www.FreeArabi.com

مختارات قصصية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 إثـــارة

قصة بقلم : كلاديس مطر

عن دنيا الوطن


         بيني
وبين (أبقراط) قسم، وربما سر قديم لا يعرفه أحد سوانا. صحيح أنني وقفت مع مجموعة كبيرة من الأطباء أمثالي، حين أديناه، لكن نبرات أصواتنا كانت مختلفة تنم عن حس شخصي، خالص، وربما قلق لدى بعضنا خوفاً من تغيير في عادات التعبير، وحب الفضفضة، والرغبة في سرد الأسرار الصغيرة في سهرات الأصدقاء.

أما أنا فلست مستعدة أن أضن بسري أمامكم، بل حتى لا أرى مبرراً لذلك. إن أسرار المرضى تشبه أسرار الوطن، كلاهما كلما أمعنا في سترها استفحلت وظهر التشويه اكبر.

ولكن من منا مستعد للمجاهرة بوجعه، وحث الآخرين على تغيير اتجاد عباد الشمس، بحيث يرنو دائماً إالى النور؟

تتميز مدينتي الصغيرة بهذا الميل الخفي للتستر على الأسرار، والركون الى الوجع، وكم الفم على الآه التي لا تجد لها منفذاً. إننا نخاف من أن تدفع الأسرار المفضوحة أحباءنا والمعارف للتشفي وتكبير الجرح. نخاف تغير صورنا الجميلة والمتحفظة أمام من نريد أن نبذهم ويبذوننا. نخاف من الجنون والطلاق والتشرد والأفلاس والهجرة التي يدفعنا اليها الآخرون، متى أراد الزمان أن يرمينا في الفضيحة ويدك بيتنا الزجاجي المتين الذي طالما زخرفنا به ودعمنا أساسه الواهي.

لكني مع ذلك لا أرى سبيلاً للخلاص إلا في الفضيحة والمجاهرة بالأوجاع، وكشف المستور، إذا ما أردنا قيامة أبداً. ولا أرى سبيلاً للحب إلا بالخيانة، خيانة تقاليدنا الكئيبة ونصائح الحلاقين ومزيني الحي والعرافات. ولا أرى سبيلاً للحياة إلا بموت هذه الرغبة للتقوقع واللوم والتأنيب وكره الأختلاف عنا.

لقد واظبت كثيراً على الصلاة فيما مضى، وصمت، صمت كثيراً بدافع إماتة الذات وأحياناً الخوف، كما راعيت الأصول المتعارف عليها فلم تصدر عني ضحكة عالية ولا سمحت لنفسي أن أعبر عن ميل للفن أمام الآخرين، ولا تمايلت على موسيقى مؤثرة، ولا أذكر بأني تركت لساقي أن تستريحا متباعدتين بعض الشيء، إلا عندما أرتدي السروال الواسع الطويل بين الأقرباء في المنزل. كما أنني (طبعاً) لم أدخن، ولا سمحت لنفسي بالمجاهرة بالحب تجاه أحد. لقد كنت على صورة هذا المجتمع الغريب ومثاله.

وحين قبّلت الأيادي كي أدرس الطب، نهرت، فلم يحتمل والدي أن أرى أعضاء الذكر التناسلية بدافع طبي بحت، كما جننه خياله وهو يتصورني أقلب الجثث المنقوعة بالمحاليل، وأحمل معي إلى البيت عظام الموتى كي أدرس عليها.

دخلت كلية الطب وأنا ما زلت أقيم الصلاة وأصوم وأراعي الأصول كفتاة شرقية رصينة. ولم أر (بعد) ميلاً في نفسي، والله العظيم، كي أدخل في حدة الصراع النفسي، فطالما سُمح لي أن أدرس ما أشاء، فإنها نعمة يجب المحافظة عليها بلا ضجيج.

لكن الأيام التوالي التي هدرت في المخابر وتحت (مصابيح) الدراسة ليلاً، دفعتني كي أرفع أكمامي بدافع العمل، وأطلق ضحكاتي المكبوتة كلما توصلت في دراستي الى شيء هام، أو أمكنني استيعاب فكرة كانت عصية على الأدراك. أما الرغبة في الحياة بكليتها فلم يخلقها كبت الدراسة ولا كثرة المثابرة، وإنما إحساسي الطاغي بأن ثمة شيئاً ما هناك، شيئاً يقيناً لم أحدد معالمه بعد، لكنه قوي إلى حد الطغيان.

إذن، فلأفتح نوافذي على كل الأتجاهات، ولأتطلع الى الخارج، ولأسمح لنفسي بشيء من الوجود الذي باركته حتماً يدا خالق ارتكب حب الحياة قبلنا.

لقد خلق الله الجمال، ونحن أوجدنا الغطاء، وخلق الله الحب ونحن سترنا العورات، وخلق الله الحرية والأجنحة والخيال ونحن رفعنا الأسوار، وخلق الله الميول الفنية فينا ونحن رأينا فيها استهتاراً بالأخلاق! إنها أخلاقنا نحن التي نخالف من خلالها مشيئته كل يوم.

