البتراء
مدينة الغموض
الوردي
العرب الأنباط نحتوها في
الصخور
ترجمة: حسن حسن
تتميز
مدينة البتراء الأثرية في جنوب الأردن بأنها محاطة بالغموض من كل جانب، وهناك
الكثير من المعلومات المتعلقة بها غير المعروفة حتى الآن، و”بتراء” كلمة تعني
الصخرة، إذ إن معظم منازلها وقبورها منحوتة من الصخور.
وهناك
منطقة يطلق عليها وادي موسى تقع خارج البتراء وهي بلدة يتوقف فيها الناس
المتجهون في طريقهم الى آثار البتراء وقبورها المنحوتة في جبال جنوب الأردن قبل
مئات السنين.
وكان
ابراهيم عبدالحق الذي يعمل دليلا سياحيا يقود السياح من فندق موفينبك في وادي
موسى عبر سوق صغير يحوي الكثير من الأشياء التي تروق للسياح كتذكارات عن
المنطقة، وبعد السوق يوجد ممر يؤدي الى داخل “السيق”، وهي كلمة تعني ممراً
ضيقاً ومظلماً ترتفع فيه جدران من الحجارة الرملية.
وبعد
المرور من هذا الوادي تظهر أعمدة حجرية ضخمة، في منطقة تعرف بالكنز، ونصف هذه
الأعمدة مزخرف. ويقول إبراهيم: يطلق عليها اسم الكنز، ولكن لا يوجد هنا أية
كنوز. والسكان المحليون اعتادوا في الماضي إطلاق النار عليه لأنهم يعتقدون بأنه
يوجد ذهب أو كنز في ذلك الوعاء الحجري القريب من السقف. ولكن في الحقيقة لا
يوجد فيه أي شيء.
وهناك نقوش
على الجدران المجاورة للأعمدة، وهي دقيقة جدا وتحمل التأثير الهيليني الذي
انتشر عبر مواقع فسيحة في الجزيرة العربية، أثناء فتوحات الاسكندر المقدوني في
فترة 313 قبل الميلاد. وأشار ابراهيم الى صفوف من المربعات الصغيرة المتراصة
فوق بعضها بصورة عمودية، وقال إنها كانت تستخدم لنصب السقالة التي كان يستخدمها
الفنانون أثناء الزخرفة من الأعلى الى الأسفل. وأوضح أن “الأثر الأساسي في هذه
المنطقة هو قبر كبير يعود الى القرن الأول قبل الميلاد، يأخذ شكل ضريح”.
ويختلف
العلماء في ذلك، إذ يقول بعضهم إنه كان معبداً والاسم الكامل لذلك المبنى هو
خزنة فرعون أو كنز فرعون وهو مشتق من الاعتقاد القديم الذي مفاده أن أحد
الفراعنة العظام هو الذي بنى البتراء على هذا التصميم البديع واستخدم ذلك
الوعاء الحجري كصندوق لكنزه.
وبالطبع،
فإن رجال البدو الذين كانوا يطلقون النار على الصندوق كانوا مخطئين بالتأكيد.
ولكن الأجيال التي جاءت فيما بعد جمعت الأموال من خلال بيع بعض المنتجات
للسياح، والحصول على بعض المال منهم نظير ركوبهم الجمال والخيول والحمير التي
جهزها هناك أبناء المنطقة لشؤون السياحة.
ونظراً
لكثرة الزوار وانتشار الباعة في المنطقة، فإنها بدت مثل مدينة عادية، بالرغم من
أن ابراهيم أكد أن معظم المنطقة عبارة عن مقابر. وقال: “في المنطقة العليا كانت
تتم الطقوس الأغرب من نوعها في التاريخ البشري. ونحن غير متأكدين هل كانوا
يدفنون الموتى أو يقومون بحرقهم. ويعتقد معظم العلماء أنهم كانوا يقومون
بالعمليتين معاً”.
ومعظم ما
بقي من البتراء كمركز للبلد عبارة عن واجهات محفورة في الصخور التي كانت تحيط
بجدول مائي داخل وادي موسى، وقد اندثرت الآن. وبعض القبور كانت سطحية لدرجة
أنها انكشفت من الداخل.
وتعكس
أعمال النحت والزخرفة في جميع أنحاء البتراء التأثير الهيليني الذي انتقل مع
التجار العرب أثناء ذهابهم ورجوعهم الى اليونان عبر الجزيرة العربية. وكانت
القوافل محملة بالبخور، والصمغ وعدد من السلع الثمينة، وتمرّ بالقرب من
البتراء. وكان مؤسسو هذه المدينة الذين يعرفون بالأنباط قد جمعوا الكثير من
الأموال عن طريق تحصيل الضرائب من هذه القوافل.
