الحياة تعود
إلى نهر بردى .دمشق/ سوريا
معدلات عالية لغزارة مياهه
عن :“الخليج”
للعام الثاني على التوالي يعود نهر بردى الشهير ليعانق المدينة التي عشقها
لسنوات طويلة وذلك بعد أكثر من عقدين من الزمن تراجعت خلالهما غزارته بشكل واضح
لدرجة الجفاف فصار مصدر إزعاج للناس من خلال مياه الصرف الصحي والأوساخ التي
تلقى في مجراه و كاد يحتضر ويموت تدريجيا لولا رحمة السماء.
إن القلق الذي ظهر عن عطش مدينة دمشق والبحث عن مصدر بديل للمياه من الساحل
السوري أو من الفرات قد يتراجع الآن والأراضي العطشى لغوطة دمشق الغناء لابد أن
يعود إليها مجدها الغابر بأشجارها الوارفة وعصافيرها الجميلة.
ويبدو أن النداءات التي أطلقها أنصار البيئة بإيقاف التعديات على حرم النهر
وفروعه السبعة لاسيما من المعامل والمنشآت والمقاهي التي ترمي مخلفاتها عليه
لتسبب له الشيخوخة، قد وجدت آذانا صاغية هذه المرة.
واللافت في الأمر الأخبار المفرحة التي أعلنتها مديرية حوض مياه بردى والأعوج (حيث
تقسم سوريا الى سبعة أحواض) أن تصاريف المياه في نهر بردى وصلت الى أعلى غزارة
لها هذا العام حيث بلغت 24 م3 /ثا في مركز قياس الهامة بتاريخ 9/3/2004 إضافة
الى تفجر الينابيع على طرفي النهر وكذلك الحال للنهر الثاني في حوض دمشق وهو
نهر الأعوج بريف دمشق الذي بلغت غزارته 12 م3/ثا.
والأهم من ذلك أيضا هو وصول مياه النهرين ولأول مرة الى بحيرتي العتيبة
والهيجانة بعد أن جفتا منذ فترة طويلة من الزمن وهذا سينعكس إيجابيا على مياه
الحوض الجوفية و يبشر بموسم ري مستقر هذا العام في غوطة دمشق.
ويتوقع أن تقفز غزارة النهرين الى أعلى حد ممكن في شهر نيسان القادم وقد تتعدى
أرقام العام الماضي وهي 30 م3 /ثا لنهر بردى و15 م3 /ثا لنهر الأعوج.. ولهذا
تتابع مديرية الحوض تعزيل مجاري الأنهار وبناء عدد من العبارات لتسهيل تصريف
المياه ومنعا لفيضانها وهدرها في بعض فروع بردى مما يلحق الأذى بالأراضي
الزراعية والمناطق السكنية.
يذكر أن غزارة بردى اقتربت ولأول مرة منذ عشرين عاما من معدلها الطبيعي وهو 25
م3 /ثا وذلك في موسم الشتاء بينما تتراجع هذه الغزارة وتكاد تلفظ أنفاسها في
أواخر الصيف، ويقدر متوسط ما يدخل سهل دمشق عند الربوة
من مياه بردى سنويا بنحو 385 مليون م3
يعد نهر بردى النهر الرئيس الذي يخترق مدينة دمشق ويسقي بالمياه غوطتها الشهيرة،
وهو يشكل نظاماً بيئياً متكاملاً وبفضله تشكل دمشق وريفها واحة خضراء ضمن بادية
الشام شبه القاحلة.
يبلغ طول النهر نحو71 كم ويتراوح تصريفه السنوي مابين 300 و400 كم2 وغزارته
الوسطى في منطقة الهامة 13 م3/ثا وهي تصل الى حوالي 65 م3/ثا في فصلي الشتاء
والربيع عندما تزداد مياهه بينما قد تصل في فصل الشح (الصيف) الى ما بين 3 و
4م3/ثا.
ينبع النهر من نبع دائم في الزبداني يحمل الاسم الذي جاء منه اسمه وهو نبع بردى،
وفي جريانه لايلقى أية روافد ذات أهمية تذكر إلا فيما عدا بعض الينابيع لاسيما
نبع عين الفيجة الذي يرفده بمياه غزيرة ويشتهر بعذوبة مياهه وتشرب منه دمشق.
