
آسيا علي موسى
alimoussa_assiadz@hotmail.com
" أستلطفك،
متى أردتِ مري على بيتي لنشرب فنجان قهوة معا. سيسعدني جدا ذلك ."
تبتسم جارتي التي لا اعرف و تمضي.
ألمحها تقطع الطريق ، أبتسم لظهرها ، تفر رغما عني تنهيدة كبيرة .
أصعد سلالم البيت، أعدها ببطء، فنجان، فنجانان، ثلاثة، كم فنجانا احتسيت
و كم فراقا جربت .
يا جارتي التي لا أريد أن تعرفني، حفزت بداخلي جراحا قديمة أحاول ألا أنظر إلى
آثارها و أخرى جديدة ما زالت تنزف روحي حسراتها. كرهت طعم القهوة الحلوة و
صينيتها المذهبة المكتظة بأشياء تزينها، تبهر، تذهل، لكن تصنع في النهاية
أعباء كان يمكن الاستغناء عنها .
تبدأ بالسكر و شتى أنواع الحلويات و تنتهي بفنجان هجر مر أسود .
فتحت باب البيت و أنا أسرح في آخر فنجان تجرعتُ.
كان مرا، ما زلت أجتر مرارته كلما وضعت رأسي على وسادتي، كلما بسطت أوراقي
البيضاء و حملت القلم، كلما فتحت كتابا لأقراه، كلما غشتني لعنة الإلهام.
قبل أن أغلق الباب ورائي... يفر مني ، أسمع صوت اصطدامه ، يقع قلبي في الأرض .
ليت كل الأبواب التي نريد أن نغلق،تنزلق من ذاكرتنا ، ندفعها بقوة ،نوصدها و
نمحق القلب المعلق بما يختبئ وراءها بأقدامنا ، بأقلامنا ، بسواد القلم الذي
يغتصب بياض أوراقنا، كما اغتصبت فناجين القهوة الحلوة مساحات وحدتنا ، و صينية
أدواتها المنمقة عبأت فراغات أرواحنا
يعود طعم آخر فنجان يا جارتي ،أدخل البيت ، أترنح في الرواق مثقلة بجراحي ،
متخمة بفناجين القهوة الكابسة على أنفاسي، ألقي حذائي ، ألقي همومي على البلاط
، أرتمي على أريكتي المجاورة لمكتبي ، تنبسط أمامي كتب منمقة كصينية عربية
عتيقة ، يقابلني آخر فنجان شربت ، على غلاف الكتاب الذي قرأت عشرات المرات
، تنطلق منه رائحة عطر أدمنته طويلا ، و ها أنا أشيح وجهي عنه و أحس به
يخنقني ،، عطر فنجان قهوتي الأخير يتغلغل في مسام الفؤاد ، يتسرب إلى أعماق
خذلتها عطور سبقته ، يبصم في القلب وشما عميقا ثم يمضي و قد خلف لي حالة من
الغيبوبة .
أنهض من أريكتي متثاقلة ، خائفة ، مضطربة ، أتقدم من الكتاب ، ترتجف مكامن نفسي
، منذ أيام لم أقترب منه ، منذ تكسر آخر الفناجين تركته حيث كان .
كنت أرتب مكتبي ،كل يوم ، أجمع أوراقي ، أصففها ، أصنفها ، أقلب كتبي كلها ،
لكنني كنت أتحاشاه ، حيث كان بقى .
أرتبك و أنا أقرب يدي منه ، كأن أناملي تتوجس فيه الاحتراق ، أتراجع خطوتين ، و
عيناي المرتجفتان تحاولان الهرب ، لكنهما كفأرين جننهما الذعر تدوران حول
نفسيهما ، تحومان حول الكتاب .
أذرع الغرفة بجنون ، كأني أقدم على خطيئة ، تتصارع بداخلي الرغبة و النزق .
صحيح أنني أدمنت قهوتي هذه و يصعب علي كبح جماحي و عطرها يتسرب إلى أحشائي ،
لكنني ما عدت سيدة القرار، هي تأباني وترفض الجلوس على طاولتي ، ليست قوة ،
انصرافي عنها ، لكن حتى القهوة تعرف من تختار .
أعود إلى كتبي ونار الغضب تأجج نفسي.
أختطف الكتاب بقوة ..
أختطف شوقاً، احتراقاً ، ألماً فظيعاً ، ندماً كبيراً ، لوماً وعتاباً .
أبحث عني بين أوراقه ، أتفحص كقارئة فنجان ما رسب في القاع ، أحاول أن أقرأ ما
يداريه المستقبل ، أبحث عن اسمي بين سطوره ، متلهفة أبحث عن الخاتمة ، أعرج على
الإهداء ، أستنطق أحرفا خرساء متواطئة علي ، أجد كل شيء ، أجد كل من يحبون
القهوة الحلوة ، و الصينيات المنمقة ، أجد مجالس السمر ، أجد كلمات قيلت
لي كثيرا و ظننتها ملكي وحدي ، أجد ...
خيبتي و انكساري .
و مذاق قهوة مر ، يحبس رغبتي في البكاء