www.FreeArabi.com

مختارات قصصية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 الأدب :      ص2    ص3    ص4    ص5    ص6    ص7    ص8     أرشيف2

 صنابير النار

قصة بقلم : محمود الجمل

عن موقع أوتاد

               عندما أفقت ، كانت ملامح زنزانة رطبة قد بدأت تتشكل أمام عيني ، لم اكن أدري أن ما كنت أنوي نشره عن وقائع تزوير الانتخابات البرلمانية الأخيرة سوف يكون سببا في القبض عليَ وحملي في عربه مسرعة نحو مبني مديرية الأمن ، حيث كان في استقبالي أحد الضباط برتبة نقيب ، كان متبرما، فالساعة كانت قد قاربت علي الواحدة ، ويبدو أنه كان متأهبا للعودة إلي منزلة ، حتى فاجأه أمر وجودي ، فبدا عصبيا ، إلا أن هيئتي الوديعة واستكانتي لم تجعلا لدية مبررا كافيا للتطاول علي. *كنت مشغولا بأمر زوجتي ، الوقت يمضي وصديقي الضابط المسكين يبحث لي عن حفرة يزجني فيها ، كنت متيقظا تماما … وكنت أعلم أن أمرا بالقبض علي قد صدر بالفعل ، فصديقي المهندس الذي قمت بإرسال أحد الفاكسات من عنده يحوي إعلانا عن العدد الجديد من الجريدة التي أصدرها ، كان قد تم استدعاؤه ليلا بعدما عرفوا رقم تليفونه من إحدى ورقات الفاكس المرسلة ، وتم استجوابه وصرفه بهدوء وقام بإخباري، فتهيأت للمسألة . كانوا أربعة الذين استقبلوا فاكساتى : نائبان ورئيس المجلس المحلى السياسي ورئيس مجلس إدارة شركة .كنت قد وضعت علامة محددة علي كل نسخة من الإعلان المرسل ، وكنت قد تيقنت تماما من حقيقة من وشي بي . كنت هادئا للغاية ، فقبل القبض علي بساعتين كنت أزور صديقي الطبيب ، حيث أشكو من الأرق وحالة من الخوف المجهول تنتابني ليلا… أرى أشباحا غريبة التكوين ، دميمة الملامح تحلق فوق رأسي وتطلق أصواتا حادة تخرق أذني حتى أبدو كالأصم ، أعطاني الطبيب حبوبا منومة وأخري تخفف من حالة الخوف . عندما أخذوني للضابط لكي يجري تحقيقا أوليا ، ابتلعت خلسة (حبا يه) كنت هادئا كطبعي ، كنت أعلم أن خروجي عن حالتي الهادئة ودخولي في نوبة من الانفعال الحاد هو الأمر المطلوب ، حتى أبدو شخصا هستيريا بحاجة للعقاب ، تسلل الهدوء الحاد داخل شراييني وأخذت في بناء دفاعاتي ،كنت قد قررت الزج باسم رئيس المجلس في كل إجاباتي ، وكان اتصال تليفوني بيني وبينه قد تم قبل القبض عليه بلحظات ، أنباته بأنهم في طريقهم إلى ، لم يرفض الرجل أن يأتى أسمه في التحقيق ، لم تخل إجابة من تكرار أسمه ومن أننا قد اتفقنا على ما سوف يتم نشره ، وان ملف تزوير الانتخابات ، لم تكن محاولة فتحه إلا حيلة نرد فيها على مروجى الفتن الذين ادعوا أن تزويراً بشعاً تم وأن أموالاً بالملايين قد دفعت . وما أن أنتهي النقيب من تحقيقه ، حتى جاء من يخبره بأن (( سيد بيه )) يطلب نسخة من التحقيق .. كان إحساسا خفياًقد بدأ يغزوني بأن ما يجرى معي شكل من أشكال التأديب والقهر المعنوي ، وكنت قد قررت ألا أنهزم ولكن في الوقت نفسه كنت قد قررت ألا أسعى لبطولة أو استشهاد . عندما حملتني السيارة لقضاء الليلة بالقسم القريب من الخليج كان أحد الضباط ممن يعرفوني قد حضر لاصطحابي لمكان احتجازي ، أدخلني معه في كابينه القيادة وعندما سلمني للضابط النوبتجى أوصاه علي . عندما أمر ضابط القسم باصطحابي داخل غرفة الحجز قام باستدعاء ( البرنس ) الذي كان محبوساً على ذمة قضية مخدرات وأخبره بأنني صحفي وأمره بحسن معاملتي .

