حوار مع د. نوال السعداوي
أجرى الحوار - أحمد عدنان
مشاركة : زهير
البدري
أأجرأ
من الرجال و علامة بارزة في المشهد الفكري العربي
نوال
السعداوي في أكثر حواراتها اثارة تقول :
" (الحجاب) مفروض في عصر الجواري
" الدين ليس نصا .. و الله ليس كتابا يخرج من المطبعة
" (ربنا) لا دخل له بالسياسة لأن السياسة بدعة بشرية
" تعلمت أول درس في الدين من جدتي الأمية و كدت أتزوج في العاشرة
" تقبيل الحجر الأسود (وثنية)
" " لا يوجد عندنا مبدعون لأننا دائما (موافقون)
" في الوطن الواحد ليس مفترضا أن يعيش أحد في كنف أحد لأننا شركاء متساوون
" لم تفشل الاشتراكية أو الوحدة العربية لأنهما لم تقوما من الأساس .
" (السادات) حرر سيناء مقابل بيع قضيتنا و القضاء على الجامعة العربية
" الاختلاف على (العراق) هو صراع على النفط في البداية و النهاية
بهرني
هذا السلام النفسي الذي تحياه هذه السيدة ، و تجاوزا لما تسببه آراؤها من ضجيج،
فإنها و لا شك علامة بارزة في المشهد الفكري العربي لا يمكن المرور عليه مر
الكرام و بالتحديد لو تطرقنا إلى قضايا (المرأة)، ولا أشك لحظة بأن رصيدها من
البحث العلمي خصوصا في فترة السبعينيات ضرب شوطا كبيرا من حيث الكم و الكيف في
مرامي التنوير، أما ما قد نختلف معها حوله اليوم .. فهو لا يلغي العطاء الثري
المرتبط باسم (نوال السعداوي)، و التي أبت إلا أن يكون اللقاء معها صاخبا و
مثيرا إلى أبعد درجة.
الزواج بأكثر من زوجة
- هذا هو حق الرجل !
- من قال هذا ؟
- القرآن !
- أنا درست القرآن ، لقد وضع العدل شرطا ثم قال " و لن
تعدلوا " أظن أنه ليس هناك ما هو أوضح ، الرجال و استنادا على فسقهم يدعون و
يكذبون على القرآن و يقولون أنه نادى بالتعدد ، كيف يتزوج الرجل 4 ؟ هذا فساد
أخلاق و إساءة للقرآن و الإسلام ! كيف ينتقل من فراش امرأة إلى فراش امرأة أخرى
! و الله لو ذهب زوجي لامرأة أخرى لطردته ، هل يرضى الرجل أن تتنقل امرأته بين
فرش الرجال ، هو أيضا سيطردها ، أنا أيضا تملي علي كرامتي الإنسانية نفس الفعل
و ردة الفعل ، تونس منعت التعدد و غيرها من الدول الإسلامية .. هل ستكفر هذه
الدول ؟ تعدد الزوجات وصمة عار على العرب و على أي دولة تسمح بهذا الفعل الشائن
، و القانون الذي ترتكز عليه قانون فاسد و غير أخلاقي .
" دعيني أرتدي العباءة الإسلامية و
أقول لك أن الرسول صلى الله عليه و سلم كان متزوجا ( بـ
( 9
زوجات و بعض الصحابة رضوان الله عليهم من بعده كان نصابهم من الزوجات كاملا؟
- و لماذا تجعل الرسول صلى الله عليه و سلم مثلك ؟ و هو
لم يقل لك أن تفعل مثله . و هناك حديث مهم أن إحدى زوجاته وجدته في ليلتها على
فراشها مع زوجة أخرى ، فقالت له مستنكرة " في ليلتي و في فراشي يا رسول الله
؟!" فقال بعد اتعاظ و اعتبار " اسكتي و
لا تذكريه لن أعود لمثلها أبدا " لأنه نبي و رسول
يجب أن يكون مثالا للعدل ، و الفعل الذي فعله مناف للعدل ، و هو حديث موجود في
" الطبقات الكبرى " ، إذا كان النبي محمد قد أخطأ لأنه بشر يخطئ و يصيب ، فكيف
تريدني أن أمشي خلفه في الخطأ ، مرة أخرى أقول لك أن الرجل بسبب فساد قيمه يفسر
و ينتقي من الإسلام ما يناسبه.
