
قصة
بقلم
:
ليلى سلامة
http://www.diwanalarab.com/
تكاد وأنت تمشي هذه الطرقات الضبابية من شدة التلوث
والأزمة المرورية أن تعتقد بأنك تحمل كل هموم الدنيا والمسؤوليات فوق ظهرك،
وكلما
التقيت أحدا أو استقبلت اتصالا هاتفيا أو غير هاتفي تعبر عن أسفك واستيائك
لعدم
قدرتك على التواصل مع الآخرين من حولك لانشغالك الدائم ... أو لأنك مشغول
جدا
.
ولكن ماذا لو أصبحت غير قادر على الرد على تلك
الاتصالات المتكررة التي تستقبلها من الأصدقاء والأهل الذين هم بحاجة
للاطمئنان
عليك أو انهم في حالة شوق ؟ أو تلك الاتصالات الآتية من الغرباء ؟ ماذا لو
لم تتمكن
من الرد عليها رغم أن الأمر قد لا يأخذ سوى دقيقة أو دقيقتين على الأكثر
للحديث
معك، خاصة وأن المكالمات الهاتفية ليست رخيصة الثمن مقارنة بعدد الدقائق
المستهلكة
في سبيل المحافظة على آخر حلقة وصل بينك وبين الآخرين في ظل العلاقات
الاجتماعية
المبرمجة والمختصرة نتيجة العدّ التسارعي للوقت مع تخمة وكم هائل من الفوضى
التي
تحيطك في حياتك، جبال من الأوراق وأرقام الهاتف والملفات المبعثرة ومناديل
الورق
المتلفة على جانب المكتب أو السرير أو في حقيبة اليد، والغبار الذي يغطي
أطراف
المقعد وبقايا أدوية مختلفة لأمراض لا حصر لها وأهمها أدوية الصداع وحول كل
ذلك
تنشأ دائرة الأزمات المتلاحقة نتيجة موت أحدهم أو فشل الذات أو ضبابية
المحيط، ولن
أخرج هنا عن النص فأنت نتيجة لكل ذلك محبط ومشغول. لكن ما رأيك بالرسائل
القصيرة
(
الماسيجات ) أليست أكثر توفيرا للمال والوقت والروابط الإنسانية ؟
اختفاء الحقيقة في انشغالات الحياة بأن الإبقاء على
قراءة ملخص الكتاب أفضل من عدم قراءته أبدا، وأن إلقاء التحية على صديق من
خلال
الهاتف أفضل من عدم لقائه حسب تعدد الظروف وعدم انتهائها، وتناول وجبة
الإفطار وأنت
واقف أفضل من عدم تناولها ..... الخ وعبثا يظن البعض منّا أن الكم الهائل
الملقى في
سلّة المهملات من أعقاب السجائر أو خصلات الشعر التي سقطت سهوا من الرأس
وتلك
الحكّة المتواصلة التي تصيب الرأس، والسواد القابع والمحيط بجفن العين وغير
ذلك من
مخرجات الحياة الخانقة – يظن عبثا بأنها منظار خاص أو مزاج حاد ناشئ عن رأس
محشو
بالأفكار ومحترف لمفهوم التفكير وأبعاده حتى انكشاف الخيط الأسود . وقد
يطول ذلك
مدة تصل إلى عروق السماء الإرجوانية عند مجرّد التفكير باعتزال مشاغلك قرب
البحر
لتصطدم هناك بالتفكير فيما مضى ويصبح العقل والدماغ والحواس هي الأخرى
مشغولة
.
وماذا بعد ؟؟؟ هل ما زلت مشغولا ؟ أم أن الوقت أسرع
متسابق ولذا لا تملك الجرأة على منافسته ؟ مشغول ... مشغول ... مشغول ولدي
الكثير
من الأعمال علي إنهاؤها، أعتذر فلا يمكنني قضاء وقت للمتعة أو الترويح عن
نفسي ربما
لأنني أستمتع بالإدمان على مشاهدة التلفاز أو الاستمتاع دون سبب، ولا
يمكنني حضور
حفل زفاف أختي (دون مبالغة) لأن عملي لا يسمح لي بالمغادرة باكرا / ة
.
