طلقها
!
- لكم أكره هذه الكلمة ، لكم أمقتها و أنفر من ذكرها ، لكم حطمت بشرا و شتت
أسرا .
أذكر جيدا يا أبي أنك اخترتها لي و أنك آثرتها من بين كثيرات بل و قد انتزعتها
لي بمؤامرة من أحد خطابها ، فكيف تدعوني الى طلاقها يا أبي ؟
أطلق من ملأت حياتي بهجة ؟ بأي ذنب ؟ بأي منطق ؟ و ما شأني ببقاء السلالة طالما
أنا سعيد ببقائي ؟!
" على أي حال له قضيته ، لعله يراها عادلة فيتشبث برأيه و يلح بطلبها و يلحف
بالرجاء ليحققها ، عدالته هي عدالة المصلحة العليا ، مصلحة السلالة - مع أني لا
أظنها سلالة فريدة من نوعها- هي لا شك غريزة عمياء يسمونها غريزة بقاء النوع ؛
أما عدالتي و للغرابة هو غارسها ؛ فهي مقابلة الود بالود ، و الاحسان بالاحسان
، و الوداعة بالرقة ، و الاخلاص بالرعاية ، و العطاء بالسخاء . "
طلقها ، يكررها كلما طلب الخلوة بي و ما أكثر ما يطلب الخلوة بي ليقول لي طلقها
!
- طلقها .. طلقها .. طلقها .. لقد أعطاك الشرع هذا الحق فاستثمره .
فطوم ابنة خالك تبين أنها مصابة بالعجز الكلوي ، أفتى شيخ لزوجها بالطلاق
فطلقها و هي لا زالت عروسا ؛ سليمة حفيدة ابن عمي سليمان ، أصيبت بحالة
اكتئاب إثر حمل لم يستقر ، فأفتى شيخ بجواز طلاقها فطلقها ,
كل الناس يطلقون الا أنت ؟!
-
"
أهي سلعة ، يمكن إعادتها لبائعها أنى نشاء ؟ يا أبي؟!
"
- طلقها .. طلقها .. طلقها ..
ضجيج هذه الكلمة الكريهة يصم أذنيّ .
زوجة أبي مستعدة للبحث عن غيرها في الحال !
" حذاء يمكن استبداله أنّى نشاء ؟!." هكذا هَمَسَت في أذني ذات يوم .
و لكنك لم تنجبي بدورك يا زوجة أبي ، لِمَ لم يطلقك أبي يا زوجة أبي ؟
عمتي تقترح أن أتزوج من أخرى على أن أبقيها بذمتي فلا أكون ظلمتها !
و لكنك اكتويت بمرارة الضرّ يا عمتي ...
أعمامي لاذوا بالصمت ، لقد أنجبوا بناتا فلا يحق لهم و الحال كذلك الحديث عن
بقاء السلالة !
مضت عشر سنوات أو تزيد ، مائة و عشرون شهرا أو تزيد ، أربعة
آلاف يوم بلياليها و لم أفرحك بطفل يا زهير
.
اني أشعر بمعاناتك يا زهير
.
أشعر بقلبك الرقيق يكتوي بمرارة الصراع
.
أشعر بضرباته القوية في مجابهة الضغوط
.
أشعر بحبك الكبير لأبيك و ببرك بأبيك و رغبتك الصادقة بطاعة أبيك
و كذا أشعر بحزنك لانتقاصك من برّه و طاعته من أجلي .
كم بودي دعوتك اليها تلكم الكلمة البغيضة فأعفيك من ألم النفس و عذاب الضمير ،
و أريح والدك و كل أؤلئك الذين التفوا من حوله يتحسرون على سلالة أصبحت وشيكة
الانقراض .
كم بودي دعوتك اليها و لكن الموت أهون علي منها يا زهير
.
فأنا لا أشعر بالحياة الا بين ذراعيك و لا بالطمأنينة الا في محيط أنفاسك و لا
أستطيب الحركة الا اذا كانت من أجل خدمتك .. أنا .. أنا لا أفهم العالم الا من
خلال عينيك .
فلنحاول ثانية و ثالثة ، فلنحاول للمرة الألف بل للمرة المليون ... قدرتي
على الاحتمال لا حدود لها ..
لقد اعتدت أسّرة المشافي و ألفت طعوم الأدواء و روائح العقاقير
.
لم تضجرني أحاجي الأطباء السمر منهم أو الشقر
.
و لم و لن أسأم قط إذا حولوني الى فأر تجارب ..
ولم و لن أتذمر أبدا من أنابيب تغرس في عروقي و حقن تمتص دمائي و شعاعات تنقب
في أحشائي و عّينات تنتزع من
أنسجتي .
المهم أن أقدمه لك ذات يوم
.
له نفس عينيك الحانيتين
.
له نفس قلبك الكبير و نفس صبرك الجميل
.
حاملا نفس نبلك ..نفس أخلاقك
.
