مختارات قصصية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 قطار الجزائر وهران   

قصة بقلم : سعيد تباني - الجزائر

عن أدبيات

http://www.adbyat.com/vb

 

          سيدي ، أتأذن لي بالجلوس معك؟ ليس في هذه العربة كما ترى أحد غيرنا، و من يشاهدنا منعزلين عن بعضنا يحسب أن أحزابا سياسية فرّقت بيننا. نحن نتقاسم هموم رحلة واحدة، وعلينا في غياب الآخرين أن نتخلص من كل الاعتبارات الذاتية حتى يريح بعضنا بعضا من مشقة السفر. أرأيت كيف هجر المسافرون القطار؟ أعذارهم معهم؛ أصبحوا بعد العمليات التخريبية التي طالت السكة الحديدية يخشون على أرواحهم من الموت. كأننا في شريط مغامرات يروي أحداث بداية هذا القرن في أمريكا اللاتينية؛ الثورة و الاستبداد، الشعب و نظام الحكم، الجماهير و الزعيم… عجبا من هذا القرن؛ ينتهي في بلدنا على صورة بدايته هناك...

 

أنا أيضا يا سيدي أحب السفر على متن القطار. أجد فيه متعة لا أجدها في غيره. فيه عالمان متناقضان: الأول شغب و فوضى تعج بهما الحركة داخله، والثاني سكون و وداعة تنساب منهما المشاهد خارجه. هل تعلم يا سيدي بأنه على توقيت القطار تقاس درجة التطوّر في البلدان؟ في بعض الدول تقدّم الشركات اعتذاراتها للركاب عن التأخر الذي يحدث في التوقيت ببعض الدقائق، ببعض الثواني. كأن تأخر قطار واحد يتسبب في تأخر بلاد برمّتها.انظر إلى الحس المرهف بالوقت ... نعم، نعم،القطار خير معيار لقياس درجة التطوّر. وها أنت ذا ترى مثلي أن المسافرين في بلدنا يهجرونه لأنه صار معنى من معاني الموت. ما أبشع صور عرباته منقلبة! كأنها أفعى ضخمة بفحيحها و كشيشها، من صنع خيال مهلوس... ليس التطور إذن بالقطارات، و إنما بدِقة توقيتها... 

 

أنا أمقت السفر على متن الحافلة. السفر على متنها مرهق و ممل . هو كالمرآة، يعكس حقيقتك التي تظل حياتك تخفيها عن بصرك. في الحافلة تراها كاملة و أنت تتفرج من النافذة على غيرك يسوقون سياراتهم، أحرارا في اختيار المسلك، أحرارا في اختيار توقيت الرحلة. إنك عندما تشبع أشكالا و ألوانا ينقلب عليك بصرك فترى نفسك قابعا في مقعد ضيق، ينظر السائق إليك نظرته إلى بضاعة؛ عليه أن يوصلها إلى مكان معين. أنا لا أحب السفر على متن الحافلة. في الخريف الماضي أوقفنا " الآخرون " في حاجز مزيف في وضح النهار. أنزلونا ثم أحرقوا الحافلة . نجونا من الموت بأعجوبة. أنقذتنا ألوان سيارات قوات الأمن. رأوها قادمة من بعيد فانتقل الخوف مِنّا إليهم. بينما حكى لي جاري في العمارة أن الحافلة التي سافر على متنها توقفت ليلا عند حاجز مزيف و لم تتعرض بمن فيها إلى أي سوء. أمر محيّر فعلا، و يدعو إلى الاستغراب: هذه حافلة  تحرق نهارا جهارا،    و هذه أخرى تمرّ ليلا بسلام. أليس العكس أقرب إلى المنطق؟ أنا أيضا لا أحب الألغاز. سألت في الموضوع . قيل لي" بأنهم يضربون على يد الدولة حتى تتنازل عن احتكار قطاع النقل." فعلا، أصبح القطاع الخاص يستثمر في نشاط نقل المسافرين برّا و بحرا و جوّا. هو يستعمل في الطرقات نفس الحافلات التي كان القطاع العام قد باعها خردة في المزاد العلني.أرأيت؟ اشتراكيتنا تلد القطاع الخاص ثم يوارى جثمانها التراب. هو محظوظ، شهد لحظة احتضارها فورثها. نعم،لا أفهم؛ الأمومة و الشرعية والإشهاد برفع الأيدي . لا شك في ذلك. إنه الصراع بين القيم عبر الأزمان. لأجل ذلك أحب السفر على متن القطار. هذا الوحش الفولاذي يلج بك المدن من حيث تتكدس قماماتها وعفنها و هي لا تدري . إنه يأبى إلا أن يريك  العاهات  التي تتعامى البلديات أن تراها على نسيج المدن فتضرب عليها سورا من صفائح الحديد لكي تحجبها عن الأنظار. ثم تدعو الفنانين إلى تلوين واجهة السور المعروضة على الناس. يسمّون هذا " تزيين المحيط." أليس هذا تزييف المحيط؟

