عاقبت
إبني فسلبوني ولايته
بقلم : نزار الزين
أخبرتني
إحدى السيدات العربيات هنا في شرقي لوس أنجلس ، أنها تعرضت لموقف قلب حياتها و
هز كيان أسرتها و خلط الأوراق في دماغها ، قالت دامعة : لدي يا سيدي من الأولاد
خمسة بين بنين و بنات و كلهم جيدون و طبيعيون خلا أحدهم و هو الثاني بينهم
ترتيبا ، فهو مشاكس و معاند و كثير الصياح و البكاء لأتفه الأسباب مما يضطرني
إلى لجمه و عقابه من حين لآخر .
و ذات مرة
فوجئت بشرطية أو أخصائية إجتماعية في مكتب الشرطة تهاتفني و تسدعيني إلى
مكتبها ، حيث حققت معي بتهمة تعذيب إبني (!) و ما لبثت أن كتبت تقريرا متشددا
حولتني بموجبه إلى المحكمة ، و كانت المفاجأة الكبرى حين حكمت المحكمة بسحب
ولايتي لإبني لمدة شهر ، و من ثم حملوه إلى إحدى المؤسسات الإجتماعية حيث لم
تفلح توسلاتي و دموعي أو مدافعات زوجي أو صياح إبني في إيقاف هذا التعسف الذي
لم أسمع به من قبل !
أما القصة فقد بدأت حين إكتشفت المعلمة آثار صفعة على خده ،
فرفعت الأمر إلى الشرطة و كان أحرى بها أن تستدعيني و تعاونني على تعديل سلوكه
الطائش أو تفهم مني – على الأقل – سبب معاقبته على الأقل ؛ و إن كنت غير مقتنعة
أساسا بمداخلات الغير في تربية إبني .
و لأن
العقاب من ضروريات تربية الأطفال فإني لا أعتبر نفسي مذنبة ، و لقد تعرضت في
طفولتي للعقاب من قبل والديّ و من قبل معلماتي منذ أيام مرحلة الروضة ، كما
تعرض والداي و الآخرون للعقاب أيضا ؛ و لم يعترض أحد على ذلك و يقول المثل
الشعبي " إضحك لمن يبكيك و إبك لمن يضاحكك " .
و
الآن و بعد أن عاد إليّ ولدي ، أجد في نفسي ضعفا و حيرة ، فكيف أواجه تصرفاته
بعد أن وقعت تعهدا بعدم إستخدام الضرب ، بل و كيف لي أن أواجه نظراته التي
أشتم منها رائحة التحدي ؟
لقد
وضعوا شخصيتي كأم في موقف حرج أمام أطفالي الآخرين ، و أشعر بارتباك شديد في
إدارة مملكتي الصغيرة . فهل لديك لهذه المعضلة حلا ؟
***************
إنها لمعضلة حقا
، أنت المسؤولة عنها بقدر ما هي مسؤولية مجتمعاتنا الشرقية و قيمها الخاطئة
المتوارثة . و أنا أعتقد أن الولاية لم تسحب منك جزافا أو بدون سابق إنذار ، و
لا بد أم معاقبتك لإبنك بمثل هذه القسوة قد تكررت و لا بد أن المعلمة أو
الجهات المسؤولة قد نبهوك من قبل .
إننا في
الحقيقة نعاني من مجموعة من القيم المتوارثة الخاطئة ، مثل
: ( العصا من الجنة )
( إضحك لمن يبكيك )
( خذ اللحم – يا أستاذ- و اترك لنا
العظم ) و غيرها كثير ، و كلها تعطي الضوء
الأخضر للمربي في أن يستخدم يده أو عصاه كوسيلة ردع لها مفعولها السحري في حسم
مشاكل الصغار و ( الكبار أيضا ) إلا أنها في واقع الأمر تخلق أعمق الآثار
السلبية .
و هي نفس
القيم التي تسمح لبعض المتزمتين أن يسوقوا الآخرين إلى العبادة بالعصا ،أو
لرجال السلطة أن ينتزعوا الإعترافات في أقبية المخابرات بوسائل التعذيب و
الإهانة ، و هي نفس القيم التي تسمح أيضا بقيام دكتتوريات العالم النامي .
و
أنا أؤكد لك- يا سيدتي-
أن الضرب عدوان
حتى لو كان من أقرب المقربين أي حتى من قبل الوالدين و هما أشد الناس دأبا على
أطفالهم و رعاية و حنانا ، و إذا فاجأتك كلماتي هذه فأنا أرجوك أن تصغي إليّ
حتى النهاية .
الضرب
في معناه الفيزيائي هو تعريض الشخص المضروب للألم و قد ينتهي بالأذى و أحيانا
بعاهة مستديمة ؛ و إذا تعرض إنسان للأذى طفلا كان أم راشدا ، فإن جميع آلياته
الدفاعية توضع في حالة تأهب قصوى ، و لكي أغنيك عن تفصيلات لا مجال لها في
زاوية صحافية ، أقول باختصار شديد ، أن بعض الغدد تفرز في الحال كميات إضافية
من السكر، ثم توجه الدم حاملا الأكسيجين و السكر إلى العضلات لتحضيرها
للمقاومة ، كما تقوم بتنبيه مراكز الحس و الحركة في الدماغ ليصبح الجسم كله
في وضعية التحفز و الإستنفار .