لأجل عينيك يا زهير أحتمل كل الشقاء و كل الألم
.
وليس من أجل سلالتك المجيدة
.
*********
- زهير
لقد احتضنتك أبا و أما حين فقدت الأم ، و رعيتك منذ الثالثة من عمرك ثانية بعد
ثانية و تابعت نموك رقما بعد رقم و أنشأتك فكرة إثر فكرة و دفعتك في درب الحياة
خطوة بعد خطوة ، حتى جعلتك طبيبا ينحني له الأطباء ، و مع ذلك ترى في حلقي
غصة فلا تحاول خلاصي منها.
أنا أطلب منك حفيدا و حسب يا زهير ، هل كثير عليّ أن يكون لي حفيد يا بني ؟
طلقها أو تزوج من أخرى فالشرع أحل لك أربعا يا زهير !
-
-
أبتي
العلم يتقدم و الطب كذلك يتقدم
.
كل يوم كشف جديد
.
كل يوم فتح جديد
.
كل يوم أمل جديد
.
أطفال الأنابيب هل سمعت بهم ؟
الأرحام المستعارة هل قرأت عنها ؟
و مع ذلك أنا لا أفكر باستعارة رحم أو استخدام أنبوب
.
زوجتي ليست عاقرا يا أبي
إلا أنها كثيرة
الإجهاض .
زوجتي التعيسة يا أبي تعاني من عدو كامن في أحشائها مرصود لاجهاض فرحتها ...
زوجتي ضحية الآلية الحمقاء و شذوذ الطبيعة ...
هل سمعت بمقاومة الجسم الذاتية للمواد الغريبة حتى لو كانت لمنفعته ؟
هل سمعت بموت من زرعت لهم قلوب أو رئات أو كلى ؟
جهاز زوجتي المقاوم يخال أجنتها أجساما عدوّة فيفرز حولها سمومه ليقضي عليها
قبل اكتمالها ؛ تلك هي المعضلة ؛ فما ذنب زوجتي يا أبي ؟
اني طوع بنانك في كل أمر يا أبي الا في هذا الأمر فاعذرني أرجوك .
********
بقايا ( أمل ) على سرير أبيض التصق ظهرها به منذ شهور سبعة ...
شاحبة الوجه ، ذابلة العينين ؛ غرسوا في رقبتها أنبوبا وصل بين وريد رقبتها
الأيسر و جهاز تنقية الدماء ، و هي على هذا الحال منذ شهور سبعة ...
( زهير ) الى جانبها جامد التعبير ، عودته الشهور السبعة على كآبة المنظر .
يدخل كبير الأطباء و ثلة ضمت أطباء و ممرضات ؛ يفحصها بدقة ، يبتسم ، يخاطبهما
بثقة : " لقد أكمل شهره السابع
و هو بصحة جيدة ، قلبه ينبض بقوة ، وضعه في الرحم سليم ، حركته تشير الى نشاط و
حيوية ؛ لقد زالت معظم الأخطار . "
ثم أكمل موضحا
: " الخطر الوحيد المتبقي هو أن يلتهب هذا المكان - و أشار الى نقطة
التقاء الانبوب بالرقبة – عندها سنضطر الى سحبه قبل موعده ؛ الا أنه خطر بعيد
الاحتمال . " و أضاف و قد ملأت ثغره ابتسامة عريضة :
" اني أقول هذا لأؤكد لك
بأنك ستصبحين أما و سوف تنعمين بنعمة الأمومة يا سيدة أمل "
لم تستطع ( أمل ) ضبط نفسها فأجهشت بالبكاء .. بكاء الفرح .. بكاء الفرج ..
بكاء الأمل الضاحك...
أما ( زهير ) فقد تهاوى على الأرض فسجد سجدة طويلة ، و اذ احس بابتعاد ملائكة
الرحمة ، زحف نحو السرير فألقى برأسه على صدر زوجته ثم راحا معا في نشيج
متناغم .
كان زهير يسر الى ذاته :- " ستحصدين قمح الصبر يا ( أمل ).... وتذوقين ثمار
النصر .. و تنسين ليالي القهر . "
و كانت ( أمل ) تسر الى ذاتها :
" ستحصد قمح الصبر .يا زهير. و تذوق ثمار النصر
.. و تنسى ليالي القهر "
و استمرت تهمس الى ذاتها :
" اليوم عادت الي آدميتي .. أنت أعدت الي آدميتي يا
زهير .. أنت و كل هؤلاء الأطباء والعلماء و الباحثون .. تضافرتم جميعا لتعيدوا
اليَّ إنسانيتي بعد أن كدت أفقدها .. و سأظل مدينة لكم جميعا الى الأبد ."
و فجأة رفعت رأسها ، مسحت دموعها ، و بصوت نابض بالحرارة قالت
: " زهير قم حالا
و اهتف لأبيك و بشّره بالخبر السعيد . "