تطور
التصوير الضوئي
آلات تصوير أسرع
من “رمشة عين”
تلتقط
مشاهد لا ترى بالعين المجردة
خلال
قرن من الزمان،
غدت أجهزة التصوير فائقة السرعة، الى درجة أنها أصبحت قادرة على التقاط مشاهد
لا يمكن رؤيتها بالعين المجردة. فعلى سبيل المثال يمكن للكاميرا التقاط مراحل
اطلاق رصاصة بسرعة تزيد على 1600 كيلومتر في الساعة. ولقد استغرق تصوير هذا
المشهد جزءاً من المليون من الثانية. وهو ما لا يمكن لأعيننا مشاهدته، فتحت
جزءاً من ستين من الثانية، لا يمكن لشبكية العين تسجيل أي شيء يتعلق بالمشهد
المصوّر وهو يتحرك، إلا أن الكاميرات السريعة المحتوية على أفلام سريعة للغاية
قادرة على إعادة تكوين تلك المشاهد المدهشة التي تمدنا عادة بمعلومات اضافية عن
طبيعة المادة وكيفية سلوكها في بعض الحالات. ويمكن للباحثين من خلال مشهد اطلاق
رصاصة معرفة وتحديد القدرات التي يملكها سلاح ناري على اختراق الأهداف.
مع نهاية القرن التاسع عشر، تمكن “إيتين جول ماري” مخترع أول بندقية تصويرية من
التقاط صورة لقفزة الحاجز، وجعلها من الصور الخالدة. وقد جهّز المصور كاميراته
التي صممها على نموذج البندقية بحجرة شبكية، ووضع عليها طبقة حساسة للضوء،
وكانت الكاميرا قادرة على التقاط سلسلة من الصور المتتابعة للمشهد ذاته. وكان
المصور ماري يطلق العنان لنظام زمني يؤدي بدوره إلى جعل الحجرة الشبكية تدور
على هيئة حركة دائمة والتقاط 12 مشهداً في الثانية، كلما ضغط على زناد
الكاميرا. لقد كانت هذه الكاميرا بمثابة الانطلاقة الأولى لكاميرات اليوم
القادرة بدورها على تسجيل ملايين الصور في ثانية واحدة.
إن إنجاز اللقطة الكاملة لضربة لاعب الجولف لم يتجاوز الثانيتين، مع العلم أن
الفيلم كان لابد أن يبقى ثابتاً داخل الكاميرا كي يمكن تسجيل كل حركة من أجزاء
الصورة نفسها. ولتحقيق هذا الأمر لابد لفتحة الكاميرا أن تبقى مفتوحة، وبما أن
اللاعب كان يضرب الكرة وهو في الظلام فإن الفيلم لن يتأثر، ولكن ما إن يبدأ
الفيلم بالحركة حتى يطلق المصور العنان لسلسلة من الأضواء المتتابعة التي تعمل
على اضاءة المشهد وفقاً لفترات منتظمة. ويؤدي هذا الأمر الى طبع الحركة المكونة
للاعب الجولف على الفيلم بشكلها الكامل. أما لو أردنا تصوير مشهد طيران شعر
الفتاة بعد أن غمرته بالماء، فلا بد من استخدام جهاز ومض (فلاش) واحد، حيث يتم
التقاط الصورة “بفلاش” لا يزيد سرعته على جزء من عشرة آلاف جزء من الثانية،
الأمر الذي يمكننا من التقاط صورة شعر الفتاة وقطرات المياه بوضوح تام وبشكل
مفصل.
صدمة الموجة
من الصور الكلاسيكية فائقة السرعة، مشهد إطلاق رصاصة وخروجها من المسدس أو
البندقية. وفي العادة يتم التقاط هذا النوع من الصور خلال فترة زمنية لا تزيد
على جزأين ونصف الجزء من الألف من الثانية (2،5 مليثانية). لكن الشيء الجديد
الذي نلمحه في الصورة الجديدة يتمثل في ظهور كتلة من الاضطرابات التي تحدث في
محيط خروج الرصاصة والتي لا تشاهد عادة بالعين المجردة. فعلى سبيل المثال تظهر
لنا صدمة الموجة على شكل قبعة تغطي الرصاصة. وتتكون صدمة الموجة بفعل الرصاصة
نفسها التي تعمل على ضغط الهواء بشكل مفاجىء لأنها تنطلق بسرعة تزيد على سرعة
الصوت. أما عن الدوائر ممتدة المركز التي تحيط بالرجل الذي يطلق الرصاصة، فهي
عبارة عن الموجات الصوتية التي كان من الممكن أن تمزق غشاء طبلة أذني الرجل،
لولا أنه وضع عليهما جهازاً واقياً من الصوت.
ولكن كيف تمكن المصور من التقاط هذه الصورة المدهشة؟!
يتم ذلك باستخدام خاصية اضطراب الضوء بفعل موجات الهواء متفاوتة الكثافة،
فالأشعة الضوئية التي تعبر منطقة الاضطراب تنتقل بشكل متقطع (نطنطة). ويمكن
زيادة مفعول الظاهرة بوضع شفرة تشبه شفرة السكينة خلف عدسات الكاميرا، حيث تعمل
هذه الشفرة على حجب بعض الأشعة وترك المجال للبقية بالمرور، الأمر الذي ينتج
عنه ظهور هذه الكتلة الدائرية التي ترى بوضوح في الصورة التي يطلق عليها
المصورون الصورة التذيّلية أي الدراسة الفوتوغرافية للذيول التي تخلفها
المقذوفات في الجو.
ظل وقطرة
لكي يتمكن المصور من التقاط اللحظة التي تدخل فيها الرصاصة البالون، كان لا بد
له من جعل زمن التقاط الصورة يصل الى جزء من المليونين من الثانية! واذا لاحظنا
أن الرصاصة تخرج من الوجه الثاني للبالون وقد بدا أنه لم ينفجر، إلاّ أن الوجه
الأول قد انفجر تاركاً وراءه الغبار الأبيض الخارج من الرصاصة.
والآن، كيف يمكنك أن تتخيل سقوط قطرة ماء في حوض؟
الحقيقة أن المشهد يبدأ بتكوّن فوهة صغيرة ذات زوايا وجراء اصطدام القطرة بسطح
الماء، تبدأ هذه القطرة بالاتساع شيئاً فشيئاً رامية على جوانبها بعض الرشات.
أما حواف الفوهة فتنهار متجهة نحو المركز، الأمر الذي ينتج عنه ظهور عمود من
الماء. ويمكننا أن نشاهد في رأس العمود قطرة الماء التي كونت كل هذا المشهد.
وتظهر سرعة التقاط المشهد أن قطرة الماء لم يتسن لها الوقت كي تضمحل في بقية
أجزاء السائل. بعد ذلك، لا يبقى أمام عمود الماء إلا أن ينهار، تاركاً خلفه
قطرة الماء التي شكلت هذه الظاهرة لثوان قليلة والتي لا تلبث إلاّ أن تسلم
لقدرها وتختفي هي الأخرى.