وبعد أن تتجمع مياهه يسير النهر في وادٍ يحمل اسمه أيضا (وادي بردى) ويكون
مجراه ضيقا بصورة عامة إذ يخترق المرتفعات الجبلية الواقعة غرب مدينة دمشق،
ويمر أثناء جريانه بعدد من القرى والمدن مثل الزبداني وبسيمة وأشرفية الوادي
وجديدة الوادي والهامة وقدسيا ودمر وبعدها يجتاز النهر واديا ذا سفوح شديدة
الانحدار هو خانق الربوة ليدخل مدينة دمشق متفرعا الى عدة فروع.. ولفروع بردى
قصصها وتاريخها ودورها في ازدهار الحياة في المنطقة التي يقع فيها، وتبدأ
التفرعات من الهامة التي تبعد 6كم عن مدينة دمشق، فنهر بردى يمر بين مدينتي
الهامة وقدسيا ويفصلهما عن بعضهما، وتأخذ فروعه بعد ذلك أقواسا متباعدة عن
بعضها بشكل مروحة وهي ليست تفرعات طبيعية إنما هي أقنية اصطناعية حفرت في مراحل
تاريخية مختلفة حفرت من تطور مدينة دمشق سكانيا وعمرانيا تبعا للظروف
الاقتصادية والمعيشية التي سادت آنذاك. ويمكن أن نفهم ذلك إذا عرفنا أن مياه
الشرب كانت تؤخذ من النهر مباشرة فقد كانت عذبة ونقية وصالحة للشرب قبل مدة لا
تزيد على مائة سنة.
أما حفر الأقنية لجر مياه النهر فبدأت في مراحل تاريخية موغلة القدم فبعض
الأقنية تعود الى ما قبل التاريخ وإذا قدر أن قناة تورا التي هي أحد فروع النهر
الرئيسية قد بنيت في زمن الآراميين فإن هذا يعني أنها بنيت قبل ما يزيد على
عشرة آلاف سنة قبل الميلاد بينما الفروع الأخرى حفرت في العهد الروماني الذي
بدأ سنة 64 قبل الميلاد وانتهى سنة 630 ميلادية، وتم بناء قناة يزيد في فترة
الخلافة الأموية.
وتأسيسا على ذلك فإن هذه الأقنية تعتبر شواهد تاريخية على الجهود الكبيرة التي
بذلت فيما مضى، وقد حفرت بوسائل بسيطة المعروفة والمتاحة آنذاك، وربما شارك في
العمل آلاف الناس، فهذه الأقنية تمثل تراثا حضاريا وتدل على مقدرة الإنسان
العربي الذي سكن المنطقة في تلك الفترات وأقام المنظومة المائية التي خدمتهم
وخدمت الأجيال التالية بعدهم التي تعاقبت على دمشق وغوطتها ولذلك لابد من
الحفاظ على تراث هذا النهر وخصوصيته ليتناسب مع المتغيرات الجديدة.
فروعه السبعة
ولمعرفة الدور الذي لعبه بردى في حياة الدمشقيين لابد من التعرف أكثر إلى فروعه
الستة الرئيسية إضافة الى مجراه الأساسي الذي يعد الفرع السابع إضافة الى فروعه
الثانوية وهي كما يلي:
1 - قناة يزيد: تتفرع عن الضفة اليسرى للنهر في شمال مدينة الهامة وتستغل
مياهها في ري الأراضي وتمر من المهاجرين والأكراد ثم تتجه الى القابون وحرستا
ودوما.
2 - قناة تورا: تتفرع عن الضفة اليسرى من النهر وتروي أراضي جوبر وزملكا وعربين
وتمر قبل ذلك بعدة أحياء من مدينة دمشق هي المهاجرين وسوق ساروجة والقصاع.
3 - قناة المزاوي: تتفرع عن الضفة اليمنى للنهر بين قدسيا ودمر وتروي أراضي
بلدتي المزة وكفرسوسة اللتين صارتا جزءاً من أحياء دمشق.
4 - قناة الديراني: تتفرع عن الضفة اليمنى في دمر وتروي أجزاء من أراضي المزة
وكفرسوسة وداريا.
5 - قناة القنوات: وتتفرع عن الضفة اليمنى من نهر بردى في موقع الربوة وتتجه
نحو حي القنوات ومنها الى أحياء الشاغور والقدم.
6 - قناة بانياس: وتتفرع عن الضفة اليمنى لنهر بردى وتنتهي في الشاغور بعد أن
تمر بجامعة دمشق.
7 - نهر بردى الأصلي: الذي يكمل جريانه بعد أن تتفرع منه الأقنية السابقة
ويخترق دمشق القديمة شمال القلعة وتتفرع عنه قناتان هما: أ - قناة العقرباني:
وتتفرع عن الضفة اليمنى للنهر في ساحة المرجة وتتجه الى جرمانا وبيت سحم.