كنت أحمل حقيبتي الجلدية السوداء وبداخلها شهادة إنهاء الخدمة العسكرية وبعض الأوراق وشريطي الحبوب المنومة والمهدئة ، التفت المحتجزون حولي ، عرفت من بينهم ( محمود ) وكان ينادونه ( كوم أمبو ) كان جارى في شارع جرجا حيث منزلنا القديم ، أحسست بالراحة فأنا الآن في بيتي ، لم أبعد كثيرا عن شارعنا ، وكوم أمبو بهيئته الرثة ومعه البرنس وعاطف سرنجة ، كانوا قد شكلوا حلقة حولي وبدأوا يسألوني عن سر وجودي ، وعندما أخبرتهم بأن سياسياً هلعا كان السبب أخذوا يكيلون له السباب ، كان البرنس قد منحنى بطانية خفيفة للرقاد عليها ، وكنت قد أبتلعت قرصاً منوماً ، بدأت في الانسحاب للداخل .

كانت رائحة الطفح في دورة المياه العفنة موجودة داخل غرفة الحجز تدعوني للهروب ، وكانت رائحة الدخان المتصاعد من أفواه عشرات المحتجزين المتراصين في مدخل غرفة الحجز وغرفة صغيرة أخرى جانبية تصنع حالة من الشياط ، لم تكن لدية أي رغبة في الحديث ، أكتفيت بالتقاط بعض الأحاديث الجانبية ، كنت قد توسدت حقيبتي بعد أن أطبقت عليها جيداً ، وذهبت بعيدأ .

*كانت الساعة قد بلغت السادسة من صباح يوم الاثنين 18 من مارس ، أخرجونا من غرفة الحجز نحو حوش السجن الواسع ، أخذ ( عبد الله سبرتو ) في إطلاق صرخات احتجاجه علي ما يجري ، كان محبوسا في غرفة السجن ، وكانت بعض السيدات قد خرجن من غرفة الحجز الخاصة بهن لملء بعض الأواني … مضي الوقت بطيئا قاتلا ، وروحي تكاد تخرج. كنت أرتدي بدلة كحلية وقميصا لم أعد أتذكر لونه ، كان معظم زملائي قد ذهبوا للنيابة للعرض عليها ولم يبق غيري ، كنت أدرك أن تعذيبا معنويا مقصودا يجري معي . ما أن أتت الساعة الواحدة ، حتى كان الملازم أول ( رفعت ) قده حضر لاصطحابي . *كنت مهموما بأمر زوجتي وطفلي رامي وفاطمة ، كنت أدراك أنها ستجن . فما معني ألا يأتي رجل

لبيته حتى الفجر ؟

*كان صديقي عدلي قد أجري اتصالا بمنزلي فعلم بأمر غيابي .. فأسرع نحو مبني مديرية الأمن فوجد سيارتي القديمة مركونة بجوار مبني الحزب الوطني ، صعد للمبني ، حيث التقي ضابطا صديقه ، فأخبره بأن عملية (شد ودن ) تجرى لي الآن وأنة لاقضية . كان قد تم عرضي علي النيابة حيث أمر وكيل النائب العام بالعرض ليلا. أدركت أنة مطلوب أن امضي ليلة أخرى بصحبة البرنس وسرنجة وكوم أمبو ، عدت مرة أخرى لغرفة الحجز كان عدلي قد أخبر زوجتي بأن الأمر بسيط وأنني بخير . علمت أنة قد أحضر لي طعاما ومياها معدنية ، ومنعة الضابط … يبدو أنة كانت هناك توصية بالا يتصل بي أحد ، أصر عدلي علي إدخال الطعام وعندما تصلب الضابط ، أخبره عدلي بأنة مستعد لافتعال مشاجرة الآن وبالتالي لن يملك الضابط إلا أن يدخله معي ، وجده مصراً ، نادى أحد المخبرين وأمره بتوصيل الطعام لي .

