نشأ
زياد في عائلة معروفة ، أنجبت
عددا من التجار متوسطي الثقافة و عددا آخر من المثقفين اللامعين ؛ فكان لإسم
هذه العائلة وزنه بين العائلات التقليدية في بلدته. عائلة محافظة بغير إنطواء ،
و متدينة بغير تزمت ، و حرة بغير تفريط ، إضافة إلى سلوكية مثالية تتلاءم مع
الجانب المشرق للإنسان العربي الساعي نحو النمو في فترة ما بعد الحرب العالمية
الثانية .
و شأن زياد شأن اؤلئك المنحدرين من
الطبقة المتوسطة ، فإن دواعي طموحه ما كانت لتفتر ، حتى إذا حانت له فرصة جيدة
للعمل في إحدى الدول النفطية الناهضة ، تحرك نحوها بلا إبطاء .
و صونا لأخلاقه و حرصا على راحته في
الغربة و ضمانا لعودته ، أقنعه والداه بالزواج من ابنة عمته و خلال أقل من
أسبوعين تم الزواج و صحبته عروسه إلى أسبوع العسل ثم إلى ديار الخليج ، و ما
لبثا أن مُنحا بيتا في إحدى الضواحي النموذجية .
كل شيء في وضعهما الجديد كان يدعو
للراحة و يتناسب مع عقليتهما المنفتحة ، إلا أنهما لم يتذوقا طعم الراحة قط .
أزمتان وجدانيتان عصفتا بكيان زياد
و دفعته للتفكير بالإستقالة و العودة من حيث أتى ، لولا أن هدأته عروسه و
أقنعته بالصبر ، فإن هي إلا سنوات قليلة يعودان بعدها إلى الوطن قادرين على
شراء منزل و مزاولة عمل حرَّ كما خططا قبلا .
إحدى الأزمتين تمثلت حول معتقداته
السياسية و الأخرى حول علاقاته الوظيفية .
ففي ميدان العمل أزعجه تشرذم العاملين
حسب إنتماءاتهم الإقليمية و العشائرية و هو ما يخالف معتقده القومي من أن
العرب كل العرب هم وحدة إنتمائية في كل زمان و مكان ، و باعتباره الوحيد من
المنتمين إلى بلده فقد شعر منذ البداية أنه منبوذ من الآخرين كما شعر بتحيز
رئيس عمله لفئة دون الفئات الأخرى .
أما مصاعب لمياء زوجته فكانت من لون آخر ، فالبيئة الجديدة
هي إلى الريفية أقرب من حيث محدوديتها ، فهي فئة الزملاء الجيران ، حيث تتأثر
زمالتهم بجيرتهم و جيرتهم بزمالتهم ، و هي بيئة التفاوت الفكري بين الرجل و
المرأة ، فالمهندس متزوج بحاملة إبتدائية أو محو أمية ، و مدير المدرسة متزوج
بفلاحة ، و مدير الإسكان متزوج بامرأة ذات نقاب .
و هي ايضا بيئة المتناقضات السلوكية ، حيث تعيش السيدة
النظيفة إلى درجة الوسواس إلى جانب السيدة المهملة ، إلى جانب تلك المتتبعة
لأحدث خيوط الأحدوثة ( المودة ) بجوار تلك التي لا زالت متمسكة بثوبها البدائي
و التي لا تنزعه عن جسدها إلا كل عام ، بيئة يحكمها الجهل غالبا و يفتتها القيل
و القال ، روابط سريعة النشوء لكنها سريعة الإنهيار ، مجتمع هش و علاقات سطحية
؛ و فسيفساء عربية ،أعجمية ، بدوية ، ريفية ، مدنية ربما لا مثيل لها في
العالم كله .
خلطة من اللهجات بعضها يحتاج إلى ترجمان حيث تتحول القاف
إلى همزة أو إلى جيم مصرية أو إلى كاف ، أو تتحول الجيم إلى ياء أو جيم مصرية
و الغاء إلى ياء ، أو تتحول السين إلى زاء و الطه إلى تاء و الظه إلى ضاد و
الثاء إلى سين و الذال إلى دال ؛ ثم خلطة من الملابس لا مثيل لها حتى في
مهرجانات التنكر و (الهلوين ).