 

أنا أعيش أحلم بقطار أنيق يربط الخليج بالمحيط . يخترق  كتائب شرطة الحدود ، يخترق الحواس الست لرجال الجمارك، يخترق غبار البيروقراطية، يخترق أناشيد الشوفينية التي تزرع الفرقة و تنخر جسم الأمة الواحدة . ماذا قلت؟ نعم، نعم، إنه قطار التحدي ، لا قطار الوحدة. لو أن حكامنا لم ينادوا بالوحدة لتحقق حلمي. كيف ذلك؟ أشرح لك: الوحدة قائمة لا تحتاج إلى حَمَلة ألوية، ولا إلى منظرين و مبشرين. كل ما يجري من ذلك هو هراء  و تبذير.هي قائمة حيثما يلعلع الرصاص يحصد أبرياء وجوههم غريبة عنك. ثمّ فجأة تحس و أنت تمعن النظر في جثثهم المصفوفة بأنك مثلهم غريب عن نفسك، غريب في جسمك، بأنك موجود أنت أيضا معهم في بلدهم، تسقط مع القتلى متى سقطوا، مع الجرحى متى تألموا.أرأيت؟  الوحدة قائمة لكن السياسة عائقة. و بين هذه و تلك تتبخر السكة الحديدية التي هدهدت حلمي منذ أن صنعته في الثانوية على أيدي مدرسين عرب قدِموا إلى مدينتنا غداة الاستقلال، من كل البلدان العربية، حملوا إلينا نغمة القومية العربية، الوطن العربي الواحد، من المحيط إلى الخليج. كان هذا الوطن على طاولة الدرس نصوصا للقراءة والتحليل؛ قال الشاعر: وطني كذا و كذا و كذا، حلل و ناقش. أنا لم أناقش فقط ، أنا صنعت قطارا فوق الخطابات، فوق الحدود، لكن بدون سكة يسير عليها.  وظل القطار حلما ثقيلا أجترّه، أخشاه كاللعنة الأبدية، تلاحق الدعاة الذين اشتروا بثمن الوطن جسم امرأة.

 

بلا شك يا سيدي، أنا أجد في أمريكا سكة حديدية تحقق لي حلمي الجميل من ساحلها الشرقي إلى ساحلها الغربي. ثمانية أيام و سبع ليال. أمريكا... تمثالها يرفع مشعل الحرية عاليا حتى يراه المضطهدون في العالم، ينير لهم الطريق، يدعوهم أن " تعالوا إلى هنا و حققوا أحلامكم." من لم يراوده الحلم الأمريكي؟ يا لروعة الحلم يستجسد  الواقع! أتعلم يا سيدي ما الذي يحدث لمن يحقق حلمه في أمريكا؟ إنه  يمكث تحت  ظلال حلمه يمني نفسه بحلم جديد و يعيش على هامش من الحاضر؛ يلتقط كالشاعر الجاهلي بعر الأرآم ليشتمّ رائحة الحياة التي كانت تدبّ قريبا من كثبان يعلوها نخيل. لكن الأحلام تنضب. أتدري ما الذي يحدث عندما تنضب الأحلام و ينخفض سعر برميل البترول؟ تخرج أمريكا الرسمية أسلحتها الفتاكة، ثم تطير و تبحر لتجثم على أراضي شعوب آمنة، تبتـز منها الأحلام حتى تصنع أمجادا على جثث القتلى و مشاهد الدمار الشامل.. بأسلحة دمار الشمال. ثمة يتحوّل الحلم إلى كابوس مروِّع ، والمشعل إلى حريق مهول، و الحرية إلى سفن استعباد. أنا لا أبيع حلمي إلى أمريكا. أنا لا أحلم حتى بأمريكا. هي بعيدة عن منالي. الحرية فيها أدمى من الفوضى في بلدي. لقد صارت وحشا ينشر الرعب في الجهات الست للكوكب الأزرق. لو كانت الغلبة تعود حتما إلى من يملك القوة الفتاكة، لو كان البقاء دائما للأقوى لما انقرضت الدينصورات.أوافقك الرأي  يا سيدي، هذا قولي و ليس لي أن أرغم عليه غيري حتى لا أكون مثل أمريكا. إلا ذاك الشاب المهندس الذي هجر إليها ثم ولى هاربا من حقيقتها المدسوسة في قواعدها السرية. قال لي بنفس الفزع الذي انتابه وهو على أرضها:" سأترك حلمي للأجيال في وطني، عسى أن يهديهم إلى الإنسانية، عسى أن يحققوه في يوم من الأيام: ليس لكم عن الوطن بديل. الحلم ينبت في وطنكم، فلا تبيعوه يانعا في أوطان الغير  كي لا  يصبح كابوسا على أمّتكم. لا تنسوا وطنكم. إنه منبت أحلامكم. "

