WWW.FreeArabi.Com

أدب

مختارات قصصية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 

الخبز الدامي

د. علي الطرابلسي / تونس

عن موقع -أفق

 

 

يدفع العربة الحديدية .. تنزلق على القضبان الرفيعة .. تشتكي القدمان النازفتان .. تسحق العجلات حُبيبات الندى التي تشبثت بالسكّة الصدئة منذ الفجر .. تُصدِر القضبان المستكينة أنيناً جارحاً يتمازج مع همومه الخرساء فيتقاسمان الألم معاً. تُطل الصخور الداكنة - التي جمعها بعد أن مزقت شظايا الديناميت جسد الجبل - برؤوسها من جوف العربة كصغار الكانغرو .. ويدفع الجسد المكدود تلك الكتلة المعدنية من قمة الجبل حتى تلتقف فوهة معمل الجير القابع عند السفح كل ما فيها، وتطحنه بشراهة. هكذا كان يومه وجزء من الليل.

 

أربعون عاماً والغبار يتشابك مع فيض الدخان الأزرق .. ويتمددان كفناً على جسد الجبل المبقور .. ثم يعانقان السحاب وإذا النهار مرآة مغبرة. أربعون عاماً رتيبة وهو يتقاسم مع رفاقه رغيفاً مغموساً بالعرق ورائحة البارود. أربعون حولا شُيِدَت فيها قصور فارهة، ونبتت بيوت ملأها الدفء، بينما كانت سُحب الغبار البيضاء تُحاصر نهاره، وتحول بينه وبين أن يرى أشجار الصنوبر تتوهَّج بسنا الفجر، أو يتأمل قلائد الياقوت تُزيِّن ذرى بوقرنين[1] وقت الغروب.

 

كم كان يودُّ وهو يدفع عربته والعرق يتساقط مثل حبيبات فضية، أن يستريح قليلا ليداعب حملا يقضم زغب العشب بفرح ويقفز طليقاً عند الطريق الذي يلتوي حَلزونأً صاعداً الجبل. كم تمنى أن يجلس ويتأمل عبرَ سياج الجنائن – المتناثرة على سفوح الجبال المحاذية – أشجار الرُّمَان والسفرجل حُبلى بالثمرِ والطيرِ، بينما قُزح يدفع الغيومَ جانباً ويلهو برسم قوسٍ في السماء .. رباه ما أجمل أن يتوقف ليتأمل اليد والفرشاة والألوان .. لكن أنَّى له ذاك وغضب "مسيو لابارير[2]" سوطاً يلسع الرقاب، وسبابه الجارح ثعباناً أرقطاً يتعقَّب من يتوقف عن العمل.

 

كم كان يحلم بأن يستيقظ ذات فجر شفاف فلا يرى الغبار ولا الصدأ ولا مسيو لابارير، حتى يتسلق الجبل إلى القمة، فيما جسده المغسول بالعرق يُهدهده النسيم البارد، ليستنشق عبير الصنوبر وضوع زهور البراري، ويبقى هناك حتى يراقب غروب الشمس مثل عروس تتمطى بثوبها الأرجواني فوق صفحة البحر.

 

أحاسيس فطرية صافية .. وأمنيات دافئة .. لم تُشرق, وإن كانت تُومض بين حين وآخر، ولكن لا ضير، فقد كان يرى قناديل تبزغ في زوايا البيت، وخبزاً وزيتوناً يدفع السَّغب عن سبعة بطون، وذاك كان نبع رضا صاف يسكن القلب الحنون.

 

اليوم ها هو ذا مصنع الجير مهجور كبيت عنكبوت عتيق .. وبقايا القضبان الصدئة ما زالت مغروزة في مكانها.. وها هو ذا الآن وقد اقترب من عامه السبعين.. مُمَدَّدٌ بيننا .. جسداً نحيلاً هدّه الداء .. عينين باهتتين بلون الرماد ترتطمان بجدران العتمة .. أنفاس واهنة تتردد داخل رئتين ثقبهما الغبار .. وعلبة فانتولين[3] نصف فارغة .. مُلقاة بالقرب من وسادته.

 

(رحمك الله أبتاه. لقد كنت نقياً جسداً وروحا،ً برغم غبار الحياة ودخان الشقاء.)

 ----------------------------------------------------------------

 [1]  جبل بوقرنين: جبال بمدينة حمام الأنف بتونس تطل على البحر. أقيم على أحد تلالها  مصنع للجير والإسمنت توقف عن العمل منذ عدة سنوات.

 [2]  لابارير: رئيس العمال. كان فرنسيا لأن المعمل كان تابعا لشركة فرنسية بعد استقلال تونس مباشرة.

 [3]  فانتولين: دواء يستخدم لمرضى الربو.