حجر فيروز
في إصبع رجل مغرور
قصة بقلم : نسرين طرابلسي / دمشق
موقع القصة العربية
http://www.arabicstory.net
تستوقفني الأيدي، قبل الوجوه غالباً.. فالوجوه قد تخدع لكن الأيدي لا تعرف
الخداع. ألم يكن إعجابي بيديك من أول نظرة هو جواز دخولك إلى حياتي؟. كيف
كان من الممكن مقاومة يديك الموحيتين بالقوة وهما تعبثان بعلبة الدخان
وأظافرهما مقلمة دون ترف، وشعرهما ممشط باتجاه واحد كحقل سنابل هبت عليه
نسائم المساء.
دعنا من يديك الآن فليست أصابعك سواء وليست الأيدي سواء وكذلك البشر. ولا
حتى المبادئ والأفكار التي نتمسك بها طويلاً، ونطبقها، ثم نكتشف أنها خديعة
كبرى. ثم بصماتنا التي تبقى شاهداً على جرائمنا العفوية التي نرتكبها دون
تخطيط فلا نرتدي قفازات ولا يتبقى لدينا الوقت الكافي لمسحها قبل الهروب من
مسرح الجريمة.
لقد كانت يدان عاديتان جداً تلكما اللتين استوقفتا دهشتي للحظات طويلة قبل
أن أتنبه إلى نفسي فأشيح عيني عنهما بصعوبة. يدان تشيان بطبع صاحبهما
العصبي. تتحركان وكأنهما يدا قائد أوركسترا لا يمكن أن تخرج السيمفونية
مكتملة خالية من النشاز دون إشاراته صعوداً وهبوطاً أمام عيون العازفين
المهذبة التي تتابعهما بانقياد. يدان سمراوان صغيرتا الحجم، مفاصل أصابعهما
مكرمشة. وأظافرهما متآكلة إلى حدود اللحم، يبدو أن أسنان صاحبهما فعلت
فعلها في تفريغ شحنات من التوتر العالي في التهام الزوائد فيهما فتركت
آثاراً من الخثرات الدموية. والشعر الذي يكسو سلامياتهما كان ناعماً كثيفاً
ومجعداً إلى حد ما. وعلى ظاهر الكفين بدت عروق خفيفة الزرقة، متضافرة مع
أعصاب مشدودة تحت جلد فتي، تنتفض نبضاً كلما احتدم النقاش. وفي خنصر اليد
اليسرى كان خاتم فضي صغير يتوسطه حجر فيروز معروق بخطوط طفيفة السواد، يخبر
عن صاحبه الذي يخشى الحسد والعيون الناظرة. ولما كان الفيروز حجري الكريم
المفضل علقت به نظراتي فأخذ يسحبها معه صعوداً وهبوطاً.
تنبه صاحب الخاتم لما تفعله عيناي فأخذ يبالغ في حركات يديه مستعرضاً خاتمه،
رافعاً صوته الذي وصلني متأخراً. كان الحديث يدور حول منجزاته العظيمة في
عالم الفن التشكيلي. وكيف أنه حبس نفسه شهراً كاملاً لينهي لوحات معرضه
الأخير. بدأت أتخيل في يده ريشة غليظة يغمدها في لون واحد ويضرب بها القماش
المشدود على أنغام موسيقى كلاسيكية عالية هازّاً شعر رأسه الطويل. استرقت
نظرة إلى رأسه لأتأكد، وصدق ظني. كان شعراً طويلاً تكاد خصلاته الحلزونية
تلامس الكتفين. سوداء لامعة نزقة كصاحبها، تتراقص حول وجنتيه النحيفتين
برقصة معبرة عن كل نعم أو لا أو ربما نطق بها.
بدأت يدي اليمنى ترهق من دفق أناه فتباطأت عن كتابة كل ما يتفوه به من كلام
بعد الدقائق العشرة الأولى الطويلة من المؤتمر الصحفي. استمر زملائي في
التقاط درره بينما تلتمع فلاشات كاميرات المصورين بكثرة محاولة التقاط رسم
فوتوغرافي ثابت لهذا الشخص الذي لا يعرف الثبات. همس المصور الذي يرافقني
كممثلين عن إحدى المجلات المتخصصة:لو يبعد يديه فقط عن وجهه.
بعد التحميض خرجت كل الصور مشوهة كصور نرسيوس على صفحة ماء قلق. صور كثيرة
التقطت ليديه.
بعد نشر المقال تلقيت اتصالا، وامتدت يد من الهاتف لتصفعني. لم يعجبه
المانشيت.