وفي الفترة
ما بين القرنين الرابع والسادس قبل الميلاد، بدأ الأنباط، وهم أصلاً من العرب
البدو بالاستقرار فيما يعرف الآن في جنوب الأردن.. وبالرغم من أن الممالك
القوية الأخرى كانت تتوسع على حساب المنطقة، فإن الأنباط ظلوا يتمتعون
بالاستقلال، وتمكنوا من حماية عاصمتهم البتراء.
وكان يتعين
على الغزاة أن يصلوا الى العاصمة من خلال السيق الضيق والمحروس جيدا، أو
يسقطوا من الجبال العالية المحيطة بالمنطقة، ولذلك فإنهم وجدوا مناطق أخرى،
احتلالها أكثر سهولة من احتلال مناطق الأنباط.
وعلى
الأطراف قام الأنباط ببناء بلدة أخرى يطلق عليها الآن البتراء الصغرى، وهي مكان
أكثر انفتاحاً، ومحفورة في التلال المجاورة، وتتميز بطراز معماري رائع. وظل
الأنباط يحتفظون باستقلالهم طيلة العصر الهيليني الذي استمر من القرن الثامن
قبل الميلاد حتى موت الاسكندر عام 323 قبل الميلاد.
وكانت
البتراء الكبرى في قمة ازدهارها تتميز بمنازلها الفاخرة وحدائقها الجميلة
ومعابدها الضخمة التي تم بناؤها بطرق تقليدية، وتوزعت على أطراف البلدة التي تم
حفرها بالصخر، وازدهرت البتراء في عهد عدد من الملوك، ولكن ثروتها ونفوذها وصلا
الى أوجهما في عهد اربتاس الرابع الذي حكم في الفترة ما بين 8 قبل الميلاد و40
بعد الميلاد.
وبالإضافة
الى المباني المشيدة بطرق جميلة وبديعة فإن المهندسين الأنباط تمكنوا من إقامة
شبكة توزيع مياه في الصخور الرملية، حيث تم عمل قنوات وتشييد السدود وخزانات
المياه، لتزويد المدينة بالمياه ولري المزارع الموجودة على أطراف المدينة.
وتمكن
الامبراطور الروماني تراجان أخيرا من احتلال البتراء والقضاء على ملوكها عام
106 بعد الميلاد. وأصبحت البتراء التي تعرف بالمدينة الوردية، منذ ذلك العهد
جرءاً من الامبراطورية الرومانية، وفقدت مركزها كعاصمة لبصرى. ومنذ عام 290 بعد
الميلاد بدأ وضع البتراء بالانحدار التدريجي. وأدت الزلازل التي ضربت المنطقة
في القرنين الرابع والسادس الميلاديين الى تدمير معظم المنازل، وحطمت أجزاءً
كبيرة من القبور. وفي هذه الفترة تقريبا بدأت المسيحية بالانتشار. وبحلول القرن
الثاني عشر، عندما جاءت الحملات الصليبية وتم احتلال المنطقة حيث قام المحتلون
ببناء عدد من القلاع في المنطقة، اختفت البتراء نظريا من ذاكرة الغرباء
البعيدين عن المنطقة.
وخلال رحلة
طويلة حول الشرق الأوسط وإفريقيا تمكن المستكشف السويسري جوهان لودفيج بيركهارت
من العثور على البتراء استنادا الى معلومات متفرقة. وكان سكان المنطقة لا يثقون
بالأجانب الذين جاؤوا بحثاً عن الكنوز القديمة، وفي عام 1812 وصل بيركهارت الى
قلب البتراء عن طريق إقناع السكان المحليين أنه يحج الى قبر هارون، ولم تعرف
أخبار اكتشاف بيركهارت إلا بعد نشر كتابه “أسفار في سوريا والأرض المقدسة”.
وبدأت الدراسات العلمية للمنطقة بعد عام ،1865 كما أن التنقيب المنظم بدأ عام
1929.
أما زوار
هذه الأيام فإنهم يذهلون من رؤية بقايا هذه المدينة العظيمة التي تدل على قوة
من سكنوها ومهارتهم، وأعرب الكثير من زوار البتراء عن إعجابهم بالتصميم الهندسي
لتوزع المباني، كما شعر كثيرون بالرهبة من تصميم القبور المنتشرة في المكان،
والتي كان بعضها يبدو كأنه للعائلة الملكية التي حكمت البلاد أيام مجدها.