 

اعذرني سيدي، أنا أعلم أنني أتكلم كثيرا. شكرا على طيبتك سيدي.الصمت يقلقني منذ أن كنت طفلا صغيرا. كان والدي وقت المقيل يخشى أن تتسرّب نظراتنا إلى عالمه الخفي، فيقوم كالفاقد وعيه يقمع حركتنا، يطاردنا مثلما

تطارد والدتي الذبان في المطبخ. من كانت من دوننا تتحدى سلطته؟ إنها دجاجة والدتي! تقوم عندما يستحكم الصمت في الفناء فتقوق بصوت مزعج، موجع، أعلى من أصواتنا، لتعلن عن وضع بيضة. لم يكن والدي يحرّك ساكنا.استطاعت دجاجة رخيصة أن تشتري صمته بحبّة بيض لننتهز نحن الفرصة فنتبادل بعض الكلمات. إنها مجرّد همسات تقفز على قانون الصمت. كانت والدتي تسرع إلى دجاجتها فتسكتها بكلمات طيّبة، تثني عليها لحما و ريشا و بيضا. ثم يرتفع أمر والدي من جديد: الصمت!! عجبا له؛ أ يسمع خفتاتنا ولا يسمع الشغب الذي تحدثه الدجاجة؟ ثم يخيّم الصمت بقوة ثانية، و تموت الهمسات في حناجرنا، تتحوّل أحيانا إلى إشارات بكماء نتساءل بها عن السر في موقف أبينا: ما له؟ ما به؟ بعد ذلك أخذت أتساءل عن السر في الصمت الذي يسوِّد الحكام على الشعوب. لماذا لا ترتفع الأصوات؟ الجواب على هذا السؤال بسيط ، بل تافه: لأننا لا نبيض مثل دجاجة والدتي! الصمت يولد العقم. أليس كذلك؟ الصمت ضروري. نعم ؛ للفيلسوف المتأمل في أحوال بني جلدته من دهر إلى آخر، للفنان في ورشته ، للمبدع ، لكن... فيمَ ينفع السكوت عن الرداءة،عن التسلط ،عن الرشوة، عن الإيدز، عن البيض الفاسد؟؟ انظر، من المفروض أن لا يتوقف هذا القطار إلا في مدينة الشلف. لكنه يتوقف في غيرها. لماذا؟ لأن كل رئيس محطة لا تثبت رئاسة محطته إلا إذا أحدث من وقت المسافرين خدشا في زمن القطار. نعم، إنه يوقف القطار و يأخذ منه الوقت الذي يكفي أحد معارفه للركوب على متنه بلا توقيت. هذا الرئيس مطمئن من جهة شركته. إنه، مثل دجاجة والدتي، لا يزعجه صوت يرفعه أحد. إنه صاحب مبيض، ولا مكان لنا نكسر فيه خمّ الدجاج. و إن فعلنا، فهي التهمة بالتآمر. هل تدري بالعدد الضخم  من الذين ذهبت أصواتهم أدراج الرياح لعدم وجود ساحة مخصصة لهم؟ نعم سيدي، هذا ما يفعله بعض الرؤساء في المحطات و خاصة يوم السبت. أليس هذا هو التخلف بعينه؟ كيف أفهم التخلف؟ هو أن تعيش سعيدا غير أنك لا تستطيع التحكم في هذه السعادة بالزيادة أو بالنقصان. ما معنى هذا؟ معناه أنك لا تساوي إلا قدر ما تستهلك، ولا تستهلك إلا قدر ما تستورد، و لا  تستورد إلا قدر ما تملك من أنابيب. أبدو لك متشائما كالملك الذي أطيح بعرشه. قد يكون. لكن مملكتي لم تكن سوى شعوري بذاتي، بهويتي، بانتمائي. أعوذ بالله من أن أكون من أهداب حكم متسلط . كأننا في منفى. ليس للمنفيين ساحة يرفعون فيها أصواتهم لأنهم ليسوا دجاجا. بل هم يأكلون الدجاج و يأكلون البيض. قد يوهم صمتهم بالاستكانة. أهي الدجاجة رمز للتحدي؟ نحن نشأنا على أنها أجبن مخلوقات الخم على الإطلاق.

