
قصة
بقلم: ميرفت شرقاوي*
زغاريد
ودموع
في
تلك الليلة تهلل وجه أبي
بالفرح فقد أصبح أبا , ففاضت عيناه بالدموع . كانت ساعات ثقيلة تلك التي مرت
عليه أثناء سماعه أنين أمي وهي في مرحلة المخاض والولادة .
شعر أبي بأن الفرحة فرحتان
بإنجاب أمي للصبي
وقيامها بالسلامة ،
و
تذكر و
هو يحاول ضم المولود
الصغير إلى صدره صورا كثيرة
تمر أمام عينيه
مسرعة , حاول كبحها والتصدي لها
، و لكن المشهد لا يزال
حيا قريبا , إنها عشر سنوات فقط هي التي تفصله عن ذكريات طفولته وشبابه وشقاوته
،
عشر سنوات تفصله عن ساحلها وشمسها
ودفئها ،عشر سنوات , عن رفاقه وأصدقائه , .وأختيه اللتين بقيتا بعيدتين
.
تعالى
صوت أخي بالبكاء ليقطع بذلك عذاب أبي بهذه الذكريات التي عكرت لحظات سعادته
، وكأن هذا الطفل الصغير
كان يعترض
على شرود أبي وتحليقه بعيدا .
إلى أن جاء دور جدتي لتحمل أخي
وتهدهده وترقيه وتدعو له بأن يحفظه الله من كل شر .
أما أمي المسكينة فكانت تحاول
إبعاد شبح تلك الذكريات عن مخيلتها حتى لا تنزعج ويصبح حليبها
سيئا
لأخي الصغير .
أصبح صوت الزغاريد والتبريكات
والتمنيات من قبل الأهل عاليا في تلك الغرفة الصغيرة التي ضاقت أرجائها بضجيج
الأصوات ما بين فرحة ومتألمة وشاردة , فهي الغرفة الصغيرة المؤقتة لفترة قصيرة
خارج الوطن , ومن ثم فإن
العودة الأكيدة للوطن .
البحث
عن الرزق
بينما
تحاول أمي كي الملابس وطهي طعام الغداء , حدث ضجيج وصخب على أعتاب الغرفة
،
رجال يحملون أواني وحاجيات تلك
الغرفة لنقلها إلى تلك السيارة الواقفة بالباب
،
لقد ضاقت سبل العيش بأبي فقرر
الرحيل إلى الأردن فقد وعده زوج أخته بعمل جيد هناك .
لم تستطع أمي الاعتراض بسبب
صراخ أبي حين طلب منها إطفاء نار الموقد وحمل الطعام ولفه جيدا( فسنتناوله فيما
بعد عند وصولنا إلى عمان) قال أبي , أمي منهكة القوى من حملها الرابع لا تقوى
على المجادلة والمخاصمة فهي بذلك تبعد عن بيت أهلها في( حارة اليهود) في مدينة
دمشق و عن
أبيها وأمها وأخوتها وهي الكبرى
التي تحمل جميع ذكرياتهم قبل الهجرة وأثناءها
وبعدها ،
مرورا بحمص وحماة قبل استقرارهم
في دمشق , ذكريات تلك الأيام المحشوة في صدرها
،
و
الثلج القارص في أثناء
ذهابها وإيابها إلى المدرسة التي ملت جدتي منها ففضلت تعليمها نشر الغسيل على
الحبال الباردة وتربية أخوتها الصغار بدلا من أحرف الهجاء .
كل ذلك بدأ يتراءى أمام عينها
وهي في طريقها إلى مجهول أخر في بلد أخر
أيلول
الأسود
بعد
أن أنجبت أمي طفلا وطفلة حان وقت الرحيل من جديد إلى دمشق وكانت الأحداث تتسارع
متوترة فكان الخيار هو العودة وبشكل مفاجئ لتبدأ مرحلة جديدة من العذاب في بيت
جدي الممتلئ وأبي العاطل عن العمل وجدتي التي لم تكن راضية عن زواج أمي بابن
عمها ،
وما زالت تكن بعض أو كثير من الكره و عدم الرضا عن زوج ابنتها الكبيرة , كان
ذلك كابوسا يجعل من أمي ضعيفة فتقع بين شباك الدفاع والهجوم المستمر ما بين
جدتي وأبي المثقل بالأولاد الخمسة والبحث عن العمل
ما
وراء الجبل
في
قرية صغيرة على أطراف مدينة دمشق الأموية استقر الحال بعد فترة مولدي , كان
جوها البارد شتاءا يزيد من برودة تلك السنين وصقيع الأحداث المتتالية .
كنت كثيرة الأسئلة عما حدث
وعما يجري , فلماذا معلمتي تطلق صرخاتها في وجهي الصغير و
تبث كرهها لي
؟ وأنا لست مسؤولة عن وجودي فوق أرضها ووطنها ,و ذكريات أحاديث جدتي لنا عن
الهجرة وأسئلة الناس لهم الكثيرة والمتعددة عن فلسطين وما لديهم في فلسطين من
أواني وملابس وأغراض ،
وهل تشبه تلك الأغراض ما يوجد في دمشق , وكأن فلسطين تقبع في المريخ وليس على
بعد عدة كيلومترات !