أنهيت دراستي وتركت مدينتي الصغيرة للعمل في بلد قريب. ودعت الأهل والأصدقاء، أما والدي فلم يعش لليوم الذي يرى فيه تلك التغييرات الحقيقية التي طرأت علي. إنها تغييرات خرجت من عمق ذاتي، لم أقرأها في كتاب، ولم أستسغها على أحد. لقد أوجدتها حاجتي وميلي للتطلع نحو الحقيقة، فلم أعد أطيق الأفراط في الشكليات، ولم أجد مبرراً بعد في ترصيع الطقوس والمحافظة عليها كبؤبؤ العين، ولم أفهم لماذا يجب أن أكرس الحواجز الوهمية، وأن اسير ضد تيار انسانيتي بسبب اي اعتبار.

في الطريق من المطار إلى المشفى الذي تعاقدت على العمل فيه، كان المناخ يغدو صحراوياً أكثر فأكثر، فخلت أني أسير باتجاه أحد المعتقلات. لم ألمح من وراء زجاج السيارة لا زرعاً ولا شجراً. لم يكن هناك سوى الرمال الممتدة، وبعض الأبنية الحديثة الرائعة التصميم، والتي لم أفهم لوجودها هنا سبيلاً. وظللنا نسير في طرق فتحت عبر الكثبان، حتى لاح المشفى في الأفق البعيد، فقلت في نفسي (يا ألله! لقد اقتربت لحظات العمل وتحقيق الذات. لربما أمكنني أن أتابع أبحاثي طوال بعد الظهر والتفرغ للمرضى صباحاً، أو ربما أدعم شهادتي بأخرى، فليساعدني الله على ذلك. آه ما أبدع الطموح وكل الميول إذا كانت تصب في قلب فرح هذه الأنسانية التي نلتصق بها، ونحمل همها طوال العمر.)

ورحت أردد كم أنا معجبة بذلك البلد، الذي نحت حضارته في عمق الصحراء، وهو يحاول اللحاق بهذا العالم على طريقته الخاصة. لقد سمعت الكثير عن التقنية الحديثة في المشافي، وعن الأجهزة التي وصلت للتو، من مصانع مخترعيها، وعن العناية بالمرضى التي فاقت كل التأمين الطبي الذي تتغنى به الدول الكبرى. ما همني وتلك الكثبان؟ وما شأن ارتفاع الحرارة بطموحي؟ سوف أنكب على عملي متنعمة بالمكيفات ووسائل الراحة التي لا آخر لها.

وصلت إلى المشفى بعد الظهر. كانت الشمس الحارقة تقف في كبد السماء بلا رحمة. أما المبنى نفسه، فقد كان معزولاً بعض الشيء، لا يحيط به سوى أربع شجرات مزروعة بقصد التجميل، وربما بعض الظل. إنها الطبيعة المختزلة الموحية ... والباقية.

بعد عدة أيام بدا المكان أليفاً، بالرغم من التحفظات الكثيرة تجاهي، كوني امرأه. فلم يزرني مرة رجل من مرضى تلك البلد، اللهم إلا الغرباء. ولم تشأ الظروف أن أدير حواراً مع أحد منهم، ما عدا مدير المشفى الذي رحب بي بكلمتين لبقتين، دون أن يجرؤ على التطلع إلي مباشرة. (ما هذا التهذيب!!) قلت في نفسي، حقا لم تتمكن التكنولوجيا وصرعات العصر، من إفساد الأمور هنا، فكل شيء يسير لحاله.

إذاً، سأصل في أبحاثي الى الذروة، وسيساعدني كل شيء هنا على تحقيق ذلك، حتى الحرارة المرتفعة وامتداد الكثبان. سوف لن يتمكن أحد من استغلال كوني امرأة، وستحترم حريتي بالضبط كما كنت احلم دائماً. أما عاداتي وهواياتي وعلاقتي بالله، فستبقى كما هي، بل ربما وجدت الحضن المثالي لكي تتجلى في محبتي العارمة تجاه الأنسانية كلها.

لقد كان عالمي يتألف مني ومن المرضى والشجرات الأربع التي غدت جزءاً لا يتجزأ من كون قاحل ممتد بين هضاب الرمال.

وحين كنت أرنو بنظراتي، من وقت لآخر، من وراء زجاج المشفى، كنت أتصور المكان ممتلئاً بالأشجار والدغل وأشتال الورد، وأتخيل تنضيدها. وحين كانت عيادتي تمتلئ بالمرضى المنتظرين، كنت أعرف أنهم يتلهون بالتطلع الى الشجرات خارجاً، أكثر من صبرهم على قراءة المطبوعات والنشرات الطبية الموضوعة أمامهم. أما ظلها المعكوس فقد كان يمتد ليشمل مساحة لا بأس بها، فكانت الكلاب والقطط، تهرع للأسترخاء، محتمية من وهج الحر، الذي كان ينسكب من الشمس بلا توقف.