القيم
و الأخلاق
- لقد قلت في كتاب لك يجب أن
تنطبق المعايير الأخلاقية على الرجل و المرأة ، ضاربة المثل ب :ـ (المرأة شرفها
مثل عود الكبريت) و (الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعبا طيب الأعراق) ، هوجمت
لأنه فهم أنك تريدين أن تطلقي العنان على آخره للمرأة فكيف تردين ؟
- و هل الرجل ليس له شرف ؟ و هل الأب ليس مدرسة هو
الآخر ؟ أين مسؤولية الأبوة ؟ كل شيء على عاتق الأم و بعد هذا كله يهينونها و
يحتقرونها و لا يسم المولود باسمها إنما باسم الأب ، أنا أنادي بأن ينتسب
المواليد للأم ، لأن اسم الأم مشرف ، لماذا لا يسم أولادي و بناتي باسم نوال
السعداوي ، اسم الأم ليس عورة و ليس عيبا .
- و لكنه العرف ؟
- العرف غلط ، و لا بد من تغييره ، العالم كله يتغير و يتقدم إلا نحن ، و لهذا
نحن دوما مهزومون ، ثلاثة أرباع العالم يحترم اسم الأم ، الأطفال كلهم يتسمون
باسم الأب و الأم ما عدا بلداننا .
- ترفضين
إذا نظرية مسؤولية الأم عن الأخلاق ؟!
- و لماذا لا يكون الأب مسؤولا هو الآخر ؟!!
- الأب مشغول في مزاحم العمل
و جني المال ؟
- و الأم أيضا ، حتى التي لم تتعلم تطبخ و تكنس و تغسل
في البيت و الرجل يأكل أجرها على ذلك ، أين هي أخلاق الرجل ؟ الرجال يريدون أن
يعفوا أنفسهم دوما من المسؤولية الأخلاقية .
تحرير
المرأة
- لو تعمقنا في
مشروعك (تحرير المرأة) و هو أول ما يلتصق بالأذهان فور ورود اسمك ، نلحظ انه في
أواخر القرن 19 و أوائل العشرين و تحديدا منذ قاسم أمين و من بعده هدى شعراوي ،
ثم أنت في نهايات القرن العشرين و أول القرن الحالي نلحظ اختلافا بين المدرستين
: قاسم أمين لم يرد أن يهدم البناء .. أراد فقط ان يرمم مواطن الضعف و الخلل
فيه ، نوال السعداوي على عكسه تريد هدم البناء و إنشاء بناء بديل محله ، قاسم
أمين اعتمد (النص) أداة له و نوال السعدواي اعتمدت العقل و المنطق ، كيف تقرئين
هذا الاختلاف ؟
- أنا لست امتدادا لقاسم أمين أو هدى
شعراوي على الإطلاق ، آمنت بتحرير المرأة لأنني ولدت امرأة في بيئة فقيرة و
بدأت أشعر بظلم المجتمع لي ، مشروع قاسم أمين كان مشروعا سطحيا جدا .
ليس هناك معنى لأن تضع المرأة
(مكياجا) و تذهب إلى الجامعة و تتزوج و بعدها تتحجب و ترضى بأن يضربها زوجها
لأن المجتمع يقول لها ذلك ، هذا ليس تحررا .
- ما هو (تحرير
المرأة) في مفهومك ؟
- هو أن تكون المرأة إنسانة كاملة الإنسانية ، تشعر
بمسؤولية تامة و كاملة إزاء نفسها أولا ثم تجاه المجتمع ، و هذه هي خلاصة
مشروعي للمرأة في العالم و ليس في العالم العربي فقط
- لماذا لا تستندي للمرجعية النصية
/ القرآن في هذا المشروع ؟
- أنا آسفة جدا ، الدين ليس نصا ، و الله ليس كتابا ،
لقد تعلمت أول درس ديني على يد جدتي الفلاحة الأمية : " ربنا هو العدل عرفوه
بالعقل " ،إذا .. الله هو العدل و ليس نصا يخرج من المطبعة ، هو هذا الدين
بالنسبة لي ، هذا هو الإسلام ، هذه هي الأخلاق .
إنكار
- دعيني أنتقل معك
إلى محور (الزواج) و قد أثرت بنفسك قضية الشرف ، سبق و صرحت أنك تعارضين فكرة
الزواج و أنك لا تمانعين من أن تكون ثمة علاقة كاملة بين الجنسين دون عقد
يربطهما، فهل هذا صحيح ؟
- أنا عارضت الزواج بوثيقة، بالضبط كما أستلف من أحدهم
مبلغ و قدره 1000 جنيه و يكتبني عليها كمبيالة ، ما يحدث بالنسبة للزواج أن
المرأة تتزوج و تكتب أن الرجل " اشتراها " بدفعه مبلغ و قدره ( .... ) كمقدم ،
و عند الطلاق يدفع لها مبلغ آخر ، ورقة الزواج أو عقد الزواج هي أكبر امتهان
للزواج .