كانت بعض المفاوضات قد جرت ظهيرة يوم الاثنين وشاركت فيها الأديبة هاجر ، كان شقيقي قد أخبرها بما جري فأصرت علي الصعود لمكتب المدير ، الذي فوجئ بدفاعها الحار عني ، كان أحد أعضاء المجلس المحلى حاضرا ورغم علاقتي القديمة به لم يفتح فمه بكلمة دفاع واحدة ، علي العكس دافع عني باستماتة ضابط العلاقات العامة بالمديرية ، كان يعرف قدري جيدا وكثيرا ماكان يطلبني بحكم عملة لمقابلة أحد المديرين ، كنت مازلت أملك صحيفة وموقعا حزبيا متميزة وكانوا يدركون أهمية الحوار. *عندما عدت ليلا للعرض مرة أخرى علي وكيل النائب العام ، كنت قد تيقنت من أن مياهاً كثيرة قد جرت من تحت الجسور ، علمت أن ( ماهر ) قد ذهب لمقابلة المدير وناقشة في أن ما جرى لم يكن مطلوبا وأنة باتصال تليفوني هادئ كان يمكن ( لم ) الأمور .

أدرك وكيل النائب العام غلبي ، كنت منكسرا بفعل قلة النوم وكنت قد استمعت لنصيحة أحد أصدقائي بالا أقاوم وأن أبدو واهنا ، بعدها أخبرني الرجل بأنة سوف يتركني من أجل أولادي ، أمر بالإفراج عني ما لم أكن مطلوبا علي ذمة قضية أخرى. *تيقنت من أن الفصل الأخير من حكايتي الهزلية قد قارب علي الانتهاء ، عادوا بي مرة أخرى لغرفة الحجز ، لم تمض الليلة سريعة ، فقبل الفجر بقليل سمعت صوت صفعات تدوي علي وجه أحد المحتجزين ، يبدو أن واقعة اغتصاب قد تمت ، الصفع لم يفرق بين الاثنين ، لم أشغل نفسي بما تم ، كنت أنتظر الصباح . عندما قاربت الساعة الثانية عشرة ظهرا جاء أحد الصولات وجمعني معه في ( كلابش واحد) كان مفروضا أن تحملني العربة لمبني مديرية الأمن إلا أنة كان مطلوبا أن أذهب سيرا علي الأقدام ، حيث تحولت إلي فرجة ، عندما وصلنا لمبني المديرية ، تم بتثاقل شديد إعداد ورق العرض علي الإدارات المختلفة : مخدرات ، اداب أموال عامة ، كان مثيرا أن ساحتي جاءت خالية ، أعادوني مرة أخرى لمبني القسم ، استقبلني نائب المأمور بفتور ، أراد احتجازي حتى المساء للعرض علي أمن الدولة ، وعندما أخبرته بأن ( سيد بية ) أجرى اتصالا بهم وعلم أني لست مطلوبا ، أصر علي أن يعاود الاتصال بنفسه بالسيد المدير ، ما أن انتهي من مكالمته ، حتى أخبرني بأن السيد المدير يدعونني للالتزام ، أومأت بالموافقة .. كانت رغبة شديدة استبدت بي للتبول ، كانت روائح عطنة تأتيني من هناك ، وكان مصطفي عبد السلام وعدلي لواش وشقيقي عبد اللطيف في انتظاري .. ركبنا جميعا سيارتي ، دعوت عدلي للقيادة ، أصر علي أن أقودها بنفسي . *كانت شمس عصر الثلاثاء 19 من مارس قد قاربت علي الرحيل وكانت رغبة مفاجئة في التجرد من ملابسي قد استبدت بي قبل أن أحكي لزوجتي وأطفالي ما تم ، سارعت بخلع ملابسي بالكامل ، كانت المياه تجرى ساخنة والبخار يتكاثف حتى صنع غلالة سميكة من حولي ، عندما استطال الوقت ولم تعد زوجتي تتسمع وقع القطرات المتعاقبة ، فتحت علي الباب ، لم أكن موجودا.