ربما تكون شخصا يعمل تحت الضغط، وربما تكون ممن
يستيقظون بظهور الخيط الأبيض وممن يبدأ عملهم الساعة الثامنة والنصف صباحا
وينتهي
الساعة الثالثة بعد الظهر، ثم تبدأ معاركة الحياة من أجل الوصول إلى عتبة
المنزل أو
مباشرة إلى السرير بسبب ضياع الوقت بانتظار الباص ... هل أنت فعلا مشغول أم
أنه
الروتين البغيض؟ وتكون الساعة الخامسة، تتناول غدائك، وتأخذ قسطا من الراحة
وقد
تنسى صلاتك لأنك مشغول أو تتناساها (أكثر دقة) !!! لست مشغولا بل هذا ادعاء
نشأ عن
عجز وتقصير بحق الآخر وبحق الذات
.
إن كنت أعزبا / عزباء، متزوجا أو متزوجة أو غير ذلك من
أوضاع الإنسان في هذه الحياة فأنت وكثيرون مثلك تتلفظون بكلمة مشغول، فالأم
والأب
والأبناء والمدير والموظفين وهنا وهناك، كلهم مصابون بداء كلمة مشغول.
ترى متى يمكننا أن نرقى بإنسانيتنا للاعتدال والتوسط
والبساطة والابتعاد عن التعقيد، متى يمكننا احتواء الأشياء دون افتراض
عبوديتها،
التي أقنعتنا بأنها اختصرت علينا المسافات وجعلت من البعيد قريبا، ومكنت
الإنسان من
تجسيد مشاعره من خلالها بإسقاطاتها المؤلمة على خلايا الأذن الحية وأعصاب
الدماغ
المستميتة من أجل البقاء والاستمرار مدة أطول لتكون بين كل ذلك مأساة العصر
بتجريحها للجسد وأعضاءه أو ربما بتعذيبها وقتلها البطئ له، وذلك الدم
الجاري في
الأعماق كمؤشر على الإحساس فيصبح فظّا غليظا تتخمر فيه عاهة الإدمان متجمدا
غير
قادر على احتقان الألم الناشئ عن ارتفاع الضغط والتجلّط أو التسمم نتيجة
لهذا الجو
المشغول
!!! .
وتبقى التساؤلات القائمة عالقة في أذهان القارئ لهذه
التقدمة الطويلة، المتشعبة ليصبح محور السؤال : ماذا تعني كلمة مشغول ؟ مش
فاضي ؟
بالتأكيد لا لأنها تفكير سلبي متعمق ضمن تفكير غير منظم ومشوش، فأن لا تكون
مشغولا
لا يعني أن تكون ممتلئا وغارقا في العمل حسب تعبير أحدهم (مش فاضي ) أما
فيما يتعلق
بمطاردتك لشخص تحتاج له وفي كل مرّة يتضح بأنه مشغول فمن الممكن أن يبقى
مشغولا أمد
الدهر، فنصيحتي لك أعكف عن هذا الأمر وابحث عمّا أنت بحاجة له بجدارتك لأنه
بالنهاية سيقول لك ( أنا مش فاضي هلأ ) وستجد أن ( هلأ ) تتردد كثيرا على
لسانه
وبالتالي كلمّا حصل وقابلته ستسمع ذات الكلمة.
متى تكون مشغولا ؟ سؤال مطروح للقارئ، لاختلاف
التوجهات والتفكير والأعمال والحالة ذاتها قد تكون مختلفة تماما فمصطلح
البطالة لا
يعترف بكلمة مشغول . ربما الهاتف مشغول، والمقعد مشغول ولكن أنت متى وكيف
تكون
مشغولا ؟
بكل هذه المفارقات والمتفرقات ضمن هذه التقدمة كما
أشرت سابقا ارجو ان يعترف أحدنا بأن مصطلح مشغول هو اختراع عربي لنحمي
أنفسنا من
السقوط مبكرا نتيجة انعكاسات وذبذبات الخوف من الفشل ونفاق المجتمع
والمظاهر
المسمّمة بخداع الآخرين
.
هل أنت مشغول إذ لا يمكنك قراءة هذا المقال
؟