 

عفوا، لقد ضايقتك بترهاتي، أليس كذلك؟ شكرا سيدي . استحرّ الحديث و أخذ يحلو. انظر! ما ذا قلت لك؟ القطار يتوقف في محطة ليس من المفروض أن يتوقف فيها. ولو تطل من النافذة جهة الرصيف لرأيت  الرئيس يفرض علينا التأخر عن موعدنا . تلك هي الحال في القرى. أنا ابن قرية. هذه ليست مدينة. ليست المدينة بكثرة المباني.  الفرق بين القرية و المدينة يكمن في الإحساس بقيمة الزمن. أليس التخلف مسألة زمن؟ هذه قرية. هذه مملكة.   في المملكة يتصرف الزمن مع واحد فقط. و أنا ما دخلي؟؟ نعم، أنا لا أتدخل في مهنة الآخرين لأن الآخرين لا يتدخلون في مهنتي حتى و لو طلبت منهم المساعدة. ما هي مهنتي؟ أنا واحد من رجال المطافي. تبدو وظيفتي شاقة، لكنها في الواقع كبقية المهن الأخرى. نحن نخالط الحرائق،الأنقاض،الموتى، الجرحى... انفجارات الغاز داخل المدن،انفجارات السيارات الملغومة، الفيضانات، الزلازل، الغرق في البحر، حوادث المرور...  الموت ، الحياة، النجاة، الإخفاق... فؤوسنا تصطدم بالحقيقة، معاولنا تكشف الأسرار. نحن لا نحسب. الناس يحسبون مثلا أن الزلزال يقتل. نحن نعرف بأن البناءات هي التي قبله تقتل.علينا محاسبة من بنوها قبل رفع الأنقاض. الأنقاض هي الأدلة الدامغة. ضربات الفؤوس و المعاول تصرخ:" حاكموا الرداءة! حاكموا التدليس!" لكن الناس يسكتون: " اسكت... ستحصل على سكن جديد. اسكت... سيمضي الزلزال، سيسكت..."

