عندما
شاهدت سامر مضرجا بدمه ، كدت أفقد وعيي لهول
ما رأيت ، كان أنفه ممزقا غطت بقاياه خثرة مجمدة بغير إنتظام
أخفت أيضا جزءا من عينه اليسرى الجاحظة بخواء ، بينما تجمدت عينه اليمنى
في نصف إغماضة و كذلك بقي فمه نصف مفتوح بعد أن تسربت من طرفه نصف
دمائه قبل أن تتخثر . ذلك كان باديا من الفراش و الأغطية المشبعة بالسائل
القاتم و الذي تسرب أيضا تحت السرير مشكلا بقعة كبيرة دالة على نزف طال .
لن أستطيع إكمال الوصف فالمشهد مفجع مرعب ، صورة مشوهة لسامر
، الفتى الذكي المعافى الذي كان يضج بالحيوية و النشاط ، ذلك الفتى
الذي عرفته رضيعا و حابيا ، ثم فتيا قاب قوسين أو أدنى من النضوج .
*****
ظل سامر منذ منذ نعومة أظفاره ملفتا النظر بألمعيته ،
و لكن عندما تقدم نحو المراهقة أبهر من حوله بشعلة ذكائه ، حتى أن جدته
كانت كثيرا ما تبدي قلقها عليه من عيون الحساد و كأنها كانت تطلق جرس إنذار ،
فكانت تكرر القول : " الله يستر هذا الولد من شر حاسد إذا حسد " و كأن
الذكاء بنظرها – و ربما بنظر الكثير من العامة – طاقة شيطانية أو طاقة خاضعة
لإستهداف شيطاني ، بل كانت تعتقد أن الذكي قصير العمر !!! و الغريب أن تتحقق
مخاوف الجدة رغم كافة الإحتياطات ، بما فيها ذلك الحجاب ( الرقيّة )
المعلق بقميصه الداخلي ، فقد وقع سامر ضحية فضوله الشديد ، كل حادث ، كل حديث ،
بل كل أحدوثة ؛ كانت تلفت نظره فيطلب لها تفسيرا و لم يكن يكف عن السؤال حتى
يجد الإجابة الشافية .
أما بالنسبة لجدته فقد إكتشف منذ وقت مبكر غموض إجاباتها و
إحاطتها بالغيبيات و عدم منطقيتها فكف عن سؤالها فأراحها ، أما مع أمه فقد
إختلف الوضع ، فهي قادرة على إرواء غليله ، لولا عصبية مزاجها التي كانت
تتفجر بين حين و آخر و التي كان بعضها بسبب أسئلته الكثيرة و بعضها بسبب تقاعد
والده المبكر ، و مع الأيام إستطاع سامر أن يعالج ذلك فقد أتقن عمليات
الإلتفاف و تبديل الصيغ و تخير الأوقات المناسبة ، و كأنه أخضع مزاجها
القلّب إلى دراسة ما ، استثمرها لصالح فضوله .
*****
الوالدة في الغرفة الأخرى منهارة تماما بين يدي الطبيب .
كانت قد دخلت المنزل بعد مجاملة إجتماعية ، ثم توجهت رأسا إلى غرفتها ، أبدلت
ثيابها و إنطلقت إلى المطبخ ، و بدأت تعد طعام الغداء، تذكرت سامر ، نادته فلم
يجب ، نادته ثانية فلم يستجب أيضا لندائها ، توجهت إلى غرفته : " ماهذه الفوضى
يا سامر ؟ " ، صرخت متذمرة ثم أضافت غاضبة : " أخرج حالا من
مخبئك و أعد كل شيء إلى ما كان عليه ؛ ثم صاحت بدهشة و غضب أشد : " حتى بطانيتي
الجديدة تستخدمها في عبثك ، ألا يكتمل جنونك إلا بخيمة ؟ سوف أكسر
يديك يا ملعون ! "
إنتزعت الأغطية واحد إثر الأخرى ، رائحة غريبة تنبعث
، و لكن أين سامر ؟ و بصوت أعلى صاحت : " سامر أنت تفقدني أعصابي ، هيا
أخرج من تحت السرير " و لكن سامر لم يخرج أو يجيب ! أحنت جسدها و
ألقت نظرة تحت السرير ، صاحت : " دم دم دم " علقت
الكلمة المرعبة بفمها ، رفعت الفراش فإزداد رعبها ، كان سامر جثة هامدة
غارقة بدمائها " دم دم دم دم
" ، إندفعت نحو الهاتف ، سمعت صراخها الرهيب : سامر
سامر سامر سامر أنجدوني " و أغلقت السماعة بعنف دون أن أفهم ما القضية :
" لعله أغاظها في أمر ما " قلت ذلك لنفسي و أنا أرتدي ملابسي على عجل و اندفعت
إلى هناك بأقل من عشر دقائق ، كانت خلالها قد فتحت باب دارها و
أخذت تصرخ مستنجدة أو متحسرة أو نادبة أو ربما كل ذلك معا ، هرع إليها
الجيران فوقعت بين أيديهم فاقدة الوعي بعد نوبة تشنج كادت تفقدها حياتها
.
