تحيط
بقرية الغدير أراضٍ استزرعها سكانها من البدو
المستقرين حديثا رغم صعوبة استصلاحها ، و لكن النبعتين
الغربية و الشرقية ، كانتا تشجعان السكان الجدد على
الإستمرار ، رغم صعوبة المناخ و تدني الحرارة إلى ما
دون الصفر معظم أيا الخريف و الشتاء .
عندما تهطل الأمطار تفيض النبعتان بالماء و تظهر ينابيع
أخرى هنا و هناك
، فتغرق ما زرعه السكان و قد تخربه ، أما
في الصيف فتكاد النبعتان - و خاصة الشرقية منهما تجفان -
مما جعل الزراعة الصيفية مستحيلة !
دوما ، كان السكان يشكون من اضطراب مصدرهم المائي ،
فيفيض عندما لايكون له حاجة و
ينضب عند الحاجة ، إلا أن
إمتلاكهم لبعض الماشية ، كان يمنحهم بعض التعويض .
كان الأستاذ مروان ، يستمع متأثرا إلى مشكلتهم ، و
يناقشهم أحيانا حول إمكانية حفر بئر قد يكون ماؤه غزيرا
، كما فعل أهل قرية الختمية التي لا تبعد أكثر من بضعة
كيلومترات ، و لكنهم كانوا يرفضون الفكرة بحجة أن الأرض
صخرية و أن أدواتهم البدائية لن تمكنهم من ذلك ، و عندما
اقترح عليهم استقدام آلة حفر هزوا رؤوسهم آسفين ، لأن
إمكانياتهم المادية لا تسمح لهم بذلك !
*****
و ذات يوم
و بينما كان الأستاذ مروان في العاصمة في زيارة الأهل
قابل أحد أقاربه و هو مهندس بناء
سأله
" أين يُدرِّس" ، فأجابه " في قرية الغدير "
تبسم قريبه هذا ، ثم سأله :
- أتدري أنني كنت المهندس الذي أشرف على بناء مدرسة الغدير
؟
دهش مروان لهذه المصادفة و لكنه فوجئ أكثر عندما أضاف :
- إصغ يا مروان إلى القصة العجيبة التي حدثت لي هناك !
فبينما كنا نحفر لبناء أساسات المدرسة ، سمعنا هديرا
غامضا ،
حفرنا أكثر ، ففوجئنا بمجرى ماء قوي ، جرف أداة الحفر
التي كان يستخدمها أحد العمال ...
و لكن في اليوم التالي و بعد
أن استدعينا قائد المخفر ليشاهد
معنا ما شاهدناه ، كانت الصدمة ، أن ذلك المجرى قد غار
و اختفى !
أجابه مروان متحمسا :
- هذا معناه أن المنطقة تعوم فوق بحر من المياه .
- محتمل ، لأن المنطقة تقع على أحد سفوح جبل الشيخ ، و
الثلج كما تعلم يغطي قمم الجبل صيفا شتاء ، مما يشكل
مصدرا مائيا لا ينضب .
*****
لم ينم مروان تلك الليلة و
هو يفكر بالخبر السعيد الذي سينقله
لسكان قرية الغدير ،
فقد يقضي على فقرهم و يرحمهم من ابتزاز أبو عادل المرابي
، و أبو شاكر البقال اللذان ما فتئا يستنزفانهم
،
*****
منذ
لحظة
وصوله إلى القرية و قبل أن يستريح ، توجه إلى مضافة
المختار ، الذي استدعى وجهاء القرية بدوره
( إلى مؤتمر قمة !. )
كانوا بين مصدق و مكذب ..
و لكن الأستاذ مروان أوضح لهم أهمية الأمر ، و أن من أخبره
مهندس معروف ، و لا بد أن أحدهم أو بعضهم تذكره .
و بعد مداولات
، تخللها
الكثير من المشاجرات و المهاترات
...
استمرت حتى ساعة متأخرة من الليل ،
ثم استغرقت اليوم التالي بطوله ...
صدر قرار غير ملزم ...
أن يكلفوا شبان
القرية بالبدء بحفر بئر
بجوار المدرسة ....
*****
بدؤوا
الحفر متحمسين و هم
يهزجون ....
فترت حماستهم بعد ساعة أو تزيد
قليلا .....
كُسرت مِجرفة محمد العبد الله ، فانسحب غاضبا !
ثم بدؤوا ينسحبون الواحد تلو الآخر !!!
حاول الأستاذ مروان ثنيهم عن ذلك...
قال أحدهم : " إننا كمن ينطح رأسه بالصخر "
قال آخر: " أتعبتنا يا أستاذ مروان بلا طائل ..."
آخرون رفضوا حتى الإصغاء إليه ، أداروا ظهورهم له ، ثم
غادروا و هم يغمغمون ..
وقف
مروان على حافة الحفرة الجافة التي لا يزيد عمقها عن المتر
الواحد ، و قد غمره شعور بالخيبة و الإحباط
..
و في
الأيام التالية ، ظل مروان يسمع التعليقات اللاذعة و
التلميحات الساخرة أينما سار أو زار فيتجاهلها...
و ظل
يقرئ السلام فيردون سلامه بجفاء أو لا يردون ...
*****
أما في المدرسة ، فقد حاول ابن المختار إحراجه ،
فسأله و قد رسم على شفتيه ابتسامة خبيثة :
- يقولون في القرية أن ماء الغدير إبتلعته أفعى
ألفيَّة*
، يا استاذ !!!...
و قبل أن يتم كلامه دوت ضحكات
التلاميذ .
تمكن الأستاذ مروان
بصعوبة من ابتلاع غضبه ، ثم بادرهم قائلا بأعلى صوته :
" درس اليوم
سيكون عن ماء الغدير ، و عن المياه الجوفية بشكل عام"
و بعد أن شرح لهم كيف تتسرب
المياه بين الصخور لمسافات شاسعة ، فتشكل مجارٍ خفية و
على أعماق مختلفة ، منها ما ينبثق تلقائيا كنبعي
الغدير الشرقي
و الغربي ، أو ما يُجر صناعيا عن طريق
حفر الآبار ، كما حصل في قرية الختمية ؛
ثم أضاف مؤكدا بصوت
الواثق من كل كلمة يتفوه بها :
"
الإنسان الجاد المخلص لبلده لا يستسلم أبدا ، كما فعل شبان
الغدير منذ يومين ..
و
ما فشلوا فيه كان نتيجة خمولهم و يأسهم السريع ، و ليس
نتيجة معلومات خاطئة
أو مزحة ثقيلة كما يشيعون !
"
ثم
أضاف :
" ما
فشلوا فيه قد تنجحون فيه أنتم عندما تكبرون ، فقط إذا
تحليتم بالجد و وحدة الراي و الصبر و المثابرة . "
*****
ثم استعرت حرب
حزيران
الطاغوث الذي استنسخوه على ضفاف التايمز
، من جينات عمرها
أكثر من ألفي عام
، التقطوها من أحافير التاريخ
..
أصبح عملاقا
..
فبدأ قفزته
الكبرى الثانية ....
فاستولي
من ضمن ما استولى ، على الغدير
و ما جاورها...
و صحا أهل الغدير ذات يوم ليفاجَؤوا
بنضوب
النبع الشرقي !
و
لكنهم فجعوا بعد عدة أيام بنضوب
النبع الغربي !!!
و إذ جازف أحدهم فاقترب من السور الشائك
المقام قرب المدرسة و النبع الغربي..
سمع هدير الماء يطغي
على صخب المضخات !
---------------
**ألفية
:
معمِّرة لألف سنة
---------------