تعرف
عليها في بلد خليجي ، تزوجها ، ثم صحبها معه إلى بلده ،
كانت تعمل كسكرتيرة في إحدى الشركات الكبرى ، و كان يعمل
مراسلا في نفس الشركة ، كانت متفوقة عليه علميا فهي تحمل
شهادة جامعية ، أما هو فلم يتعد المرحلة المتوسطة ، و
لكنه يحمل في الوقت نفسه ذكاء متقدا و على الأخص ذكاء
إجتماعيا ، جعله محل ثقة رؤسائه في الشركة و ثقة كل من
تعامل معه من المسؤولين باسم الشركة .
عاد إلى
بلده يحمل هذه الخبرات إضافة إلى مبلغ جيد من المال تمكن
من توظيفهما في الحال بافتتاح مقهى ناجحا وسط مدينته
السياحية الصغيرة ، سرعانما جذب إليه كبار موظفي المدينة
بدءا من رئيس المخفر إلى قاضيها إلى معلميها و حتى أصغر
شرطي فيها .
كان يعرف
تماما كيف يرضيهم ، و اين و متى يعفيهم من ثمن مشروباتهم ،
و أين و متى يقدم لأحدهم الشيشة ( الأرغيلة )
بالتبغ المعسل و هو أقصى ما يمتلكه من تكريم .
كان يدير
عمله بنفسه و يشرف على كل كبيرة و صغيرة و قد زين وجهه
بابتسامة عريضة دائمة ، فأحبه عماله و زبائنه و كل من
تعرف عليه ، و أصبح مقهاه دائم الإزدحام و في جميع
المواسم .
*****
و
على العكس من ذلك تماما كان سلوكه في بيته ، فقد منع زوجته
من الإستفادة من شهادتها الجامعية و خبراتها الوظيفية ، و
منعها من الخروج من المنزل أو إقامة أي صلة مع الناس
.
و هو
بذلك يستغل بعدها عن أهلها و صعوبة وصولهم إليها أو
وصولها إليهم .
يصرف على
الطعام بسخاء ، و لكنه لا يؤمن بضرورة تجديد الملابس ، ولا
يؤمن كذلك بالاحتياجات النسائية كأدوات الزينة أو العطور ،
هذه كلها توافه – بنظره - لا يحبها و لا يسمح بصرف درهم
واحد على أي منها .
أنجبت له
ثلاثة أطفال ، كان يعاملهم بمنتهى القسوة و يعاقبهم لأتفه
الأخطاء ، و إن حاولت الدفاع عن أي منهم ، يصب جام غضبه
عليها بلسانه البذيء بداية ثم بيده أحيانا .
ثم بدأ
يحملها مسؤولية أي تقصير مدرسي يصدر عن أولاده فيعاقبها
تماما كما يعاقبهم .
يخلع
حزام بنطاله و يبدأ بجلدها أولا ، ثم بجلد المذنب من
الأطفال ، تستغيث ، تستنجد ، فلا من مغيث و لا من منجد !
الجيران
يسمعون صياحها و لكنهم لا يتدخلون ،
يصغون
إلى استغاثاتها باهتمام و لكنهم يتجمدون عجزا
،
قد تتوقف
اللقم في حلوقهم إشفاقا
،
قد تزرف
نساؤهم الدموع بصمت ،
و لكن
ليس أكثر من ذلك
.!..
*****
و ذات يوم وردها كتاب من شقيقتها .
لقد توفي
الوالد
و خلف
لهما منزلا ، باعته و دعتها للحضور لاستلام حصتها .
رفض
الزوج السماح لها بالسفر !
أجبرها
على كتابة توكيل له ، ثم سافر بنفسه .
قبض
النقود ،
و لما
عاد وضعها في حسابه !.
تجرأت
فاعترضت :
- هذه
نقودي يا رجل ، بأي حق تستولي عليها ؟
فخلع
حزامه و بدأ بجلدها ..
و لكنها
قاومته هذه المرة ...
عضته من
يده فأدمتها ...
تناولت
المقلاة و
ضربته بها فآلمته ..
ثارت
ثائرته ..
أمسكها
من شعرها ..
و بدأ
يضرب رأسها بالجدار ..
استثار
المنظر أطفالها ..
فبدؤوا
يلقون عليه ما تطاله أياديهم ..
أنقض على
كبيرهم فكسر يده !
و دفع
ابنته فوقعت أرضا و شج رأسها ..
و عندما
أصيبت الزوجة بالإغماء ..
و عندما
ازداد صراخ الأطفال
و عويلهم ..
و تفاقمت
ثورتهم ..
غادر
المنزل مهددا متوعدا .
ثم عاد
إلى المقهى يوزع إبتساماته .
أما
الجيران فكانوا يسمعون صياحها و صراخ أطفالها و لكنهم لا
يتدخلون ،
يصغون
إلى استغاثاتها باهتمام و لكنهم يتجمدون عجزا ،
قد تتوقف
اللقم في حلوقهم ،
قد تزرف
نساؤهم الدموع بصمت ،
و لكن
ليس أكثر من ذلك
!
فقد كُمّت
أفواههن ! ...
*****
تجرأت
جِنان – و هذا هو اسمها – و غادرت المنزل متوجهة إلى
المستشفى .
عالجوا
جراحها ..
صوروا
دماغها ...
أكد
الطبيب أنها مصابة بكسور بالدماغ و بارتجاج في المخ ..
عالجوا
كسور ابنها ..
و جروح
ابنتيها ..
ثم
كتبوا تقريرا بالواقعة ،
و قعه
المدير ،
تمهيدا
لرفعه إلى النيابة العامة .
*****
حضر
مشاري – و هذا هو اسمه – بصحبة أحد كبار المتنفذين إلى
المستشفى .
ناقشا
مدير المستشفى طويلا ..
ضغطا عليه
كثيرا ..
فوافق - تحت الضغوط - على السماح بخروج
المصابين على مسؤوليتهم (!)..
و تحت
الضغوط سلم
مشاري و صاحبه تقريره
، فمزقاه أمام عينيه ..
ثم أمر
مشاري أفراد عائلته بالعودة إلى المنزل مرغمين ..
و في
اليوم التالي أسلمت
جِنان روحها إلى باريها ..
و خرج
مشاري من جريمته كما تخرج الشعرة من العجين
!!!!!
*****
أما
الجيران فضرب كل كفا على كف ..
و هزوا
رؤوسهم تعجبا و أسفا و أسى ...
توقفت
اللقم في حلوقهم
هلعا و ولها ..
و زرفت
نساؤهم الدموع ...
و لكن
مُنعن من التعبير أكثر من ذلك
...
-------------------------------
*نزار
بهاء الدين الزين
سوري
مغترب
عضو اتحاد كتاب
الأنترنيت العرب
الموقع
:
www.FreeArabi.com