إقترح عليّ أحدهم :" يجب إستدعاء والد الصبي ، أتعلم أين
هو ؟ " هززت بكتفي علامة النفي و أنا مأخوذ بهول الفاجعة ، الكل من حولي
يتساءل بمزيج من الدهشة و الحزن الشديد و كنت أتساءل معهم : " كيف لصبي
في الثالثة عشر أن ينتحر ؟ إته آخر ما يخطر على البال ، إنني لم أشهد في حياتي
إنسانا محبا للحياة ، منفتحا عليها عاشقا لكل ما فيها مثل سامر "
. قال لي أحدهم : " والد الصبي يجب أن يحضر ، أفق يا أخينا من ذهولك ،
الصبي فارق الحياة و لا يجب تركه على هذه الصورة ، و أمه بين الحياة و
الموت ، و يجب إخبار الشرطة كذلك ، أنت الوحيد يا بني قريبهم ، إهدأ
رجاء و تصرف! " فأجبته و الأسى يعتصر قلبي : " والده في اللاذقية "
*****
الوالد ؟!
حتى مرحلة بلوغ سامر ظل لاهيا عنه ، كان ضابطا كبيرا
في الجيش و مديرا لإحدى المؤسسات العسكرية – التي نظرا لحساسيتها البالغة –
إستحوذت على كل إهتماماته ، مهملا جانبا كبيرا من شؤون أسرته
الوجدانية ، إلى أن جاء يوم إضطر معه لأن يقول لرؤسائه ( لا
للسياسة) ، فلم يحتملوا ذلك منه فأحالوه إلى التقاعد المبكر .
كانت صدمة زلزلت كيانه ، فضابط مثله حفل سجله بالمنجزات
و إمتلأ صدره بالأوسمة ، لم يحتمل هذا العقوق و لم يشده من إكتئابه الذي
كاد يتحول إلى مرض نفسي سوى سامر الذي أخذ يسري عنه بأسئلته الذكية
الطريفة و المحرجة أحيانا و التي لا ينضب معينها ، فأخذت جلساتهما تطول
معا و مناقشاتهما تتشعب ، بحيث بدا أن كلا منهما إكتشف الآخر و سعد
بإكتشافه .
سأله ذات مرة :
- كيف حدث أنك ضابط كبير مع أنك لم تشترك بأي
حرب ؟
-
ليس كل أفراد الجيش
مقاتلين ، هناك ضباط إتصال ، ضباط تموين ، ضباط تعبئة ، ضباط تصنيع حربي ، ضباط
هندسة ؛ تقع عليهم كل الأعباء التي تسمح للمقاتل أن يقاتل و أن يستمر في قتاله
.
- و لكنني أعتقد يا أبي أن الضابط
المقاتل أفضل ، لأن حياته أكثر تعرضا للتهديد ، ألا تشاطرني هذا الرأي ؟
- لا أبدا ، هذا أمر خاطئ تماما
، لأن كل الضباط و الجنود تحت الخطر ، ألم تسمع بالغارات الجوية – خلال حرب
تشرين - على خطوط التموين و التي بلغ مداها حتى ميناء اللاذقية ؟
*****
و في مناسبة أخرى جرى الحوار التالي :
- كيف حصلت على كل أوسمتك و أنت
لم تقاتل قط ؟
- إسمع يا بني ، ضباط الأركان
يديرون المعارك في حروبنا المعاصرة من غرف العمليات و ضمن مخابئ محصنة
و مواضعها محاطة بأعلى درجات السرية ، إنهم ليسم في المواجهة و مع ذلك
تتوقف على درايتهم و علمهم و ذكائهم مصير المعارك ، فهل برأيك لا يستحقون
التقدير لأنهم لم يشتبكوا مع العدو مباشرة ؟
و نهض إلى خزانة أوسمته و أحضر منها
أحدها و ما لبث أن إستأنف حديثه بكل الجدية المعروفة عنه :
- هذا الوسام ثبته لي رئيس
الجمهورية ، في أعقاب إنحسار العدوان الفرنسي ( أيار 1945 ) في إحتفال عام
مهيب ، مع أنني لم أقاتل خلال العدوان ، فاصغ جيدا إلى قصته
كنت مع عدد من الضباط و
الجنود السوريين ، كانوا يطلقون علينا حينئذ اسم القوات الخاصة – و هي
قوات سورية بقيادة فرنسيين - ، و كنا ملحقين بثكنة المدفعية في قلب دمشق
– في مكان مبنى الهاتف الآلي اليوم - و كنا نتابع الأحداث التي سبقت
العدوان .
