المنوعات

الأبواب الرئيسية
 

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 


 

أسواق دمشق شاهد من التاريخ
عن السوق العربية المشتركة


 سليمان حسين/دمشق

تعتبر الاسواق في كل المدن مركزاً مهماً للنشاط الاقتصادي ومكاناً للاحتكاك الاجتماعي والتبادل السلعي، لذلك تأتي هذه الاسواق في مقدمة البنية الاقتصادية للدولة، وقد تكاثرت الاسواق في دمشق ووجدت في كل العصور التي مرت عليها باعتبارها ملتقى مهماً للقوافل التجارية المتجهة نحو الشرق والغرب، إلا أن بعض هذه الاسواق قد أقيم في العهد العثماني وبعده لتلبية الحاجات الاقتصادية والاجتماعية للمدينة. و أحدث هذه الأسواق كان خارج الاسوار وتتوضع قريباً من التجمعات السكانية، اما ما اقيم داخل الاسوار فكان على أنقاض الاسواق القديمة. وأهم الاسواق التي اقيمت خارج اسوار دمشق من جهة الغرب سوق السنانية الذي ينسب الى الوالي العثماني سنان باشا، ثم سوق الدرويشية نسبة الى الوالي درويش باشا.
أما سوق الوزير نسبة الى الوزير محمد باشا العظم، فيعرف بالسوق الجديد وقد اقيم على انقاض اسواق ومبان قديمة الى الشرق من باب السعادة داخل الاسوار سنة 1192 ه. أما في عام 1163 ه فقد تهدم سوق “الطنوتية” الذي كان مبنياً بالخشب والحجارة المنحوتة الملونة، ويقع في حي العمارة، فقام اسعد باشا العظم باستخدام حجارته في بناء قصره المعروف سياحيا وتراثيا والمسجل في اليونيسكو كأحد أهم المباني الأثرية في دمشق ويزوره مئات السياح يومياً ويقع في حي البزورية ويعرف ب “قصر العظم”.
وبشكل عام كان كل سوق من الاسواق متخصصاً بسلعة او حرفة او صنعة معينة مما ساعد على معرفة انواع الحرف التي كانت قائمة في دمشق او الخدمات التي كانت تقدمها للمجتمع، وبالتالي توضح لنا طبيعة المرحلة الاقتصادية التي كان يمر بها مجتمع دمشق والتطور الحاصل فيه، وإضافة الى تخصص الاسواق فإن اسواقاً اخرى نسبت الى بانيها او بعض الاسر العاملين فيها، وقد بلغ عدد هذه الاسواق في دمشق اكثر من مائة وخمسين سوقاً كانت معظمها داخل سورها وحول الجامع الأموي.
وإبان الحكم المصري، اصبحت دمشق عاصمة لأقاليم بلاد الشام، وأولى الحكام أهمية كبرى لهذه الاسواق، فكلف “امين الحسبة” بمهمة المراقبة يساعده مندبو التجار وشيوخ الحرف، وكان من أهم الشروط التي وضعها الحكام على المحتسبين في تلك الفترة، الورع والتدين والدراية بأحوال البلد والرعية، وكان لهذا الأمر تأثير كبير في مجتمع دمشق.
وإذا كان بعض القضاة او المحتسبين يقصرون في عملهم، يهاجمهم العامة ويقذفونهم بالحجارة، مطالبينهم بالتشديد في المراقبة وحماية المواطنين من جشع المحتكرين.
كانت الدكاكين في تلك الاسواق مبنية من الحجارة، وكانت مستطيلة الشكل وضيقة العرض، وتتقابل مع بعضها على طرفي السوق. فتتقارب حسب ضيق السوق واتساعه، وكانت هذه الهندسة في عمارة الدكاكين تسمح لصاحب الدكان فقط بالوقوف في مقدمة محله واستقبال الزبائن الواقفين خارج الدكان، الأمر الذي يجعل الازدحام كبيرا في الاسواق الضيقة، وكان البائع يقف للبيع خلف “دكة” من الخشب يضطر الى القفز فوقها اذا أراد الخروج او الدخول من وإلى الدكان.
ومع وجود بعض الاسواق والبازارات الأكثر اتساعاً ومخازنها أكبر مساحة وحجماً إلا أن السمة العامة لها جميعاً كانت تتجلى في ضعف الإنارة، لصعوبة دخول اشعة الشمس اليها بسبب طبيعة تصميمها، حيث لا نوافذ فيها.
كان رواد هذه الاسواق من جنسيات وطبقات مختلفة لذلك كان السوق معرضا للأزياء المتنوعة، فالآغوات كانوا يرتدون فروات طويلة من الحرير الاحمر ويتقلدون بالسيوف او بالخناجر المطعمة بالأحجار الكريمة، يعلقونها في احزمتهم. وكان الآغوات يسيرون وخلفهم بضعة أنفار من الاتباع او الخدم او العبيد ليحملوا لهم غلايينهم (مفردها غليون) او النراجيل، وكان سير هؤلاء في الاسواق سير مباهاة وتكبر، يقصدون المقاهي حيث يجلسون على الآرائك او المصاطب ليدخنوا الغليون او النرجيلة، وينظرن الى المارة بفوقية وكان العامة من الناس يسيرون في الاسواق تختلف ألبستهم، ما بين ميسور وفقير وراكب وراجل.
ولا تزال هذه الاسواق وغيرها الكثير قائمة بطرزها القديمة التي ادخلت عليها بعض التحسينات، إلا انها لم تفقد رونقها وروعتها كسوق الطويل (مدحت باشا) وسوق الحرير، وسوق الصاغة، والقباقبية، الذي اختفت فيه “القباقيب” لتحل محلها انواع اخرى من الصناعات الخشبية التراثية، وهذه الاسواق قبلة زوار دمشق القادمين اليها من اصقاع الدنيا زائرين او سياحاً او مقيمين.