تلك كانت بعض منغصاتهما فكانا ما أن يجتمعا حتى يتشاكيا .
*****
قالت له ذات يوم غاضبة :
- زياد ، زارتني اليوم مجموعة من
سيدات الحي و من بينهن جارتي أم حسام ، التي أهانتني في عقر داري ، بلا مبرر ،
قالت مازحة و لكن بوقاحة و يبدو عن قناعة ، أننا ننحدر من مجتمع مادي ثم
عززت رأيها - و هي تضحك – بمثل يبدو أنه دارج في موطنها : " سلّم على الشامي
ثم عد أصابعك "
استطعت أن أضبط أعصابي بصعوبة
حتى انصرفت و انصرفن ، إلا أنني بقيت أرتعش بعدها ساعة أو تزيد .
- أبو حسام – زوجها – زميلي ، إنسان مغرور ، كثير الحديث عن
نفسه و متوهم أنه متميز عن باقي موظفي القسم ، إلا أنه و الحق يقال لم يكن في
يوم وقحا أو صداميا .
- متى كنا ماديين أو لصوصا يا
زياد؟ هل نحن حقا نعبد القرش يا زياد ؟!
- ربما بعضنا مادي ، فلدينا حي مثلا
مشهور بالكرم و لكنه مشهور بالربا أيضا ، و لدينا حي آخر مشهور بالمادية و
بالبخل ، و لدينا مدن مشهورة بالسذاجة و تؤلف حولها النكات و مدن اشتهر أهلها
باللؤم ، و لكن كل ذلك خطأ ؛ إنه خطأ التعميم ، و هو خطأ تاريخي أيضا فقد
اشتهر الطائيون بالكرم و الخراسانيون بالبخل و التغلبيون باللؤم و الجوابرة
بالخبث و المناذرة بالعنف و المرابطون بالجرأة و المجازفة ، و لكنها جميعا
آراء لا تقوم على أساس واقعي و لا يجوز تعميم صفة ما على مجتمع ما بكامله، إنه
افتراء و سبب أساسي للتشرذم الذي نعانيه و الذي أءباه و يأباه كل مخلص لهذه
الأمة ، فلو كان الطائيون كلهم كحاتم لانقرضت طيء منذ زمن سحيق .
أقترح عليك يا لمياء ، أن تعاتبي أم
حسام و أن تؤكدي لها أن مزاحها كان جارحا و أن تشرحي لها بهدوء كل تلك الحقائق
التي تحدثنا عنها الآن ، و أن تؤكدي لها أيضا إحترامك لكل الناس مهما اختلفت
مشاربهم و مهما كانت أصولهم .
- أنت دوما تفلسف الأمور ، و
تخلق للناس أعذارا .
- أنا لم أجئ هنا لأحارب بل لأسترزق .
- أم حسام أهانتني يا زياد و يجب
أن تخاطب زوجها طالما أنه زميلك .
- صدقيني أنها لا تقصد إهانة إنما
تحفظ مثلا سمعته و هي تردده كالببغاء في إشارة غريزية إلى أن المجتمع الذي
تنحدر منه أفضل من غيره ، نوع من غرور الإنتماء ، و الشعر الجاهلي مليء بمثل
هذه الأمور . أما زوجها فإنني لا أخاطبه عادة إلا ضمن ضروريات العمل .
- تتباهى على حساب كرامتي ؟
- التباهي يقوم بوظيفة سيكولوجية مهمة
هي ترقيع الشخصية المهترئة ؛ زوجها كذلك من طينتها ، دائم الحديث عن
نفسه ، عن عصاميته و عن تفوقه المزعوم طيلة مراحل دراسته ، و عن عائلته العريقة
، و زوجته التي لم تخرج يوما عن طاعته ، و عن تربية أولاده المثالية .
- سمعت أحد أبنائه يشتم أمه و
رأيت إبنه الآخر يلقي عليها حجرا.
هنا ضحك زياد كما لم يضحك من قبل و
ما لبثت لمياء أن شاركته الضحك .