بالطبع سيدي، لا زلت أتذكر أول عملية حضرتها. لم تزل عالقة بذاكرتي كأنها بنت البارحة. خرجنا على متن سيارة إسعاف يوم سبت بعد الزوال. اتصل بنا طالبا النجدة رئيس محطة القطار في الحراش. لقد صدم القطار شخصا و قتله. لماذا جرت العادة عندنا على جعل  محطات القطار مكانا يأوي إليه شاربو الخمر و لاعبو القمار و آخرون؟... لم يكن المقتول كما تصوّرته. صار كومة لحم مفروم وسط بحيرة  من الدم تفوح منها رائحة الخمر قويّة.قضيت يومي أتقيأ، يلاحقني  المشهد حيثما حللت، يقضّ مضجعي، يقلب عليّ نمط العيش الذي نشأت فيه. تقيأت حتى تقطعت أمعائي و كادت تخرج من فمي. إنه مشهد غير إنساني لا أدري أصنعه الشخص وهو يعاقر الخمر، أم صنعه القطار و هو يدخل المحطة بسرعة فائقة؟ لا أدري. لم يتزعزع رفيقاي من المشهد. الأمر عادي  بالنسبة لهما. قال لي كلاهما بكل بساطة : " لا بدّ من أن تتقيّأ في المرّة الأولى. كلنا تقيأنا في المرة الأولى". أعتقد أنني كنت أفقد عقلي لو توقفت عيناي عند أول جثة تعاملت معها. لكن الجثث أخذت تتوالى عليّ، وأخذ كل مشهد أحضره يطرد عني السابق، يخفف من حدّة بشاعته، إلى أن غلبت العادة. أنا اليوم لا أتقيأ. بل اكتشفت قوما يتقيّأون بطريقة أخرى. لا يلفظون الطعام خارج معدّتهم مثلنا،إنما يلفظون أخلاقهم خارج ضميرهم. ينتهزون الفرصة، يستغفلون من ائتمنهم فتمتد أيديهم إلى الأمانة،إلى الجثة، يسلبونها متاعها ثم يمشون في موكب جنازتها. كم ألقوا بالأمانة على قارعة السكة لكي يطحنها القطار و تنفتح شهيّتهم و يتقيأون!

كثرت عليّ الجثث منذ أن اندلعت هذه الحرب المشؤومة بين الإخوة الأعداء.لا يهمّ لمن هي، ولا يهمّ المكان الذي سقطت فيه، و لا على أي جنب كان مصرعها. كلها جثث هامدة؛ زالت حرارتها، توقفت حركات التنفس، سكتت نبضات القلب، خمد لمعان العينين فارتسمت عليهما نظرة أخيرة، باردة، جوفاء، كأنها بقية من إشارة وداع إلى الحياة. قد يكون لون البشرة أخذ يميل إلى الاصفرار، ومع وقت أطول إلى الازرقاق، ثم إلى الاخضرار. ثم تأخذ الجثث في التدوّد و التفسخ, و تشتدّ رائحة العفن تصرع الأفيال. هذا إن لم تسبقني إليها الذئاب...

قد تبدو لك يا سيدي هذه الصورة بشعة،لكنني اكتشفت فيها سرّا عظيما: الموت هو بلوغ الحياة أوج الإنسانية. لا تعجب يا سيدي من كلامي هذا. عِشْ حياتك كاملة،لا تمُتْ وأنت لا تزال حيا. احرص يا سيدي على أن يكون مرورك في هذه الدنيا مرور إنسان. أما الذين يدعون إلى الموت قبل الأوان فإنني لا أجد لهم موتا بعد حياة. هل فقدنا التمييز ما بين الأبيض و الأسود؟ إنه فعلا خيط رقيق، لكنه أساس لا بدّ منه للحياة. ادع الله معي سيدي أن يرزقنا القدرة على التمييز بين ما هو حياة و ما هو موات... ما أفقرنا! ما أحوجنا إلى التمييز!! هو، مع الأسف، ليس بضاعة تتهافت عليها شركات الإشهار. لو كان كذلك لتخطّفته الأيدي في المساحات الكبرى...

 

في آخر عملية إنقاذ حضرتها، منذ أكثر من ثلاثة أشهر خلت، عثرنا على ست جثث بلا رؤوس. و بعد بحث شاق في الغابة دام ثلاثة أيام لم نجمع سوى خمس رؤوس. لا تزال الرأس السادسة مفقودة إلى حدّ الآن. على أي أساس إذن يرخص الطبيب الشرعي بالدفن و قد اختلطت عليه الجثث و الرؤوس؟ بأي حق يعيّن هذه الرأس على هذه الجثة أو على تلك؟ ليست المسألة تعيينا إداريا لأي رئيس على أي قطاع في الدولة. الأمر أعظم...