و تلك الصور أيضا التي رسمتها
أمي عن معاناتهم التي جعلتهم يهيمون
في الأرض على وجوههم،
و
ما وصفته من جور وظلم وقتل وتنكيل
وتسميم المياه ونشر الذعر بين الناس
، و
المجازر التي جعلتهم
يرضخوا لفكرة الرحيل المؤقت ومن ثم الرجوع بعد أسبوع من تاريخه, و
حديث جدتي عن تنظيف الغرفة
وترتيب السرير والاحتفاظ بالمفتاح لحين رجوع جدي بعد أسبوع ليمارس عمله
كالمعتاد .
أسئلتي الكثيرة التي لم تنتهِ
لوالدي عن مكان وجود فلسطين واتجاهها من موقع بيتنا هذا
، فكان دائما ما يقول لي
أن فلسطين تقع وراء هذا الجبل
المطل على بيتنا
.
فكان حلم الصعود على قمة ذلك
الجبل ورؤية فلسطين عن قرب يشغل مخيلتي طوال فترة تلك الطفولة المقطعة والمجزأة
الأحاسيس ومشاعر الحرمان والحنق على فقدان نعمة من نعم الدنيا وهي الوطن
.
أحلام
الشباب
بعدما
استقر الحال لفترة خمسة عشرة سنة في بيت من غرفتين يضم تسع أشخاص
،
كانت تجتاحهم
بين الحين والآخر
رياح الحنين إلى الاستقرار والهدوء ولملمة ألذات ومعرفة معالم طريق يبدو شعاعا
من الأمل في نهايته .
بدأت مرحلة المرض الطويل
لوالدي وتركه العمل بسبب ذلك ,
فكنت عندما أعود من مدرستي
و أراه طريح فراش المرض , اشعر بالتعاسة الحقيقية .
وصل أخي إلى مرحلة ما بعد
الثانوية وأراد دراسة مادة علمية اقتصادية ولكن من سيؤمن له مصاريف دراسته ؟
فلم يجد بدا إلا أن يتجه للعمل مع أخيه الأكبر ليشاركه رحلة العمل ويقاسمه حسرة
العلم والدراسة .
في
هذه الأثناء
اشتعلت شرارة الانتفاضة الأولى
فكان الشعور بالغليان والهيجان وحماس الشباب الذي ينتظر دوره!! في تلك الثورة
المتقدة والمشتعلة نارا حامية في صدورهم فقط !!بسبب المسافات التي كانت تفصل
بين ما نراه ونسمعه في شاشات التلفزيون وبين التواجد على تلك الأرض الطاهرة
التي كانت تستصرخ وتأن تحت سياسة تكسير العظام دونما ملبٍ
أو
منجد !!!!!!!!!!!
حقائب
السفر المتعبة
مددت يدي وعانقتها بحرارة ,
كنت أريد الالتصاق بها والاختباء بين ضلوعها لأكون معها أينما تحل وترتحل ,
وبالرغم من بلوغي مرحلة الصبا ولكني كنت اشعر في تلك اللحظة وكأني طفل مدلل
صغير ما زال يحبو ولا يستطيع العيش وفراق صدر أمه الحنون .
لا تتأخري قلتها وقد اختنقت
أحرفها في حلقي واختلط طعمها بملوحة عبراتي المتساقطة .
أمي تحاول الإفلات مني لتمسك
بيد أختي الكبرى ليرحلا معا من جديد إلى الأردن للحاق بأخي الكبير بعدما ضاقت
بوجهه سبل العيش في دمشق , ليعيد التاريخ نفسه من جديد !!
لم يكن حال مشاعر أمي بأحسن من
حالي ونحن نعانق هذا المشهد وهي ترى هذه العائلة يمزقها الفراق وتتعس أيامها
الدموع .
ضياع
الهوية
تتقلب
بك الأيام وتتصارع مع دنياك لتصل إلى مرحلة فقدان الهوية , نعم عندما تفقد
شعورك وإحساسك بهويتك وعندما تسأل من أنت ومن أين قادم فلا تعرف الإجابة بكلمة
مختصرة , وإنما يتوجب عليك أن تدلي بمقالة لتشرح ذلك التعقيد في هويتك .
وعندما تفقد طموحاتك وأمالك في
هويتك العربية , وعندما تفشل أيضا في غرس أو زرع هوية جديدة لك في عالم أخر
هجرت إليه قصرا , وعندما ينال أولادك ما نالك من فقدان هذه الهوية بالرغم من
شعورك وشعورهم بالانتماء الشديد الصادق , وعندما تفتقد , أو تفشل في أن يكون لك
أصدقاء طفولة وصبا تحن إليهم وتشتاق, وتتذكر معهم شقاوات الطفولة وتنكأ وتلجأ
إليهم عندما تحتاج مشورتهم أو مساندتهم
عندما تعيش على أمل الرجوع إلى الوطن
وعندما يعيش الوطن في انتظارك لتعود من ارض المنفى
.....
ستظل تكتب عن وطن
...............................................................
* ميرفت شرقاوي
السويد