- و ماذا عن حفظ الحقوق ؟
إذا الرجل لم يحافظ على حقوق المرأة بلا ورقة أو عقد
فهو لا يستحق أن يعيش معها ، لا يعقل من وجهة نظري الشخصية أن يخلص الرجل
لزوجته لأجل " ورقة" .
إن حفظ حقوق الزوجة أو الزوج يكون
في الضمير و الأخلاق قبل أي شيء.
- إذا .. هو ليس اعتراضا
على مشروع الزواج بذاته ؟!
- أبدا .. أنا نفسي متزوجة و لدي أولاد .
- و ماذا عن إنكارك لفريضة الحج يا دكتور ؟
- أنا لم أنكره ، لقد قلت نصا أن (الحج) و (تقبيل الحجر
الأسود) عادة وثنية .
- و لكنه ركن خامس ؟
- أبدا .. هو (اختياري) (لمن استطاع إليه سبيلا) ، أبي
توفى و لم يحج و هذا لا يعني أن إسلامه ناقص ، هناك من يصلي دون أن تنفعه صلاته
، و هذا ينطبق على الذي يذهب الحج ليقوم بعمل ، أو يقبل الحجر الأسود !!
إنني أسأل هل تقبيل الحجر الأسود من الإسلام ؟
هذه وثنية !!! الإسلام أتي ليقضي على الوثنية
و أنا أحارب عبادة الأوثان .
- و هل يمثلها الحج ؟
- بالطريقة التي يقومون بها ، نعم . و أنا أيضا ضد
الطريقة التي يصلون بها ، لقد ذهب جمع من الصحابة لرسول الله و قالوا له فلان
يصلي الليل و النهار ، فقال لهم : و من يعول أسرته ، قالوا : كلنا يا رسول الله
، فقال : أنتم خير منه . يا أخي رعاية الأولاد صلاة و عبادة ، الصدق صلاة
وعبادة ، التعامل الإنساني صلاة و عبادة ، ليس أن يذهب إلى الحج ليسرق أو يتاجر
أو يصلي و هو أفسق خلق الله ، أنا مع المفهوم الصحيح للإسلام ، الصلاة ليست
مجرد حركة رياضية كما أصبحت حاليا ، الصلاة هي إحياء الضمير ، الحج كذلك ليس
زيارة لقبر أو تقبيل لحجر، لأن الإسلام حارب الوثنية ، الحج هو التأمل، اسمع
الكلام الجميل لرابعة العدوية التي حاربت مع الصوفية (الطقوسية) : " لا أعبد
الله لأنني أخاف النار أو أطمع في الجنة فأكون أمة أو جارية ، إنما أعبده لأنني
أحبه" ، انظر إلى هذا الجمال .
- و هذا ما يفسر غضبتك حين يقول أحدهم لكي يا "
حجة" ؟
- نعم .. لا أحب أن يناديني أحد بهذا اللقب ، لأنني لم
أحج و لن أحج ، بإمكاني أن أحج و أنا في شرفة بيتي ، و عملي و كتبي هي صلاتي ،
تقربي إلى الله هو تقربي للعدل و الحرية ، و ليس بالنصوص و التفسيرات ، هذه
سياسة .
- باختصار شديد ،
ماذا تعني لكي هاتين الكلمتين : الرجل و الدين ؟
- الرجل يستغل الدين ليتزوج و يمارس أهواءه الجنسية .
" و هل (الدين) هو هذا النظام ؟
- نعم .. الدين كما تتبعه البلاد و الأنظمة العربية،
نعم .. الدين الذي يدرسونه في المدارس ، و ليس الدين الذي تعلمته من أبي و جدتي
" ربنا هو العدل عرفوه بالعقل" .