 

السلطات المحلية أمرت بإنشاء لجنة متخصصة في الموضوع و أسندت إليها مهمّة حل الإشكال. كنت واحدا من أعضائها. قعدنا نقدّم و نؤخر، نفحص و نتفحّص، نقبل و ندبر، ننشر و نطوي ، نصرّح و ننوي ، نركّب و نفكّ، نستدل و نستنتج، نلف و ندور في نفس النقطة حتى اختلطت علينا رؤوسنا نحن، و أصبحنا الواحد منا يحسب نفسه أنه الآخر، يتكلم بكلامه، و يقرر بقراره. وفجأة اجترأ أحدنا واقترح علينا اللجوء إلى أسهل الحلول. نزل اقتراحه كالصاعقة. سكت الجميع. نظر الطبيب الشرعي إلى السيد صاحب الاقتراح مليا، ثم كلمه كما لو أنه يكلم شخصا ألقي عليه القبض متلبسا بجريمته:

 

- نعم، كل رأس من هذه الرؤوس تصلح لأن تكون على أية جثة من الجثث الست و بذلك يكون لدينا خمسة موتى جاهزين للدفن.لا تبقى إلا جثة واحدة بلا رأس. أليس كذلك؟ تريد من اللجنة الموقرة أن تلفق الجثث كما لو كانت ملفات إدارية تلفقها أنت وأمثالك للحصول على قطعة أرض أو سكن أو قرض. ما الفرق إذن بيننا و بين أولئك القتلة الذين مثلوا بهذه الجثث؟ أ هناك بعْدَ الذبح و التمثيل بالجثث ما هو أبشع  لتزدجر؟ الجثة لا تدفن إلا برأسها الأصلية. ستشكونا إلى الله عز وجل إن نحن مارسنا هذا التلفيق عليها. أفهمت؟ الجثة ليست كالجمهورية. الجمهورية تتطلب تغيير الرؤوس. الجثة لا... بل الجمهورية تختنق إذا ظلت نفس الرأس تعلوها مدّة طويلة، فتموت شيئا فشيئا، و يميل لونها إلى الاصفرار ثم إلى الازرقاق ثم إلى الاخضرار. و بعد ذلك يبدأ جثمانها في التدوّد و التفسخ. يحدث هذا إذا لم تسارع إليها الضباع قبل أن يفعل الذباب الأزرق فعلته. أفهمت؟

 

لكن السيد صاحب الاقتراح تغيّرت سحنته،وأخذ لون وجهه يميل إلى الاسوداد. يبدو أنه لم يفهم من كلام الطبيب الشرعي إلا قدر ما تفهمه نملة للنجاة من خطر محدق. سأل الرجل الطبيب  الشرعي بانبهات:

 

- و هل يحاسبنا الله على تلفيق الجمهورية كما يحاسبنا على تلفيق الجثة؟

 

أجاب الطبيب الشرعي - ما أقدره!-  بنفس اللطافة، طبيبا لا فقيها:

 

- يحاسبنا الله على الخوض في الأمور بلا علم، بلا تكوين متخصص، بلا خبرة كافية. هوّنوا على أنفسكم سادتي الأفاضل. إن الطب الغربي المعاصر خطا خطوات عملاقة في مجال إثبات هوية الجثث. و من حسن حظنا أنه يوجد في الجزائر العاصمة مخبر مجهز بأحدث العتاد العلمي. لذلك ثقوا بأن كل جثة ستدفن برأسها الأصلية. 

 

فشلت لجنتنا المحلية في مهمتها. لكن هذا لم يمنع الإدارة من  صرف علاوات إضافية إلى الأعضاء. في ولايتنا يجازى على الفشل بعلاوات إضافية و على النجاح بشهادات شرفية. و تمّ،عملا باقتراح الطبيب الشرعي، تحويل القضية إلى العاصمة. كلفتني السلطات المحلية بأن أنقل إلى المخبر العلمي عينات من نسيج الجثث و الرؤوس. جئت إلى العاصمة بداية الأسبوع الجاري على متن إحدى طائرات الشركة الوطنية. خانني الحظ في السفر على متن طائرة تابعة لشركة خاصة. قيل إنه ممتع. لكنني وطنيّ رغم كل شيء، لا مستوطن.

