٍ صعب جدّاً، فما بالك بأم الأسرار والخفايا). قرر عندها أن يقطع الشك
باليقين ويقوم بتزويج ابنته، وعلى وجه السرعة! أي اليوم التالي مباشرة!!! وبمن؟
بأحد أتباعه المخلصين، الذي يمكنه أن يخرس لسانه فيما لو كان قد اخطأ فحصه
لبكارة ابنته شخصيا، وفيما لو كانت « المزينة» تكذب بسبب خوفها من عقاب
الشيخ...
كانت القبيلة بأسرها تتابع أوّلاً بأوَّل أدقَّ أمور احتفال زواج بنت الشيخ...
التي اقتِيْدت إلى غرفة نوم تمَّ تجهيزها للعروس. لم تفق الطفلة الصغيرة من
صدمة الأب، لتقع في صدمة من نوع أخر. صدمة أن يُقفَلَ بابٌ واحدٌ عليها وعلى
رجل لا تعرفه، سمعت اسمه فقط، وبأنه خادم أمين للشيخ. صدمة أن يقترب منها على
إيقاع الرقص والآذان الصاغية خارج الباب، أن يلمسها، أن يعبث ببراءتها، أن
يستقبل دموعها بشفقة... قبل أن يُقرِّر تأجيل ما ينتظره الشيخ خلف الباب إلى
الغد.
- هل أنت مجنون؟... لن تتأخر لحظة واحدة يا مغفل!
هكذا هب في وجهه الشيخ، ركل الباب بقدمه، وأمر بإحضار حبل لهذه المتمردة.
بيدهِ أوثقها من يديها وقدميها... تلذذ بسماع صراخها، استغاثتها التي لم تجد
لها سامع، والوصول بجرحها إلى أقصى درجات الألم... أجبر خادمه على اغتصابها
أمامه، ليرى بأم عينيه دماً أحمراً يسيل من أحشائها! رآه أخيراً كما يشتهي، رآه
كثيفاً دافقاً يخرج من أكثر أحشائها غورا...
بدت عليه علامات الابتهاج، السعادة، الرضا، الفخر! تم أخيرا فض ذلك الغشاء الذي
حيَّره معرفة وجوده من عدمه، وأثقله بهمٍّ مريع كدَّرَ مزاجَهُ وأرهقهُ طوال
يوم ونصف، منذ وصول تلك الرسالة المشئومة بين يديه تحديداً!!!
ها هو يقفز فرحا، يتجه نحوها، يُقبُّلها، ابنته الشريفة العفيفة... أعتذر لها
عما بدر منه، كان يجب عليه أن يتأكد من أنها لن تخذله... أعتذر لها وجسدها ما
زال ينتفض من الخوف، ودمها يبقبق ساخنا في كل أرجاء القبيلة. قرّر أن يحتفل
بذلك! أمر بإحضار أكبر كميّة من الألعاب النارية لتفجيرها في سماء القرية، فوق
رأس الجبل، على بعد خطوتين من السماء...
ارتفعت زغاريد النسوة لنصف يوم حتى وصلت القبائل البعيدة، وتعالى صوت الرصاص
حتى صم الآذان. نظرت في وجهه ومرارة العالم مرتسمة على ملامحها. لم يكترث، أو
يؤنبها على تلك النظرات التي تبصق في وجهه. كلّ شيء لا قيمة له أمام إنجاز
بكارتها العظيم.
قرر سُموُّه، وسط الألعاب النارية الصاخبة التي تملأ سماء الجبل، تلافي هذه
المعضلة بتزويج شقيقتها الصغرى في سن الثامنة على أحد رجاله أيضا، على أن يتم
الدخول بها في سن الثانية عشرة. لا يريد أن يحيى هذا الهم من جديد.
لم يستطع صبرا الرجل الذي حمَّلَهُ الشيخ كاهل الحفاظ على بكارتها أربع سنوات.
ذات يوم، ذهبت الشقيقة إلى أبيها لتحكي له بمنتهى الهدوء والبراءة أن رجُله
ادخلها «محراس» المزرعة عندما ذهبت لتحضر له «غواث» اليوم، وسبَّب لها جرحاً
بين فخذيها، أسال دمها، بشيء لم تستطع تمييزه من شدة الظلام...
بحث عنه الشيخ طويلا ذلك الخائن الذي لن يرَ وجهه للأبد....
-------------------------------------------------------------------------------------
«المزينة»: هي المرأة التي تذهب مع العروس إلى بيت زوجها، تنتظر أمام الباب حتى
يتم تسليمها خرقة تعود بها لأهل العروس ويتم بعدها احتفال الخرقه...
«المحراس»: هو غرفة واحدة وسط مزارع القات خاصة، يتم فيها الحراسة، ليل نهار،
يتناوب الحراس طوال اليوم، ويتم إيصال الطعام إليهم وفي الوقت المحدد...
«غواث»: هي الوجبة التي يتم تناولها وقت الضحى. نظرا لان أهل القرى يتناولون
الإفطار باكرا، فالغواث بين الفطور والغداء.
«محجرة»: هي الزغاريد أو الزغرودة ولكن بلهجة المناطق الشمالية عموما.