ب - قناة الدعياني: تتفرع عن الضفة اليسرى لنهر بردى عند باب توما وتتجه الى
سقبا وحمورية وجسرين.
دوره التاريخي
إن المهام التي قام بها بردى وفروعه الرئيسية عديدة وأهمها تأمين مياه الشرب
ومياه الاستعمالات المنزلية حيث ظلت لفترة طويلة من الزمن مياهه نقية وعذبة
وخالية من الملوثات. كما لعبت أقنية بردى دور شبكة ري للأراضي الزراعية التي
أنتجت الغذاء لسكان مدينة دمشق وضواحيها.
وكذلك فإن المياه النقية حملت الرطوبة والإحساس بالانتعاش بالمناخ الرطب لزوار
ضفاف بردى من المتنزهين والمصطافين، وساعد ذلك في تحسين الوضع البيئي في
المنطقة.
وكذلك فإن بعض الفروع استغلت كأقنية للصرف الصحي ضمن حدود الاستعمالات البسيطة،
إلا أن هذا الحال تفاقم سلبا نتيجة سوء استغلال المياه مع تزايد السكان وتنامي
احتياجاتهم منها وظهرت مشاكل بيئية مرتبطة بتلوث مياه النهر وعدم قدرته على
هضمها بعد تراجع منسوب المياه فيه، وبتلويث مياهه لم يعد صالحا للشرب منذ تلك
الفترة.
وعندما تعددت الملوثات وأصبحت عضوية وكيميائية نتيجة طرح فضلات المصانع
والمقاهي والمطاعم المتوضعة في الربوة وغيرها، لم تعد مياه النهر صالحة حتى لري
المزروعات في مثل هذه الظروف.. وفي نهاية الأمر اكتسب النهر خصائص جديدة من حيث
اللون والرائحة ولم تعد مياهه تجذب السياح والمتنزهين على ضفافه وصارت تهب منها
الروائح الكريهة في فترات الجفاف واصبح وضع النهر أشبه بقناة صرف صحي مكشوف
يهدد الجوار بانتشار الأمراض مما عقد المشكلة وبرزت ضرورة بذل الجهود لحلها
بشكل سريع.
مصير مجهول
بدأت مسألة مياه الشرب والاستعمالات المنزلية تأخذ الأولوية بحثا عن مصدر بديل
لذلك، وكانت الحل في عام 1932م بإنجاز مشروع جر مياه عين الفيجة من النبع
مباشرة إلى دمشق عبر شبكة توزيع الى كل منزل وشقة وكذلك فقد أنجز حفر آبار
لإرواء الحدائق في دمشق حفاظا على المياه النقية الصالحة للشرب وكان لذلك
إيجابياته أيضا على مياه النهر.
كما إن زحف الكتل الأسمنتية على الأراضي الزراعية نتيجة التوسع السريع العشوائي
لضواحي المدينة قلل من استخدامات المياه التي كانت تصرف على الري، هذا الى جانب
إقامة شبكة واسعة من الصرف الصحي مما منع تسرب الفضلات والملوثات الى مياه
النهر.
وبعد سنوات الجفاف المتواصلة ظهرت آراء متعددة حول مستقبل الأقنية الفرعية
للنهر والبعض تساءل: لماذا لا يجري ردمها أو تحويل مياهها الى النهر الأصلي
لزيادة مياهه؟
غير أن ردود الفعل لم تكن مشجعة لأن أيام الخير قد تعود وتسترجع فروع بردى
دورها في ري الأراضي الزراعية أو بأسوأ الأحوال فإنها تحول دون فيضانه في فترات
تزود النهر بكميات كبيرة من المياه في فصل الشتاء أو بعد ذوبان الثلج وتفجر
الينابيع، إضافة الى أن قسما من الفروع صار يمر عبر أنابيب بينما الأقسام
المكشوفة فيمكن حمايتها من التلوث بهدف إعطاء قيمة جمالية للمنطقة التي تمر
منها.
وعموما فإن ما أنجز حاليا من جهود للعناية بنهر بردى بدأت تظهر إيجابياته
للسكان لاسيما مشروع تهذيب بردى وعزل مياه الصرف عنه في دمشق القديمة.. ولوحظ
خلال العامين الماضيين تزايد غزارة النهر واستعادته نقاوة مياهه لاسيما في
منطقتي الربوة ودمر وذلك كله بعد أن شهدت سوريا ولموسمين متواصلين الأمطار
الغزيرة والثلوج. وإذا استمرت هذه الظروف الجيدة في السنوات القادمة فإن احتمال
أن يتعافى نهر بردى يصبح أمرا محتملا وغير مستغرب