تاريخ مصر
على طوابع بريد
بقلم : محمد بركة
- القاهرة
في ميدان حي العتبة المعروف في وسط القاهرة
بطابعه الشعبي وزحامه التجاري الهائل، وفي مساحة لا تتجاوز عدداً محدوداً من
الأمتار، يقبع تاريخ مصر وأحداثه ورموزه على ورقة صغيرة ملونة! هذه هي المفارقة
الأولى التي تنتابك فور أن تدلف إلى داخل متحف البريد المصري، إذ لا توجد على
عكس المتوقع لافتة ضخمة تعلن عن المكان الذي يعد جزءاً من مبنى الهيئة القومية
للبريد، ومع ذلك فإن المتحف يجذبك منذ اللحظة الأولى إلى عالمه الساحر حيث
مختلف أنواع طوابع البريد كما تلقي مقتنياته ضوءا هائلا يخترق حاجز الماضي
ليكشف عن طبيعة تلك المهنة قديما.
أنشىء المتحف في عهد الملك فؤاد،
وتحديدا عام ،1934 وبالطبع تعد طوابع البريد أحد المقتنيات الأساسية في المتحف،
ويظهر عدد من الحكام عليها مثل الخديوي إسماعيل، والملك فاروق أيضا وتشي تلك
الصور بروعة فن البورتريه الكلاسيكي وهذه الطوابع مأخوذة من لوحات أبدعها
بالزيت فنانون أوروبيون لأفراد أسرة محمد علي. وبالمثل فإن التماثيل الصغيرة
لرجال البريد بزيهم الخاص القديم، فضلا عن النماذج التي لا تزال بحالة جيدة من
حقائبهم المصنوعة من الجلد والمزودة بالأقفال الكاملة توحي بمدى الجدية والرهبة
التي كان يحاط بها ساعي البريد قديما! ولا تكتمل الصورة في عين الزائر من دون
المرور على تلك العربات التي كانت تجرها الجياد ويقودها رجال أوفياء لمهنتهم لا
تثنيهم وعورة الطريق أو عواصف الشتاء أو قيظ الحر اللاهب عن أداء واجبهم وتوصيل
الرسائل لأصحابها في عصر لم يكن يعرف الإنترنت أو رسائل سحس! كما يحتوي المتحف
أفلاماً وثائقية سينمائية توضح للزائرين تطوير فكرة الخدمة البريدية منذ عهد
الفراعنة مرورا بعصور البطالمة والرومان وانتهاء بالوقت الحالي.
ويشير أحمد الصولي - رئيس الهيئة
القومية للبريد إلى أن الفراعنة كانوا أول من عرف واستخدم فكرة الخدمة
البريدية ويبدو ذلك واضحا عبر الرسومات التي تزين أعمدة وجدران المعابد، ومع
ذلك فإن أول طابع بريد عرفه العالم وفق الأسلوب الحديث يعود إلى البريطاني
“رولاند هِل” الذي كان أول من خطرت على باله الفكرة وظهر أول طابع بريد بالفعل
عام 1840 وكان يحمل رأس الملكة فكتوريا. ولم يتأخر ظهور أول طابع بريد مصري
كثيرا، إذ حدث ذلك في الأول من يناير عام 1866 كنتيجة طبيعية لشراء الخديوي
إسماعيل شركة البريد الأوروبية في الثاني من يناير عام ،1865 وهو بالمناسبة نفس
اليوم الذي اختير ليكون “عيد البريد” على المستوى العالمي. وسرعان ما صبغت
الشركة بالصبغة المحلية لتصبح مكتب خدمات بريدية خديوية، وظلت تتطور إلى أن
أصبحت ما يعرف اليوم ب”الهيئة القومية للبريد”.
وعلى الرغم من أن طوابع البريد
المصرية احتفظت بالطابع المصري من حيث التصميم وكتابة كلمة “مصر” في وسط الطابع
تماما، فإن تلك الطوابع ظلت تطبع في مدينة جنوة الإيطالية واحتاج الأمر إلى
عشرات السنين حتى يتمكن المصريون بعد ثورة يوليو/ تموز من استقدام أول مطبعة
لطباعة طوابع البريد عام 1961.
ورغم أن الهيئة القومية للبريد في
مصر تستند إلى تاريخ عريق ليس فقط على المستوى العربي، بل أيضا على المستوى
العالمي، فإنها تحاول أن تأخذ بكل أسباب التقدم العصري لتساير متطلبات الألفية
الثالثة وهكذا جاء تصميم موقع الهيئة على شبكة الإنترنت ليضم وثائق ومعلومات
ثرية عن مراحل وأحداث بارزة في التاريخ المصري سجلت عبر طوابع البريد، فضلا عن
الآثار التي حملتها طوابع البريد المصرية كما يضم الموقع التفاصيل الكاملة التي
تهم هواة جميع واقتناء طوابع البريد المصرية، ولأن خدمات وفنون البريد تطورت
بشكل مذهل في السنوات الأخيرة، أنشىء المعهد العالي للخدمة البريدية لإعداد جيل
جديد من العاملين في هذا المجال.
ويوضح أحمد عبد السلام مدير
المتحف ان هناك أربعة أنواع من الطوابع المعروضة، أولا الطوابع المحلية ذات
التصميمات الفرعونية أو الإسلامية أو القبطية، ثانيا الطوابع الدولية والتي
بدأت في الصدور عام ،1926 ثالثا الطوابع الشعبية التي تحمل غالبا رسومات لنسور
وصقور وتستخدم لدعم التواصل بين المؤسسات الحكومية. والنوع الرابع هو الطوابع
التذكارية التي بدأ صدورها عام 1925 بمناسبة المؤتمر الجغرافي الدولي.
ويؤكد ان متحف البريد المصري غني
للغاية في النوع الأخير ولديه أعداد لا نهائية تحمل بورتريهات لمشاهير الشخصيات
في مختلف المجالات، فضلا عن عدد كبير من الأحداث التي صنعت التاريخ المصري
ووثقت عبر طوابع البريد مثل تتويج فاروق ملكا على مصر، ومؤتمر اتحاد البريد
الدولي عام ،1934 وإنجازات ثورة يوليو وحرب أكتوبر المجيدة.
وتشير زينب طه أحمد، المديرة
الإدارية للمتحف، إلى أن هواية اقتناء البريد بدأت عام 1861 في باريس، ثم
انتشرت في جميع أنحاء العالم لتصبح حاليا واحدة من أهم الهوايات وأكثرها رقة
ونبلا.