www.FreeArabi.com

ختارات قصصية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 

   المتفرجون

قصة بقلم : د. محمد عبد الحليم غنيم

عن موقع بيتنا

         توشحت بالسواد من أخمص قدميها حتى شعر رأسها ،أخفت كل معالم الجمال في جسدها ،استغنت عن الأصباغ والألوان والكريمات ،محلية كانت أم مستوردة ،ولم تجد في ذلك عناء كبيراً، فكادت أن تنجح في خطتها ، إلا أنها لم تستطع أن تخفى أنها امرأة .

في الصباح توجهت إلي المنصة المنصوبة وسط الميدان الكبير الذي يتوسط البلدة ، كانت المنصة متوسطة الارتفاع فاستطاعت أن ترتقيها في سهولة . وقفت في البدء ساكنة، ولما وجدت أن أحدا لا يلتفت إليها ، أخذت تصيح تاركة يديها طليقة في الهواء ، من المؤكد أن أحداً لم يسمعها ، لأن صياحها كان قويا جداً ، لدرجة أنه كان يصيب كل من اقترب منه بالصمم ، ومن المؤكد أيضاً أنها كانت تقول شيئاً ، كان فمها مفتوحاً على أقصى اتساعه ، ومع مرور الوقت سكنت يديها اليمنى من الإجهاد بينما اليسرى ممدودة في اتجاه المارة ، فظنوا أنها تطلب صدقة لقد صار منظرها في السوداء مثيرا للشفقة والخوف معاً .. تقاطر حولها المارة بين مشفق وخائف, كل يرميها بما جادت به نفسه من أوراق مالية, التي كانت في أغلبها كبيرة عريضة .

أضحت الشمس في كبد السماء والمارة في الميدان يتزايدون والأوراق المالية تتكدس حول المرأة وفوقها ، مع مرور الوقت كادت المرأة أن تختفي ، بل اختفت بالفعل ، اختفت حاملة معها ما استطاعت حمله من الأموال, وفى دقائق انتشر خبر المرأة الغريبة في البلدة كالأثير ، فتزاحم الناس حول المنصة وازداد الجمع الواقف حوله أضعافاً

مضاعفة ، أثناء ذلك كانت المرأة ترقد خلف المنصة تراقب هذا الجمع الكبير ، ألقت نظرة خاطفة دون أن يلحظها أحد لتتأكد من وجود الجمهور ، ثم بدأت تخلع وشاحها الأسود وكل ما يخفى معالم جسدها ، كانت ترتدى قميصاً رقيقاً يبرز مفاتنها أكثر ما يخفيها تاركة شعرها الأسود اللامع ينسدل على كتفيها العاريين كأنها خارجة لتوها من حمام ساخن ، أما عيناها فكان يشع منهما بريق حاد ، بريق الشهوة العارمة لابتلاع كل الرغبات المجنونة – كانت همهمة الجماهير ومناقشاتهم قد بدأت تتحول إلى ضجيج وصياح – أكملت المرأة زينتها ، اعتلت المنصة من جديد في رشاقة غزال برئ وأسرعت ترقص بمصاحبة ضجيج الجماهير وهتافهم الذي أخذ يعلو ويعلو كلما استمرت المرأة في الرقص .

كادت المرأة أن تسقط من الإعياء بينما هتاف الجماهير يتحول إلى جنون ، اختفت المرأة من جديد من فوق المنصة دون أن يشعر بها معظم الجماهير .

قلة صغيرة فقط لم يسكرها رقص المرأة أو فتنتها ، استطاعت أن ترى المرأة وهى تختفي ، فاعتلت المنصة وحاولت أن تفهم الجماهير كيف اختفت المرأة ؟ وأين ترقد ؟ إلا أن الجماهير استنكرت ذلك بل استنكرت مجرد وجودهم فوق المنصة ، فأخذت تصيح : -

- نريد المرأة ... نريد المرأة !

لم تيأس هذه القلة الصغيرة ، وحاولت وحاولت ، لكنها في النهاية فشلت فتحول منطقهم إلى صياح ، ثم تحول صياحهم إلى رقص عنيف ازداد عنفً مع ارتفاع هتاف الجماهير .