الأدب  ( 1/E ) - أخبار أدبية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 حرية الكاتب إلى أي مدى

؟

د. فاروق مواسي

               قبل أن نسأل السؤال عن حرية الكاتب فمن الأولى أن نتساءل عن حرية   الإنسان – عامة – وإلى أي مدى نفسح للفرد أن يصول ويجول فيه  أو فيها .

يكتسب السؤال أهمية إزاء الدعوات الملحة تارة باسم الديموقراطية ، وأخرى باسم حرية الاجتهاد  ، أو باسم حرية التعبير .....وبالطبع ثمة حدود في كل دعوة  لا ينكرها مُنكر  ، وخاصة فيما يتعلق بالمحظورات " التابوهات " – الدين والجنس والسياسة  .

ولو لم تكن هذه الحدود والقيود  لرأينا بعض من يسير في الشارع عاريًا ،  أو نمرّ مرًا عابرًا على الإساءة  للرسول  أو القرآن  أو الإنجيل  ، ولسلّمت السلطة أو المعارضة بمن يهاجمها إلى درجة إلغائها والتحريض عليها .

لا مُشاحّة  أن حرية الفرد تنتهي عند حرية الآخر . و مع ذلك فكثيرًا ما نرى أن  المجتمع يقبل  الرأي المغاير الذي يُطرح باتزان وبمسؤولية  ، وذلك إذا عُرض بأسلوب أو منطق فيه أخذ وعطاء ، مد وجزر ، دون تقويض لأسسه  أو هدم جذري  لعقيدته   .

 

ولما كانت الكتابة تعبيرًا عن ذات المبدع  في حياته وفي صراعه اليومي وفي طموحه نحو الأفضل والأرقى  ، وذلك بصورة فنية ،  فإن الأديب  مدعو لأن يعبر عن ذاته و بأسلوبه الخاص به وبشخصيته   . والأدب -  كما يُفترض -  هو إيحاء ، ونصف إضاءة ، وتصوير غير مباشر  ، وفيه رسالة نقرأها بين السطور أو ما وراءها .

فليقل المبدع ما شاء بدون مباشرة ،  وأعني بذلك دون أن نستطيع تبين  إساءة  ما  واضحة  . وحتى لو كان النص رمزيًا فمن الضروري أن يكون موظّفًا بصورة لائقة ؛  فهل يُعقل  - مثلاً - أن تكون

 ( الأليغوريا = القصة الرمزية  ) التي كتبها سلمان رشدي في آياته الشيطانية  مقبولة باسم حرية التعبير ما دمنا نجد شخصيات إسلامية  معروفة -  وقد جعلها  شخصيات روائية غير مبررة فنيًا ، ولا يُشتمّ منها غير الإساءة لمشاعر مجموعة  من الناس .

ومن جهة أخرى – وحتى لا يساء فهمي -  لا يجوز لنا أن نحكم على نجيب محفوظ في أولاد حارتنا  أو نصر حامد أبو زيد أو فرج فودة  بما حُكموا به ، فهؤلاء وكثيرون غيرهم كتبوا وأثاروا نقاشات ليست بالضرورة تصب في  مجرى الإساءة  أو الكفر  ،  فمن يملك الحق أن يقرر الرأي الصائب أو  الاجتهاد  المبتوت فيه ؟

 

ربما نجد من له رأي آخر مناقض ومقوّض للسائد ،   كالثائر المتمرد في السياسة ، أو الإباحي في الدعوة للجنس ، أو الملحد  في عقيدته .... وبعض هؤلاء معروفون في التاريخ  ، وقد نحترم هذا أو نعجب بجرأة  ذاك ......

 

لكن الفن ضرب مميز  ، وسبيله ليس سبيل  القضايا الاجتماعية ، إذ أن  له بعض الحدود  ، فهو ليس منطلِقًًا إلى ما لا نهاية  .

وعليه فإنني أرى أن الفنان / الأديب يجب أن يضع لنفسه رقابة داخلية تتمدد وتتقلص تبعًا لقدراته ومؤهلاته المتاحة .

صحيح أن الكتابة أو الإبداع  لهـ/ا رسالة  ، وهي تكتسب شهرتها بقدر ما لديها من رفض وثورة  ، ولكن ذلك في تقديري يجب أن يكون مدروسًا :

 لمن أكتب ؟ ومتى أكتب ؟ وكيف أكتب ؟ ولماذا أكتب  وقبل ذلك : هل أكتب ؟

 

قد يذهب البعض إلى أن هذه الأسئلة كلها أو بعضها  لا أهمية لها للمتعبد في محراب  الإبداع  ، ولكن مهما يكن فإن الرقابة الداخلية تظل بوصلة  له ، شأنه شأن  السفينة التي تمخر وتختار طريقها  في بحر متلاطم الأمواج  ، فلا بد لقائد الدفة من خطة ومن حدود ومن رؤية منضبطة -  حتى ولو كان في  رحلة  ماتعة  .

 

المبدع إذن ينال حريته ضمن مجال أو أفق يضعه لنفسه .و حتى لو كان هذا الأفق غير منظور فإن ثمة تخيلاً لحدوده أو أبعاده .  وإلا فإنه يشتط  ، ويشذ ..... وعندها سيكون هامشيًا أو خارجًا عن  أولئك الذين نذر نفسه لخدمتهم  ، ورأى أنه يقول ويكتب ويبدع لهم .

 

وأود أن أختم رأيي برفض  كل عقاب أو تعذيب  أو تآمر على أي مبدع ،  بسبب أنه مس  بقدسية -  أية قدسية ، فحتى لو كانت كلمات هذا أو ذاك كفرًا  صراحًا أو دعوة مضادة  أو ذات نزعة فوضوية   فإن في العزوف عنها من قبل الرافضين لها ما يكفي  للطعن في جدواها ، فمن يصدق خطرها الفعلي  في أجواء لعبة كرة القدم والمضاربات المالية  والمجمعات التجارة  والتنافسات المتباينة  ،  والصراعات السياسية  والمخترات والمشيخات و.. ؟

يقول أندريه موروا : " الحرية والمسؤولية توءمان ، لو انفصل أحدهما عن الآخر مات كلاهما " .

 من هنا فإني  أرى أن حريتي تكون  برقابة داخلية تتحلى بالمسؤولية  ، وتنظر إلى  التغيير في السائد ، مدًا وجزرًا . أقول ذلك بإيحاء وبنصف إضاءة ، لأنني لست سياسيًا أو داعية دينيًا لأرفع شعارات ، فأنا أكتب أدبًا  أو  أنشئ فنًا  ، وفي كليهما ثمة حدود أعايشها وكأنها جزء من ذاتي  ،  حتى لأوهم نفسي أنني حر في كتابتي وبدون قيود .

=============================

د . فاروق مواسي*

باقة الغربية – منطقة حيفا