و لكن
لمّا كان موقع العقاب هو أعز الناس أو أكثر الناس سلطة ، إضافة إلى أنه الأكبر
أو الأقوى ، فإن الطفل المعاقب يعجز عن ردود الفعل الإيجابية فينكفئ باكيا.
و لما كانت
ردود الفعل الإنسانية قابلة للتحويل و الإرجاء أو للتضخيم أو التحجيم ، فقد
يتحول الطفل تحت تأثير العقاب البدني المتكرر إلى طفل
خواف إنطوائي
أو طفل متمرد
عدواني و قد يتطاول ذات
يوم حتى على والديه أو أحدهما ، و قد تتحول ردود فعله المباشرة أو المرجأة إلى
التخريب
، و الأهم من ذلك كله أن الإفرازات الغددية كالأدرينالين التي تقوم بخدمة
دفاعاته فإنها في الوقت نفسه
تعطل عملياته العقلية العليا
، و هذا يعني أن تكرار العقاب البدني سيوازيه تكرار في الفشل التعليمي .
نعم يا سيدتي ، إنها
أخاديد خطيرة الآثار و الأبعاد تحفرينها بيديك عن غير قصد ، في صميم بناء
شخصية إبنك فتشوهها و تضعف صحته النفسية و تسممها . و غالبا ما تزاح هذه الآثار
السلبية إلى منطقة اللآوعي مما يجعل المربين جاهلين بأمرها –آنيا - و مستمرين
بنهجهم الخاطئ .
و لكن ماهي البدائل ؟
أهم البدائل ، إقامة نظام متوازن للجزاء بين ثواب و عقاب ؛
فالإثابة جزء بالغ الأهمية من عملية التربية يغفل عنه الكثيرون ، ذلك أن على
المربي أن يفكر بتشجيع الطفل و تعزيز إيجابياته بوسائل معنوية حينا و مادية
حينا آخر ، قبل تفكيره بأساليب العقاب ، إن وسائل العقاب يجب أن تنبثق من وسائل
التشجيع و ليس العكس .و من أمثلة ذلك :
* لقد أصبحت كبيرا ، تصرفك هذا تصرف كبار
* أنت تنضج بسرعة يا بني
*هذا عظيم أنت بنت ذكية حقا
* تصرف رائع سيجعل والدك في قمة السعادة عندما سأحدثه عنه في
المساء
* سلوكك هذا يستحق مكافأة فإليك بطاقتي شرف ضمهما إلى مجموعتك
* كم بطاقة شرف أصبحت تملكين يا بنيتي ، حسنا عديها و لاحظي أن
جرتك تكاد تمتلئ ، و هذا دليل آخر على نضوجك السريع
* أصبحت لديك عشر بطاقات ؟ تذكر أنها عندما تصبح خمس عشرة
بطاقة سيكون بوسعي إصطحابك
إلى
مدينة الألعاب
* الله إن هذا الإنجاز الرائع يستحق مكافأة فورية
* سأصحبك – حالا – إلى مطعم الوجبات السريع حيث ستأكل الشطيرة
التي تحب و تسبح في بركة الكرات الملونة
* أنت تستحقين يا بنيتي هدية فورية ، هيا إستعدي للذهاب إلى
متجر الألعاب
و
هكذا تتراوح المكافأة بين
معنوية و مادية ، بين كلمة لطيفة وعبارة مزخرفة و بين بطاقة شرف أو هدية بسيطة
تدخل السرور إلى قلب طفلك أو طفلتك و تمنحه الدافع لتعزيز إيجابياته .
و
طالما أن الطفل يمنح ما
يستحقه من مكافآت على ما يقدمه من إيجابيات ، فإنه سوف يتقبل حرمانه منها أو
من بعضها عندما يعاند أو يخطئ أو يرفض تنفيذ توجيه ما .
و
صدقيني يا سيدة نوال أن
هذا الحرمان سيكون أشق على الطفل من صفعة أو ركلة ، لأن هذا الحرمان سيدفعه
إلى التفكير و المقارنة بين نتائج الإثابة و آثار العقاب ، في حين يدفعه
العقاب البدني إلى ردود الفعل السلبية و تعطيل التفكير السليم .
إن عبارات مثل :
* إغرب عن وجهي
* لا تكلمني لمدة ساعة
* إذهبي إلى غرفتك و لا تتحركي منها قبل أن أحضر إليك و أناقشك
حول ما فعلت
* لقد كررت تصرفك الخاطئ هذا ، و لذا سأمنعك من حضور عيد ميلاد
صديقك
* لقد أخطأت ، سأسحبك منك بطاقة شرف
* إذا لم تعتذري من أخيك حالا فلن نذهب إلى السينما اليوم
* أنت محروم من تناول فطيرة التفاح طيلة هذا اليوم
أختي الكريمة
، التربية عملية شاقة ، و تحتاج إلى صبر و سعة صدر و لا تنفع فيها عصبية المزاج
، فلم لا تبادرين في الحال إلى تغيير أسلوبك التربوي ؟ لم لا تعدين إلى
المائة قبل أن تقرري نوع العقاب الذي ستوقعينه على أولادك ؟