كان رؤساؤنا الفرنسيون يرغموننا
على إقامة التحصينات في الثكنة و على نقل الذخائر و تجهيز المدافع ، و
عندما أصدر رئيس الجمهورية نداءه بضرورة إنسحاب أفراد الكتيبة للإنضمام إلى
المتطوعين و رجال الدرك ، بدأ الجنود يتسللون هاربين من الثكنة و الثكنات
الأخرى ، و حالما كان ينتبه إليهم الحراس كانوا يمطرونهم بوابل من
الرصاص فيصاب البعض و ينجو البعض . فقررنا أنا و بعض زملائي أن نقود
عملية هروب جماعية منظمة و بكامل أسلحتنا ، و عصر التاسع و العشرين من
أيار ، إنقضضنا على حراس الثكنة فشللنا حركتهم و من ثم صادرنا أسلحتهم و
إنطلقنا نحو قلعة دمشق حيث رجال الدرك و المتطوعون ، و لكن ما أن ابتعدنا
قليلا حتى إنهمرت القذائف حولنا ، و بلمح البصر استطعنا الإختفاء في
الأزقة و الحواري المجاورة لشارع النصر ، و عندما تبعنا الدراجون الفرنسيون
قاومناهم و أجبرناهم على الإنكفاء من حيث أتوا . و لكن للأسف الشديد شذ
قائد المدفعية السوري الذي اصطدمنا معه قبل تنفيذ خطتنا فاضطررنا إلى
تكبيله أيضا ، و يا ليتنا تخلصنا منه ، هذا الضابط هو من أمر باستخدام المدفعية
ضدنا بداية ، ثم عشوائيا فوق القلعة و ما حولها .
- ألا يسمى هذا التصرف خيانة ؟
- بنظرنا نحن نعم ، و لكن
بنظره إلتزام بقوانين الجندية .
*****
و في يوم آخر سأل سامر والده :
- كيف تمكن الإسرائليون من الوصول إلى
سعسع ، و كيف تحول نصرنا إلى هزيمة ؟
- نحن ضحية مؤامرة أنكلو
فرنسية منذ عشرينيات القرن العشرين ، هدفها الوحيد زرع إسرائيل بيننا و حمايتها
، ثم إنضمت إليهما الولايات المتحدة الأمريكية بعيد الحرب العالمية
الثانية . و تهدف الخطة أيضا إلى تجزيء العالم العربي ، إلى دويلات ضعيفة ،
يحكمها شيوخ عشائر أو أشباههم ممن لا يدركون سوى مصالحهم الشخصية ؛
و مما
يضمن قيام ربيبتهم إسرائيل و توسعها ، ثم ظهرت مافيات الحكم
لتكمل المأساة ؛ المهم أن القصة طويلة و يحتاج شرحها إلى أيام .
أعددنا للحرب و أتقنا الخطة و
كان النصر حليفنا بداية ، إلا أن السادات لسبب لا زال مجهولا ، توقف عند
منطقة قناة السويس مما أتاح للإسرائيليين أن يلتفتوا إلينا بكل قوتهم حتى أصبحت
دمشق في مرمى مدفعيتهم ، و عندما أنجدتهم أمريكا بجسر جوي يحمل الجنود
و العتاد الثقيل عادوا إلى الجبهة المصرية و أعادوا إحتلال الجزء الجنوبي من
مدن قناة السويس و وصلوا إلى نقطة تقع على بعد حوالي مائة كيلومتر تقريبا
من القاهرة .
