
قصة بقلم :
محمود الجمل
عن موقع أوتاد
عندما
أفقت ، كانت ملامح زنزانة
رطبة قد بدأت تتشكل أمام عيني ، لم اكن أدري أن ما كنت أنوي نشره عن وقائع
تزوير الانتخابات البرلمانية الأخيرة سوف يكون سببا في القبض عليَ وحملي في
عربه مسرعة نحو مبني مديرية الأمن ، حيث كان في استقبالي أحد الضباط برتبة نقيب
، كان متبرما، فالساعة كانت قد قاربت علي الواحدة ، ويبدو أنه كان متأهبا
للعودة إلي منزلة ، حتى فاجأه أمر وجودي ، فبدا عصبيا ، إلا أن هيئتي الوديعة
واستكانتي لم تجعلا لدية مبررا كافيا للتطاول علي. *كنت مشغولا بأمر زوجتي ،
الوقت يمضي وصديقي الضابط المسكين يبحث لي عن حفرة يزجني فيها ، كنت متيقظا
تماما … وكنت أعلم أن أمرا بالقبض علي قد صدر بالفعل ، فصديقي المهندس الذي قمت
بإرسال أحد الفاكسات من عنده يحوي إعلانا عن العدد الجديد من الجريدة التي
أصدرها ، كان قد تم استدعاؤه ليلا بعدما عرفوا رقم تليفونه من إحدى ورقات
الفاكس المرسلة ، وتم استجوابه وصرفه بهدوء وقام بإخباري، فتهيأت للمسألة .
كانوا أربعة الذين استقبلوا فاكساتى : نائبان ورئيس المجلس المحلى السياسي
ورئيس مجلس إدارة شركة .كنت قد وضعت علامة محددة علي كل نسخة من الإعلان المرسل
، وكنت قد تيقنت تماما من حقيقة من وشي بي . كنت هادئا للغاية ، فقبل القبض علي
بساعتين كنت أزور صديقي الطبيب ، حيث أشكو من الأرق وحالة من الخوف المجهول
تنتابني ليلا… أرى أشباحا غريبة التكوين ، دميمة الملامح تحلق فوق رأسي وتطلق
أصواتا حادة تخرق أذني حتى أبدو كالأصم ، أعطاني الطبيب حبوبا منومة وأخري تخفف
من حالة الخوف . عندما أخذوني للضابط لكي يجري تحقيقا أوليا ، ابتلعت خلسة (حبا
يه) كنت هادئا كطبعي ، كنت أعلم أن خروجي عن حالتي الهادئة ودخولي في نوبة من
الانفعال الحاد هو الأمر المطلوب ، حتى أبدو شخصا هستيريا بحاجة للعقاب ، تسلل
الهدوء الحاد داخل شراييني وأخذت في بناء دفاعاتي ،كنت قد قررت الزج باسم رئيس
المجلس في كل إجاباتي ، وكان اتصال تليفوني بيني وبينه قد تم قبل القبض عليه
بلحظات ، أنباته بأنهم في طريقهم إلى ، لم يرفض الرجل أن يأتى أسمه في التحقيق
، لم تخل إجابة من تكرار أسمه ومن أننا قد اتفقنا على ما سوف يتم نشره ، وان
ملف تزوير الانتخابات ، لم تكن محاولة فتحه إلا حيلة نرد فيها على مروجى الفتن
الذين ادعوا أن تزويراً بشعاً تم وأن أموالاً بالملايين قد دفعت . وما أن أنتهي
النقيب من تحقيقه ، حتى جاء من يخبره بأن (( سيد بيه )) يطلب نسخة من التحقيق
.. كان إحساسا خفياًقد بدأ يغزوني بأن ما يجرى معي شكل من أشكال التأديب والقهر
المعنوي ، وكنت قد قررت ألا أنهزم ولكن في الوقت نفسه كنت قد قررت ألا أسعى
لبطولة أو استشهاد . عندما حملتني السيارة لقضاء الليلة بالقسم القريب من
الخليج كان أحد الضباط ممن يعرفوني قد حضر لاصطحابي لمكان احتجازي ، أدخلني معه
في كابينه القيادة وعندما سلمني للضابط النوبتجى أوصاه علي . عندما أمر ضابط
القسم باصطحابي داخل غرفة الحجز قام باستدعاء ( البرنس ) الذي كان محبوساً على
ذمة قضية مخدرات وأخبره بأنني صحفي وأمره بحسن معاملتي .