 

وجدت في المطار سيارة في انتظاري، أقلتني على جناح السرعة، أنا وحقيبتي الخاصة، إلى المخبر. هناك شرح لي أحدهم بأن قائمة الانتظار طويلة، و بأن مصلحته ستتكفل بـ" أصحابي" في الأيام القليلة المقبلة، ثم توافي السلطات المحلية بنتائج التحاليل. صدقني يا سيدي،إننا، بدون هذا المخبر، نكون آثمين في حق" أصحابي" و من في مثل حالهم . إنهم كلهم،كما قال ذلك المسؤول في المخبر" أصحابي"، بدون تمييز. من يرى مانعا؟

 

تسألني، سيدي، لماذا نضطر إلى التنقل إلى الجزائر العاصمة في كل صغيرة و كبيرة؟ لأنها مثل الرأس ، بدونها لا نرى، لا نسمع، لا نتذكر، لا نفكر... يجب أن ننتقل إليها و إلاّ فنحن لا نعرف حتى حقيقة ما يجري في ولايتنا. هي كالرأس  ونحن كالجثة. ما هي الجزائر العميقة؟ لا أعلم لها حدودا ثابتة. كانت في السبعينات تمتدّ حتى إلى فيتنام، إلى إفريقيا الجنوبية، إلى كوبا، إلى جبهة الصمود و التصدي، إلى كل بقعة فيها عمق ... فيمَ هذا العمق؟ عمق في الجرح؟ عمق في النزيف؟ عمق في الألم؟ لا أدري . ربما يكون عمقا في الكرش؟ في البلعوم؟

 

أتدري ماذا قال لنا أحد أعضاء اللجنة الولائية المتخصصة؟ قال:" الرأس الخامسة تصلح لجثتين اثنتين." ما سمعنا بهذا من قبل. سألناه في حيرة:" أجادّ أنت في قولك؟ " أجاب بانتفاخ:" كل الجد." فسألناه و قد ازددنا اندهاشا وارتباكا:" و ما دليل قولك؟ " فردّ علينا:" و لِمَ لا تكون رأس على جثتين؟؟ " عندئذ تحوّلت أنظارنا إلى الطبيب الشرعي نستنجد به. قال بثقة واسعة: " سأعجل في كتابة تقريري إلى من يهمّهم الأمر قبل أن تتفاقم وضعيتنا و نصبح رؤوسا بلا عقول!" ثم انصرف إلى حاله. لم ألتقه منذ تلك الحادثة. صار يتجنبنا. له ألف عذر. لقد استحوذت الجزائر العاصمة على كل الرؤوس. لم تترك لنا إلا الجثث، إلا من يقول برأس على جثتين! هل حدث هذا في التاريخ؟ في الأساطير؟ في خرافات الجدّات؟ لولا مخابر الغرب...

 

أبدو لك معجبا بالغرب؟ لا يا سيدي. أنا لا أشتم الغرب حتى لا يشتمني، و مثله، لا أمدحه حتى لا يحتقرني. إن أنا مادح فنفسي، و إن أنا شاتم فهي أيضا. ليس لي مناص. هي مثل السكة الحديدية،لا يسير القطار إلا عليها. نفسي هي سكتي، و على غيرها لست ماشيا. لن أتقدم إلا بها، و إن تأخرت عن الركب فبسببها.

 

القطار يسير اليوم بصورة عادية. لم يتوقف كثيرا في المحطات الصغيرة. لا، ليس هذا تحسنا في الخدمة. السبب هو أننا في يوم ثلاثاء. هو يوم تقل فيه حركة المسافرين. سنصل إلى وهران قبل الثانية بعد الزوال. هذا إن لم يطرأ طارئ. القطار هو الحياة : هناك من يسافر، وهناك من تنتهي رحلته. وعلى الحالين يتداول الركاب.

 

سأكلم الطبيب الشرعي، ألتمس منه أن ألقي النظرة الأخيرة على" أصحابي" قبل أن يعودوا إلى مثواهم الأخير. أعتذر لهم عن الغبن الذي لحق بهم، عن الجثث بلا رؤوس، عن الرؤوس بلا عقل، عن التأخر في دفنهم، عن تأخرات القطار السريع من الجزائر العاصمة إلى الجزائر الأخرى .

 قل لي سيدي : لو كنت مكاني عضوا،أتكون قد حددت بدقة رأس كل جثة من جثث أصحابي؟ و الأحياء حولنا؛ هل تستطيع أن تثبت بأن رؤوسهم ليست ملفقة على جثثهم؟...  بلى ، من باب العدل أن نبدأ أولا  برؤوسنا.