ثم عقب و هو لا زال يضحك :
-أتتجسسين يا لمياء على جارتك ؟
فأجابته جادّة :
- بيننا و بينهم جدار ضعيف و بين
حديقتنا و حديقتهم سور أضعف ، ثم إن صراخهم و ضجتهم لا يحتاجان إلى تجسس ،
إنهم يفكرون صارخين كبارهم قبل صغارهم ، بالمناسبة فقد فتح هؤلاء العفاريت ثغرة
في السور .
- لقد فتح أبو حسام و بعض من بني
جلدته ثغرة أوسع في حصننا القومي ، إنها الثغرة القبلية يبعثونها من التاريخ
أو أنها لا زالت باقية غير منظورة رغم تطور التاريخ .
و ليت لتكتلهم هدف ، انا أفهم أنه في
دوائر الخدمات قد يكون للتكتل هدف هو في الغالب غير شريف ، أما في دائرة أبحاث
كدائرتنا فعلام التكتل و إلام يهدف ؟
إنني أعاني يا لمياء ، من أبو حسام و
أمثاله معاناة حقيقية ، فإذا نشطتُ عادوني و أحبطوني ، و إن اكتشفت خللا أو
لاحظت خطلا جابهوني بحرب ضروس و كأن الأمر شخصي ، و إن حاولت التقرب منهم
لإقناعهم بحسن نيتي تجاهلوني .
- مناخ مقرف !
- و مع ذلك سوف نتحداه و نتكيف معه .
هل تذكرين أيام عسلنا الثلاثة في
منتجع الحِمّة ؟
أجابته و هي تبتسم برقة :
- طعم العسل لا زال تحت لساني .
- لحظة وصولنا هناك سددت أنفك تقززا
من رائحة الكبريت التي شبهتها برائحة البيض الفاسد ، و لكن بعد أقل من خمس
دقائق لم تعودي تتذمرين ، أتذكرين ؟
- فهمت قصدك يا زياد .
- حتى مع أسوأ الظروف يمكن للمرء أن
يتكيف .
- لم يكن هذا رأيك عندما وصلنا
هنا ، ألم تفكر جديا بالعودة ، و أنا من عارضك ؟
- و هل غيرتِ رأيك بعد غمزة أم حسام
؟
- إنه وضع صعب يا زياد ، هذا
النوع من الزيارات الفارغة لم أعتد عليه ، هذه الفوضى فوق طاقتي ، هذه تجر
أطفالها معها فتقضي و قتها تنهر هذا و تضرب ذاك دون أن تكلف نفسها التحرك من
مقعدها ، و تلك تتحدث عن ساعاتها الطويلة التي تقضيها في إملاء زجاجت الماء و
رصها في الثلاجة و التي سرعانما تفرغ من جديد في أفواه قبيلتها المكونة من
ثمانية أطفال بين بنين و بنات ؛ و ثالثة تنبري للدفاع عن وصفة شعبية لشفاء سكري
الأطفال الذي يعاني منه إبن جارتها ، و رابعة تسترسل في البوح عن مشاكلها مع
زوجها و تهديده لها باستمرار بالطلاق ، و خامسة تلمح إلى شكوكها بأخلاق إحدى
معارفها ، و سادسة تنقب عن الحظوظ و تكشف المستقبل من خلال ثمالات فناجين
القهوة العالقة على بطاناتها ، و سا بعة و ثامنة ، إنها إجتماعات مقرفة أفضل
ألف مرة أن أطالع كتابا على أن أحضرها ، و لكنهن يحرجنني بزياراتهن المفاجئة و
بعتابهن المستمر حول تقصيري برد زيارتهن .
- مجتمع الأميات أو الناكصات إلى
الأمية في بلدنا لا يقل تفاهة عما تحدثت ، و لكن نشوءك في بيئة ثقافية جعلك
بعيدة عن هذا النوع من التخلف .
- كأنك عايشت مثل هذا من قبل .
- أبدا و لكنني أقرأ كثيرا ، و لا
تنسي أنني مولع بالعلوم الإنسانية مذ كنت في المرحلة التعليمية المتوسطة .