- و لكنك قلت في كتبك صراحة أن الإسلام و
المسيحية و على الرغم مما أحدثاه من تطور اجتماعي كبير زادت القيود على المرأة
؟
- لقد قلت أن الأديان السماوية و غير السماوية مراحل
تقدمية من التاريخ البشري إذا أخذت لصالح المقهورين و النساء و الفقراء ، لكن
إذا أخذت لصالح الحكومات و الأسياد تصبح معادية للإنسان، هل تعلم أن إسرائيل
احتلت فلسطين و قتلت النساء و الأطفال بحجة آية في التوراة تعدهم بالأرض إذا
ختنوا ذكورهم ؟! من جهة أخرى على وجه العموم يجب أن يتطور الكتاب الديني مع
البشرية ، أنا ضد الثوابت و مع المتغيرات " إذا تعارض النص مع المصلحة غلبت
المصلحة" لصالح الشعب ، لماذا تسجنني بـ " قال الكتاب الديني" ، ألم يقل
المصطفى " أنتم أعلم بأمور دنياكم" ، لقد فوضنا في تصريف أمور حياتنا فلماذا
نقيد أنفسنا ؟ لماذا نستجيب للحاكم الذي يكبلنا ؟
الحجاب
- أريد أن أستوضح
منك هذه العبارة التي وردت في أحد كتبك أيضا : " تحجيب المرأة باسم الإسلام
يوازي تعريتها باسم التجارة " ؟
- نعم .. أنا ضد أن تتعرى المرأة و ضد أن تتغطى ، أنا
إنسانة و لست جسدا يغطى أو يعرى ، ما مشكلة (الشعر)؟ إنهن يغطين شعورهن و يغمزن
بأعينهن للرجال! لا علاقة بين الأخلاق و الحجاب ، و لقد ذكرت أيضا أن
(الماكياج) حجاب و هاجمته ، و قلت أنني ضد العري و هاجمته أيضا ، تغطى المرأة
لأنها بضاعة جسدية و تعرى لأنها بضاعة جسدية ، لذلك في الناحية المقابلة لا
يعرى الرجل لا يغطى .
- ما هو الحجاب ؟
- الحجاب مفروض في عصر الجواري و العبيد ، و الأسوأ منه
حجاب العقل ، لأنه لا يمكن لقلة أن تتحكم في الأغلبية دون حجاب العقل ، و ينطبق
نفس الشيء على حجاب الوجه .
- هذه الإجابات الصارخة تتنافى كلية مع الخطاب
الديني السائد ، ما تفسيرك لهذا ؟
- و هذا يفسر العزلة المفروضة عليّ .
- و لكن ما هو المقابل لخطابك ؟
- خطاب الحكومات ، و خطابي هو البديل .
- و لكنك لا تمثلي مرجعا دينيا ؟
- هذا لا يهم ، لأن الدين موجود في بيت كل واحد ، ليس
له علاقة لا بالسياسة و لا بالاقتصاد لأنه علاقة شخصية بين العبد و ربه ، يختار
الإله الذي يريد و يعبده بالطريقة الذي يريد دون فرض .
- ننعود إلى تحرير
المرأة بعد هذه التفرعات و التي لا أظنها أخرجتنا عن السياق ، ألا ترين أن
(حركة) تحرير المرأة لو صح المصطلح تراجعت قياسا بفترة الستينيات و السبعينيات،
و حتى أن أبرز رموزها انسحبوا إلى الصحافة و النقد الأدبي بل و الأمومة و
العودة إلى البيت في أحيان أخرى ، فهل هذه هزيمة لنوال السعداوي ؟
- لا ، هذه أكبر هزيمة للنظام الذي أحاربه .
- كيف ؟
- هؤلاء ليسوا من قرائي أو تلامذتي ، إنما هم
أذيال الخطاب السياسي الرسمي السائد .
تراجع
- ما
هو شعورك و أنت تسمعين من يقول أو من تقول : " طاعة الزوج من طاعة الله " و "
الرجال قوامون على النساء" ؟
- هي عبدة و جارية ، و لا تفهم القرآن أو الإسلام .
ما هو تفسيرك إذا
لقول الله تعالى : " الرجال قوامون على النساء " ؟
" بما أنفقوا من أموالهم " ، للرجل حق القوامة لو أنفق
علي ، حين تجلب أنت الخادمة ألست تطعمها و تعطيها المال ، نفس الأمر ينطبق على
المرأة و الرجل ، أما لو كانت المرأة مستقلة فهذا لا ينطبق .
- و
أنت - كما تقولين - تمثلين خطابا جديدا ، هل يمثله ذاته المشايخ الجدد كعمرو
خالد و خالد الجندي ؟
- لا .. أعوذ بالله ، هؤلاء قوم يخدعون الشباب و
الشابات و يكذبون على الناس ، هم كالنساء اللاتي يضعن الماكياج ثم يدعين أنهن
جميلات و هن لسن كذلك .
- هل العمل على
التزام الناس و تقربهم من الله من وجهة نظرك يعد كذبا و خداعا ؟
- نحن نعيش في كذب ، عالمنا اليوم يقوم على الكذب
، رئيس أكبر دولة في العالم جورج بوش الابن يكذب كل يوم ، توني بلير يكذب كل
يوم ، السياسة في العالم العربي
معناها فن الكذب ، و رجال الدين عندنا يقومون بنفس الدور أو يجملونه ،
لأنهم
يشغلون الشعب عن قضيته الأساسية عبر تخديرهم بقضايا سطحية و فرعية للغاية .