كنت أحمل حقيبتي الجلدية السوداء وبداخلها شهادة إنهاء الخدمة العسكرية وبعض
الأوراق وشريطي الحبوب المنومة والمهدئة ، التفت المحتجزون حولي ، عرفت من
بينهم ( محمود ) وكان ينادونه ( كوم أمبو ) كان جارى في شارع جرجا حيث منزلنا
القديم ، أحسست بالراحة فأنا الآن في بيتي ، لم أبعد كثيرا عن شارعنا ، وكوم
أمبو بهيئته الرثة ومعه البرنس وعاطف سرنجة ، كانوا قد شكلوا حلقة حولي وبدأوا
يسألوني عن سر وجودي ، وعندما أخبرتهم بأن سياسياً هلعا كان السبب أخذوا يكيلون
له السباب ، كان البرنس قد منحنى بطانية خفيفة للرقاد عليها ، وكنت قد أبتلعت
قرصاً منوماً ، بدأت في الانسحاب للداخل .
كانت رائحة الطفح في دورة المياه العفنة موجودة داخل غرفة الحجز تدعوني للهروب
، وكانت رائحة الدخان المتصاعد من أفواه عشرات المحتجزين المتراصين في مدخل
غرفة الحجز وغرفة صغيرة أخرى جانبية تصنع حالة من الشياط ، لم تكن لدية أي رغبة
في الحديث ، أكتفيت بالتقاط بعض الأحاديث الجانبية ، كنت قد توسدت حقيبتي بعد
أن أطبقت عليها جيداً ، وذهبت بعيدأ .
*كانت الساعة قد بلغت السادسة من صباح يوم الاثنين 18 من مارس ، أخرجونا من
غرفة الحجز نحو حوش السجن الواسع ، أخذ ( عبد الله سبرتو ) في إطلاق صرخات
احتجاجه علي ما يجري ، كان محبوسا في غرفة السجن ، وكانت بعض السيدات قد خرجن
من غرفة الحجز الخاصة بهن لملء بعض الأواني … مضي الوقت بطيئا قاتلا ، وروحي
تكاد تخرج. كنت أرتدي بدلة كحلية وقميصا لم أعد أتذكر لونه ، كان معظم زملائي
قد ذهبوا للنيابة للعرض عليها ولم يبق غيري ، كنت أدرك أن تعذيبا معنويا مقصودا
يجري معي . ما أن أتت الساعة الواحدة ، حتى كان الملازم أول ( رفعت ) قده حضر
لاصطحابي . *كنت مهموما بأمر زوجتي وطفلي رامي وفاطمة ، كنت أدراك أنها ستجن .
فما معني ألا يأتي رجل
لبيته حتى الفجر ؟
*كان صديقي عدلي قد أجري اتصالا بمنزلي فعلم بأمر غيابي .. فأسرع نحو مبني
مديرية الأمن فوجد سيارتي القديمة مركونة بجوار مبني الحزب الوطني ، صعد للمبني
، حيث التقي ضابطا صديقه ، فأخبره بأن عملية (شد ودن ) تجرى لي الآن وأنة
لاقضية . كان قد تم عرضي علي النيابة حيث أمر وكيل النائب العام بالعرض ليلا.
أدركت أنة مطلوب أن امضي ليلة أخرى بصحبة البرنس وسرنجة وكوم أمبو ، عدت مرة
أخرى لغرفة الحجز كان عدلي قد أخبر زوجتي بأن الأمر بسيط وأنني بخير . علمت أنة
قد أحضر لي طعاما ومياها معدنية ، ومنعة الضابط … يبدو أنة كانت هناك توصية
بالا يتصل بي أحد ، أصر عدلي علي إدخال الطعام وعندما تصلب الضابط ، أخبره عدلي
بأنة مستعد لافتعال مشاجرة الآن وبالتالي لن يملك الضابط إلا أن يدخله معي ،
وجده مصراً ، نادى أحد المخبرين وأمره بتوصيل الطعام لي .