- أليست هذه قمة الخيانة ؟
- هذه دكتاتورية القيادة و
إغتصاب الحكم و غرور الحاكم و يمكن أن نسميها أيضا خيانة !
*****
و في مناسبة أخرى ، رجا سامر والده
أن يعلمه كيف يستخدم المسدس ، فنهره و قال له بحزم :
" إياك أن تفكر بذلك قبل بلوغك
العشرين على الأقل ، حمل السلاح كاللعب بالنار ، يحرق أصابعك و قد
يؤذي غيرك بدون مبرر ، هذه المسدسات المذهبة و البنادق المزخرفة ، و الخناجر و
السيوف كلها هدايا أعتز بها ، و هي الآن للذكرى و المشاهدة
و ليست أبدا أبدا للإستعمال ! "
*****
صحت الوالدة من تأثير المهدئ فعادت
إلى الصياح و لطم الخدين و شد الشعر ، أما الجدة فقد وصلت لتوها و أخذت
تشاركها هياجها ، فعاد الطبيب ليحقن وريدي المكلومتين بالمهدئ .
كان سامر أقرب أبنائها إليها ، فحسام
بكرها كان أول تجارب أبيه التربوية فنشّأه تنشئة جافة شبه عسكرية ، أما إبنها
الثاني ماجد ، فكانت شخصيته مهزوزة مما جعله مثار تندر أخواله و زملائه في
المدرسة التي كان تقدمه فيها بطيئا . أما سامر فنجا من صرامة أبيه و تدليل أمه
، فبدت شخصيته القوية واضحة للعيان منذ وقت مبكر يزينها قدراته العقلية الشاملة
و يتممها ذكاؤه الإجتماعي ، فقد أفلح بإقامة علاقة حميمة مع أمه رغم عصبية
مزاجها ، كما تمكن من زحزحة والده عن صرامته ، حتى أصبح أقرب إلى الصديق منه
إلى الوالد و كثيرا ما كان يصحبه معه في سفراته المتكررة إلى اللاذقية
ليشرف على تخليص بضائع استوردها لحسابه ، ذلك أنه لم يطق حياة الفراغ
فأنشأ مكتبا تجاريا آخذا في النمو .
*****
- هل تعلم في أي فندق
يقيم عادة عندما يسافر إلى اللاذقية ؟
سألني ضابط الشرطة بعد أن
عرف أن أبا حسام في اللاذقية ، فأجبته :
- لديه شاليه في مكان ما ، أظنه الشاطئ الأزرق.
فالتفت إلى أحد أعوانه آمرا : " أرسل إشارة إلى اللاذقية و
ليدعوه يحضر في الحال " ثم سألني الضابط ثانية : " من أين حصل صبي كهذا على
مسدس من أحدث طراز ؟ " فأجبته : " والده كان ضابطا كبيرا ، المقدم نذير
الملاح ، ألم تسمع به ؟ و لديه خزانة ملأى بجميع أنواع الأسلحة أهديت
إليه بمناسبات متعددة عندما كان مديرا لإحدى المؤسسات العسكرية . "
حضر الآن متخصصون بالأدلة الجنائية و معهم مصور بدأ للفور
بالتقاط صور للقتيل و ما حوله، فأمر الضابط حشد النساء و الرجال من الجيران
بالمغادرة كي يتمكن هؤلاء من القيام بمهامهم و لكنه أبقى على سيدة مسنة
و رجلين لأغراض التحقيق .
سأل المحقق السيدة : " ماذا شاهدت عندما دخلت غرفة المجني
عليه ؟ أجابت بأسى : " كان تحت الفراش ! "
" تحت الفراش ؟ " لم غيرتم وضعه ؟ " سأل مستاء ، فأجابته :
" رفقا بأعصاب أمه " فصاح المحقق غاضبا : " هذا خطأ ، عند حدوث جريمة يجب ترك
كل شيء على حاله ، نبهنا إلى ذلك بواسطة الإذاعة و التلفزة " فأجابه
أحدهم : " إنها ليست جريمة سيدي ، إنه إنتحار ! فصاح في المحقق في
وجهه حانقا :" و ما يدريك أنت يا أخانا ؟ تفضل و خذ مكاني إذا لم يعجبك
كلامي "
دخل الآن ماجد ، ما أن رأى أخاه حتى أخذ يصيح و
يبكي و يضرب رأسه بالجدار ، و عندما دخل حسام ، تسمر في مكانه فاغرا فاه
و كأنه تمثال شمعي !