وشيئاً فشيئاً، أخذت أستعيد توازن بوصلتي، وبدأت أعتاد إيقاع حياتي التي أربكها الأنتقال والعمل في بلد جديد. كما وجدت مكاني بين أشخاص عرفتهم وأحببت خصالهم، واتخذتهم أصدقاء.

وازداد إيماني بالله كلما تقدمت في أبحاثي، وكلما وطدت علاقتي بمرضاي، واتسع فهمي لأمور الدنيا حولي. ورحت أجد متعة في المساعدة خارج أوقات العمل. أما الشجرات الأربع، فقد ميزت خلفية المكان الذي كان يحتضن كل هذه التغيرات وربما كل هذا العيش.

لكني فتاة غير متزوجة، هذا هو الأنطباع السري الذي خلفه عملي كطبيبة في المشفى، وهذا بالضبط مصدر كل قلق خفي كان يطغى ، من وقت لآخر، على مشاعر الأرتياح التي أحسها بسبب تقدمي في العمل. التهذيب الشديد، وربما الحذر مني كان يربكني بالرغم من تفهمي الممزوج ببعض التأفف والتذمر. إنه مجتع مختلف عني، لكنه غني –كنت أقول لنفسي- على عكس بلدي، الذي كان مدنياً أكثر، ويناضل كي يحافظ على بنيته التحتية. لقد أبعدنا صراعنا الطويل مع العدو، وقضايانا القومية عن حدة التطرف، وغدونا بلداً يبحث عن قيامته وقوته، ويحافظ كي يبقى على قيد الحياة. لقد حزرنا، كشعب، على المدى الطويل، ما هو المهم وما هو الأهم، ولم نعد نكترث كثيراً في حمأة بحثنا عن وجودنا وقيامتنا عن ركبة امرأة بانت عمداً، أو بلا قصد من خلال ثوب. لكننا مع ذلك بقينا، في العمق، مؤمنين بأن هناك عيناً كبيرة تطل من الأعلى لترعانا، وتهدي خطواتنا. هذا هو بلدي الذي قدمت منه. أما هنا، فقد كان للوجود اعتبارات أخرى، وللحب أصول لم أفهمها. أما الحرية فقد كانت أمراً لم يبت فيه بعد.

لقد نشأت في عائلة محافظة، وربما ظننت لوهلة بأننا اكثر العائلات تزمتاً ومحافظة في بلدتي، لكن حاشية الحرية، مع ذلك، والتي كنت أملكها كفتاة، كانت كافية حتماً لأصل إلى آخر سنة من سنوات اختصاصي كطبيبة.

تمر الأيام هنا متشابهة بعض الشي، تميزها الوجوه الجديدة للمرضى، وقصصهم السريرية وتبدل الطقس ثم الحذر، الذي أخذ يزداد يوما بعد يوم من كوني طبيبة غير متزوجة.

وفي يوم استيقظت على عجل، بعد أن قضيت ساعات عدة، بعد منتصف الليل في مخبر المشفى. ولأميز المناخ في الخارج بدقة، أزحت الستائر، وفجأة وقعت عيناي على الشجرات الأربعة مقطوعة من جذرها، ومرمية جانباً بقصد ترحيلها. وفركت عيني لأتأكد من صحة ما أرى، وأعدت فركهما مراراً، كمن يرى مشهداً لا يصدق. جلست على حافة السرير وأخذت أخمن بسرعة السبب الذي يدفع أحداً لقطع مصدر الظل والجمال الوحيدين في صحراء بلا بداية أو نهاية.



لقد انكسر شيء في داخلي، لربما هو الهبوط الذي يخلفه إحساسنا بالفقدان، أو حتى انهيار ثبات الذاكرة بالذات، حينما يتساوى لدى المرء كل شيء في لحظة واحدة.

هكذا كنت أفكر وأنا أعبر الممر الطويل، باتجاه غرفة مدير المشفى. ولأول مرة يسمع الزملاء، وربما المرضى، صوتي مرتفعاً، وقد أمسكت عنق الرجل بقبضة يدي، وأنا أسمع تعليله للأمر. وصرخت:

( أيها المتخلف الشاذ ... اذهبوا إلى الجحيم أنتم ومشافيكم وأموالكم وتقنيتكم المستوردة أيها المتخلفون ... يا ساكني المغاور والكهوف ...)

في اليوم التالي، وفي طريق عودتي الى المطار، كنت أرتجف حنقاً وغيظاً، وأنا أجتاز مجدداً هضاب الكثبان، بينما هز تعليل مدير المشفى الفضاء حولي:

(لقد اضطررنا لقطعها بسبب .. أقصد ... بسبب لجوء القطط إليها والتناكح في ظلها، الأمر الذي قد يثير غرائز المارين، وربما المرضى المنتظرين في العيادات ...)