إصغي إلى حادثة جرت لي منذ مدة قريبة
:
قدمت دراسة متكاملة عن إحدى المشكلات
البارزة إلى مديري ، فوضعها في درج مكتبه ، و بعد أيام سألته عن رأيه فيها ،
فصارحني أنه لم يطالعها بعد ، مع العلم أنه عندما طلبها منه المسؤولون ، أعطوها
صفة الإستعجال ، ثم ألححت في طلبي ، فقد استنفذت الدراسة مني مجهودا كبيرا ،
و بدأت أشك أنه ربما سينسبها إلى غيري ، و لما سألته اليوم عنها صاح في وجهي
ناهرا : " دراستك كلها أخطاء إملائية يا أستاذ و خطك أسوأ من خط الأطباء "
إلا أنه لم يذكر شيئا عن المضمون أو
النتائج المستخلصة أو خطة علاج المشكلة ، و لما عدت أشكو ضياع جهدي لأحد
زملائي ، قدم لي النصيحة التالية التي إكتشفت أنها دستور البيرقراطية غير
المكتوب : " إعمل كثيرا تخطئ كثيرا ، إعمل قليلا تخطئ قليلا ، لا تعمل لن
تخطئ أبدا ! "
- هذه دعوة إلى الخمول !
- للخمول قاعدة أخرى قدمها لي ناصح
آخر : " تمسكن حتى تتمكن ثم الشطاره بالقطاره !"
- ألا تبلغ مثل هذه الأمور أسماع
المسؤولين ؟
- لهذا الأمر قاعدة أيضا حدثني عنها
خبير آخر : " إذا لمّعت القشور بضاعتك لا تبور " .
- هذه دعوة سافرة للغش
- هذا مايسمونه بالفساد الوظيفي .
يبذل بعض الموظفين حتى ماء الوجه
أحيانا لإرضاء رئيسهم، لأن مصيرهم و أسرهم بين يديه بقوة سلاح إسمه
التقرير
السري ، أما هو فإن كل همه إخفاء مشكلات دائرته و أخطاء موظفيها و
صراعاتهم ، ، للحفاظ على إسمه كمدير ناجح فهو يسعى على الدوام لأن تبقى القشرة
لامعة و لا يهم فساد المضمون .
- هذا المناخ لا يصلح لغير
المنافقين ، ثم تحدثني عن التكيف ؟ فلنكمل سنتنا يا رجل و لنعد إلى ديارنا فهي
أولى بجهودك !
-لم يكن هذا رأيك في البداية يا لمياء
، أتذكرين ؟
*****
و استطاع زياد مع الزمن أن يفرض
شخصيته ، و أن يكسب ثقة الجميع من حوله بحياد بين صراعاتهم و إمتياز بأدائه
المهني ، فحاز- بعد عناء - على رضا رئيسه بينما ظلت علاقته بأبي حسام على حالها
من الجفاء فما لبث أن تجاهله .
أما أم حسام و التي كانت تتزعم سيدات
الحي بحكم أنها أكبرهن سنا، فقد أخذت تتحرق غيظا كلما خطت لمياء خطوة جديدة
في نجاحاتها الإجتماعية ، و خاصة عندما بدأت بعضهن بزيارتها متجاوزات سلطان
جارتها أم حسام ، فقد كانت لمياء عطّاءة ، تساعد كل من يقصدها كخياطة متمكنةو
طباخة ماهرة ، فبدأت أم حسام تغزل حولها الأراجيف و تتجسس على حركاتها و
سكناتها مما دفعها للإصطدام بها مرارا.
و كانت أول زفرة إرتياح إنطلقت من صدر
أم حسام الموغر حقدا ، يوم أن قرر زياد و زوجته تغيير سكنهما ، فقد صدر قرار
حكومي مجحف دَمجَ العلاوة العائلية بعلاوة الإسكان تحت مسمى العلاوة
الإجتماعية و مصادرتها جميعا ممن ينتفع بسكن حكومي فآثرا مع آخرين استئجار
شقق سكنية في منطقة مجاورة أقل أجرة .
*****
ثم حدث ما لم يكن بالحسبان ففي مطلع
عام مشؤوم أحيل رئيس القسم على التقاعد و حل محله أبو حسام بحكم الأقدمية
الوظيفية ، فأدت إلى دورة جديدة من المنغصات ، فقد بادره الرجل بالإهمال حتى
أنه لم يعد يكلفه بأي مشروع ، و إن خاطبه فبتعال و تكبر ، و لكن عندما سحب منه
أكثر أعماله و صلاحياته ليحّملها لزميل آخر ، ثارت ثائرته ثم كتب إلى هيئة
التفتيش شاكيا ، و لما كان النظام البرقراطي يقضي ألا تصدر أية رسائل إلا عن
طريق الرئيس المباشر ، فقد أرسل هذا الوسطاء : و على طريقة بني يعرب تم تقبيل
اللحى و بسط صواني الكنافة النابلسية ، و سرعانما تحولت العلاقة بينهما أفضل
مما كانت في أي يوم مضى أو هكذا ظن .