كانت بعض المفاوضات قد جرت ظهيرة يوم الاثنين وشاركت فيها الأديبة هاجر ، كان
شقيقي قد أخبرها بما جري فأصرت علي الصعود لمكتب المدير ، الذي فوجئ بدفاعها
الحار عني ، كان أحد أعضاء المجلس المحلى حاضرا ورغم علاقتي القديمة به لم يفتح
فمه بكلمة دفاع واحدة ، علي العكس دافع عني باستماتة ضابط العلاقات العامة
بالمديرية ، كان يعرف قدري جيدا وكثيرا ماكان يطلبني بحكم عملة لمقابلة أحد
المديرين ، كنت مازلت أملك صحيفة وموقعا حزبيا متميزة وكانوا يدركون أهمية
الحوار. *عندما عدت ليلا للعرض مرة أخرى علي وكيل النائب العام ، كنت قد تيقنت
من أن مياهاً كثيرة قد جرت من تحت الجسور ، علمت أن ( ماهر ) قد ذهب لمقابلة
المدير وناقشة في أن ما جرى لم يكن مطلوبا وأنة باتصال تليفوني هادئ كان يمكن (
لم ) الأمور .
أدرك وكيل النائب العام غلبي ، كنت منكسرا بفعل قلة النوم وكنت قد استمعت
لنصيحة أحد أصدقائي بالا أقاوم وأن أبدو واهنا ، بعدها أخبرني الرجل بأنة سوف
يتركني من أجل أولادي ، أمر بالإفراج عني ما لم أكن مطلوبا علي ذمة قضية أخرى.
*تيقنت من أن الفصل الأخير من حكايتي الهزلية قد قارب علي الانتهاء ، عادوا بي
مرة أخرى لغرفة الحجز ، لم تمض الليلة سريعة ، فقبل الفجر بقليل سمعت صوت صفعات
تدوي علي وجه أحد المحتجزين ، يبدو أن واقعة اغتصاب قد تمت ، الصفع لم يفرق بين
الاثنين ، لم أشغل نفسي بما تم ، كنت أنتظر الصباح . عندما قاربت الساعة
الثانية عشرة ظهرا جاء أحد الصولات وجمعني معه في ( كلابش واحد) كان مفروضا أن
تحملني العربة لمبني مديرية الأمن إلا أنة كان مطلوبا أن أذهب سيرا علي الأقدام
، حيث تحولت إلي فرجة ، عندما وصلنا لمبني المديرية ، تم بتثاقل شديد إعداد ورق
العرض علي الإدارات المختلفة : مخدرات ، اداب أموال عامة ، كان مثيرا أن ساحتي
جاءت خالية ، أعادوني مرة أخرى لمبني القسم ، استقبلني نائب المأمور بفتور ،
أراد احتجازي حتى المساء للعرض علي أمن الدولة ، وعندما أخبرته بأن ( سيد بية )
أجرى اتصالا بهم وعلم أني لست مطلوبا ، أصر علي أن يعاود الاتصال بنفسه بالسيد
المدير ، ما أن انتهي من مكالمته ، حتى أخبرني بأن السيد المدير يدعونني
للالتزام ، أومأت بالموافقة .. كانت رغبة شديدة استبدت بي للتبول ، كانت روائح
عطنة تأتيني من هناك ، وكان مصطفي عبد السلام وعدلي لواش وشقيقي عبد اللطيف في
انتظاري .. ركبنا جميعا سيارتي ، دعوت عدلي للقيادة ، أصر علي أن أقودها بنفسي
. *كانت شمس عصر الثلاثاء 19 من مارس قد قاربت علي الرحيل وكانت رغبة مفاجئة في
التجرد من ملابسي قد استبدت بي قبل أن أحكي لزوجتي وأطفالي ما تم ، سارعت بخلع
ملابسي بالكامل ، كانت المياه تجرى ساخنة والبخار يتكاثف حتى صنع غلالة سميكة
من حولي ، عندما استطال الوقت ولم تعد زوجتي تتسمع وقع القطرات المتعاقبة ،
فتحت علي الباب ، لم أكن موجودا.