قال المحقق و قد بدأ ينفذ صبره و بشيء من الغلظة :
- حسام ، تماسك و أجبني على أسئلتي : " لقد وجدنا
عبوة الذخائر فارغة ، فمن كان يستعمل المسدس و هل
المغدور يعرف إستعماله ؟ "
- حد علمي ، أن أسلحة أبي في الخزانة و أن مفتاحها دوما
معه .
- كانت الخزانة مفتوحة ، فكيف تفسر ذلك ؟ أين كنت أنت
عند حدوث الجريمة ؟
- الجريمة ؟
تساءل حسام مشدوها ، فأجابه المحقق :
- نعم جريمة، إن أحدا ما من أهل البيت ، دخل فارتكب
الجريمة ، ثم غطى الضحية بالفراش ، و تسلل من ثم هاربا
.
أحس حسام كأن المحقق صفعه ، فأجابه مستاء :
- تعني أن أحدنا مشبوه ؟ هل يقتل الأخ أخاه ؟ هل
تقتل الأم ولدها أو يقتل الأب فلذة كبده ؟ نحن عائلة مترابطة يا سيدي و
نحب بعضنا بعضا .
قطب المحقق جبينه و رد عليه بما يشبه
الصياح :
- لا يخدعني هذا الكلام المعسول ، ثم أنا من يطرح
الأسئلة و أنت عليك الإجابة ، و الوقائع التي أمامي تشير إلى وجود مغدور
في هذا البيت ، ويجب أن نعرف من غدر به ، و سنعرف !
كان متخصصو الأدلة الجنائية ، قد نقلوا سامر إلى مكان آخر و
أخذوا يتفحصون فراشه -و سريره و جدرانه ، و فجأة نادى رئيسهم للمحقق ، فقد عثر
على بعض الأدلة الهامة ، قال له بثقة :
- وجدنا المسدس تحت الجثة ، ثم أنظر إلى هذه الثقوب في
أسفل الفراش ووسطه ، كل منها كان فيه رصاصة ، يبدو أن الصبي كان يدرب نفسه على
إستخدام المسدس تحت الفراش و الأغطية بحيث لا يسمعه أو ينتبه إليه أحد ، و
يبدو أن توازنه خلال التمرين الأخير لتنطلق الرصاصة إلى فمه
و لتخرج من ثم من عينه ؛ ليس في الأمر جريمة و كذلك فإن الصبي لم ينتحر
. و لكنني سأحمل كل شيء إلى المختبر كما سأرسل الجثة إلى الطبيب الشرعي
حيث سنجري مزيدا من الفحوص ثم أوافي النيابة العامة بتقريري النهائي الذي
سأرسل لك نسخة منه .
*****
دخل نذير بك باب العمارة ، هكذا كانوا ينادونه ، و توجه
رأسا نحو المصعد ، تقدم منه أحدهم : " البقية بحياتك " لم يجبه ، و استمر في
صمته إلى أن بلغ داره ، و على أقرب كرسي جلس مذهولا تماما ، سأل الجدة : " كيف
انتحر و ما السبب ؟
فأجابه حسام : " لم ينتحر ، كان يتدرب على استخدام السلاح
"
- ألم ينتبه إليه أحد ؟
- كان يتدرب تحت الفراش
أحس نذير بك بنغزة في قلبه فوضع يده على صدره . و لكن حسام
أضاف :
- ترك لك المحقق هذه الرسالة يطلبك غدا صباحا لإستكمال
التحقيق .
- أين أمك ؟
- منهارة تماما و حملوها إلى المستشفى .
- و أين ماجد
- منهار هو الآخر و أخذه أخوالي إلى بيتهم .
نفث نذير بك زفرة حرى و هو يقول : " سامحك الله يا سامر!
لطالما نبهتك أن حمل السلاح خطر على صاحبه أكثر من خطورته على الآخرين "
و إلتفت إلى حسام و الجدة قائلا بأسى بالغ :" لقد قتله فضوله ! "
أما أنا فهمست في داخلي : " و أنت أيضا مسؤول يا نذير بك "
-----------------------------
*نزار
بهاء الدين الزين
سوري مغترب
عضو إتحاد كتاب الأنترنيت العرب
الموقع :
www.FreeArabi.com
مجموعة:
"هواية مشتركة"