*****
و ذات يوم إستأذن زياد ليصحب زوجته
إلى طبيب نسائي ، فهي حامل بعد تأخر زاد عن السنوات الثلاث ، فمنحه الإذن بلا
تردد و أمام هذا اللطف و الإنسانية و تحت تأثير فرحته بالحدث السعيد مقرونا
بارتياحه الكبير لتحسن علاقته برئيسه ، وجد نفسه يسأله بود كبير :
- ربما أعرِّج على سوق الخضار المركزي
فهل ترغب أن أحضر لك شيئا من هناك ؟ :
فأجابه الرئيس بود أكبر :
- هذا كرم منك أثمنه عاليا ، فقط
صندوق برتقال ، لو سمحت .
فابتسم زياد و هو يجيبه :
- تٌكرم يا أبو حسام ، و لكن ربما
أتأخر فلا أجدك في الدائرة .
- إذا شعرت أنك ستتأخر اصرف النظر
عن الموضوع.
فدبت النخوة بزياد ، فأجاله :
- و( لو) يا أبو حسام ، إذا تأخرت
فسوف أوصله إلى بيتك .
و ما أن أدار زياد ظهره حتى رفع أبو
حسام مسرة الهاتف ثم تبادل مع زوجته الحديث المبهج التالي:
- آلو .. أم حسام ، صاحبنا المغرور
صار خادما ينتظر إشارتي منذ اليوم ، و سأجعله يلعق حذائي قريبا !
- لعلك تقصد زياد زوج المغضوبة
لمياء ؟
- هو بعينه ، و سيحمل إليك صندوق
برتقال و يضعه بين قدميك .
- أنت متأكد ؟
- متأكد 100% و سيقول لك بعد اليوم"
شبيكِ لبيكِ عبدكِ بين يديكِ "
*****
عاد زياد و لمياء من رحلتهما إلى
العاصمة متأخرين ،و لكن السعادة كانت تغمرهما معا ، فقد تثبَّت الحمل ، و
الجنين و أمه في صحة جيدة .
أوصلها إلى المنزل ثم انطلق نحو دار
أبو حسام .
ما أن قرع الباب حتى خرجت أم حسام و
من ورائها كل أولادها فرحبت به و هنأته بحمل زوجته
سألها " أين أبو حسام ؟" فأجابته : "
في القهوة على الأرجح !"
و بينما كان يخرج صندوق البرتقال من
حقيبة السيارة ، دفعت أحد أبنائها ليستدعي إحدى جاراتها ثم دفعت الثاني ليستدعي
أخرى ، و إن هي إلا ثوان حتى تجمعت جارات الأمس بعضهن مذهولات و بعضهن يبتسمن
بخبث ، و لكنه بكل طيبة ألقى عليهن جميعا التحية و تقبل تهانيهن شاكرا ثم
انصرف .
*****
و بعد أقل من أسبوع افتعل أحد زملائه
شجارا معه ، فاحتكما لدى الرئيس
صاح الزميل في حُمّى النقاش :
-أنت مغرور يا زياد !
فرد عليه زياد غاضبا :
-و أنت منافق ، و الكل يعلم ذلك .
هنا تنحنح أبو حسام و نطق بهدوء و
روية و تركيز ، موجها كلامه لزياد :
- أنت آخر من يتكلم عن النفاق يا
أستاذ !
*****
هنا فقط ، أدرك زياد جسامة غلطته
فغرق في خزيه ، ثم انسحب من الجلسة مهزوما و شاعرا للمرة الأولى في حياته أنه
تورط بكل سذاجة مع النفاق .
--------------------------
*نزار
بهاء الدين الزين
سوري مغترب
عضو إتحاد كتاب الأنترنيت العرب
الموقع :
www.FreeArabi.com