أجهزة تبريد الهواء
تتسبب في زيادة
"الاحتباس الحراري"
التكييف البديل ..
عبقرية من الماضي
إعداد: محمد هاني عطوي
عن دار الخليج
يؤكد خبراء الطقس أن درجات الحرارة خلال فصول الصيف
المتتالية آخذة في الارتفاع سنة بعد سنة، وأن أنظمة التكييف الباردة المتداولة
في شتى أنحاء العالم، تسهم إلى حد كبير في رفع درجة حرارة الجو داخل المدن،
وخصوصاً تلك المكتظة بالسكان، نظراً لأنها تعمل على زيادة ظاهرة الاحتباس
الحراري التي لها دور رئيسي في ارتفاع درجة حرارة الأرض.
ويروي الباحث برينو بوبورتيه من مركز الطاقة التابع
لكلية المناجم في باريس كيف دفعته الحرارة العالية خلال الصيف الماضي إلى
الهروب نحو القرية للبحث عن الجو البارد، بعدما وصلت الحرارة إلى 40 درجة مئوية
في العاصمة باريس.
ويذكر برينو كيف كانت دهشته عندما دخل منزل والديه ليجد
الحرارة لا تتعدى 25 درجة مئوية، ويقول: لقد اعتقدت ان والدي اشترى جهازاً
للتكييف، لكنني كنت مخطئا فالمنزل كان مبينا بكل بساطة من الحجر وليس من
الاسمنت.
ويشير ميشيل كاريه، أحد المهندسين المتخصصين في بناء
العمارات السكنية الحديثة في وكالة البيئة والتحكم بالطاقة، إلى ان ثمة وسائل
بسيطة وفعالة وغير مكلفة، تمكننا من تخفيف وطأة الجو الحار أو جعله أكثر ملاءمة
للعيش.
ويعتقد كاريه أن السوائل التي يتم استخدامها “لتوليد
البرودة” في أجهزة التكييف عادة ما تتسرب أثناء الصيانة وتسهم إلى حد بعيد في
زيادة ظاهرة الاحتباس الحراري ورفع حرارة الجو.
وتشير إحدى الإحصاءات إلى أن الطاقة المستهلكة في أجهزة
التكييف في فرنسا العام 2002 تعادل الطاقة التي ينتجها مفاعل من الحجم المتوسط.
والمثير أن أجهزة التكييف المنزلية تحتوي على سائل مبرد
تزيد معدلات تسخينه للجو عن ثاني اكسيد الكربون بحوالي 1300 مرة، ويحذر باحثون
من الاستمرار في هذا المنحى الذي سيؤثر تأثيراً خطيراً في درجة حرارة الأرض
برمتها خلال السنوات المقبلة.
ويقول هؤلاء ان أجهزة التكييف هي من الكوراث البيئية على
أهل الأرض، فلكي تمنحنا الهواء البارد داخل بيوتنا ومكاتبنا عليها أن تطلق في
الهواء الخارجي هواء ساخناً.
ويرى جون بير تريسنال الباحث في معهد العمارة الخاص
بنظريات البناء الجديدة أن النظام المعماري للعمارات السكنية الحديثة المغطاة
بالزجاج تحول المكاتب لشقق إلى ما يشبه البيوت الخضراء المستخدمة في استنبات
النباتات والتي تعرف كذلك بالدفيئة أو البيوت الزجاجية.
طرق بديلة: ينادي الباحثون في مجال الطقس إلى ضرورة
اللجوء إلى طرق بديلة معروفة لتكييف الهواء شريطة أن لا تضر بالبيئة إضافة إلى
قلة استهلاكها للطاقة الكهربائية وينصح هؤلاء بالعودة إلى طرق البناء القديمة
التي كانت تعتمد على الحجر مع الأخذ بالاعتبار بعض الاحتياطات والتدابير
الضرورية لجعل الجو الداخلي معتدل الحرارة وملائماً للعيش بشكل يغني عن أجهزة
التكييف.
ويقول جون لويس إيزارد المحاضر في كلية الهندسة
المعمارية في مدينة مرسيليا ان اللجوء إلى استخدام الطين والجبس يبدو ضرورياً
في البناء نظراً لقدرته على رد أشعة الشمس بنسبة 90% على الأقل. من جهة ثانية
ينصح إيزارد بضرورة تجنب سقوط اشعة الشمس بشكل مباشر على الواجهات الزجاجية
للحيلولة دون تشكل ظاهرة الاحتباس الحراري داخل المنازل.
ويطالب إيزارد باستخدام مغالق النوافذ ذات الاجنحة
الخشبية إضافة إلى الستائر الداخلية السميكة التي تعكس الأشعة وتمكننا من خفض
درجة الحرارة الداخلية في المكاتب والمنازل بمعدل يصل إلى 5 درجات على الأقل.
تحسين العوازل: ويرى برينو بوبورتيه أن المبدأ الثاني
الواجب الالتزام به في هذا الشأن يستند الى تحسين العوازل الحرارية ومنع
الحرارة من الدخول إلى المنازل والمكاتب أثناء النهار وفتح النوافذ والأبواب
خلال الليل لتحرير الحرارة المحبوسة والعمل على تغيير الهواء.
ويقول روبرت سولير من مكتب الدراسات المتعلقة بنظم
الطاقة وطرق الاستفادة منها إن الواجهات الزجاجية المزدوجة يمكن أن تدعم بغطاء
شفاف مكون من أكسيد إحدى المواد المعدنية العاكسة للأشعة وهذا ما يمكننا من خفض
درجة الحرارة الداخلية بشكل كبير.
ويعتقد جون لويس إيزارد أن الأشجار المزروعة أمام البيوت
الريفية، ليست لتجميل المكان فقط، وإنما لتهيئة المكان ليكون رطباً وبارداً
جراء الظلال التي توفرها هذه الأشجار.
والواقع أن فكرة استعادة الحرارة من الوسط المحيط، جعلت
الكيميائي الألماني (BASF)
يفكر في اختراع غطاء جديد مكون من كريات صغيرة بلاستيكية تتحول من الحالة
الصلبة إلى السائلة عند امتصاصها للحرارة، ويعتقد الباحث أن هذا الغطاء الذي لا
يزيد سمكه على سنتمترين والذي لم يزل في مرحلة الاختبار سيلعب دوراً مهماً كواق
من الحرارة نظراً لأنه سيعادل جداراً من القرميد يزيد سمكه عشر مرات على السمك
الطبيعي.
تدوير الهواء: من الضروري في حالة حبس الحرارة خارج
المنزل، العمل على تجديد الهواء بشكل مستمر أو تدوير الهواء، لأن تيار الهواء
يحرر الحرارة من الجسم بالعمل على تنشيط عملية تبخر الماء وزيادة نسبة التعرق.
ويقول خبراء التبريد إن تيارا بسيطا من الهواء تبلغ سرعته متراً في الثانية،
يمكنه أن يمنحنا شعوراً بالبرودة يعادل خفضاً في كمية الحرارة بمعدل 4 درجات
مئوية على الأقل.
ومن الأمور المهمة التي تذكرنا بها إيتيين تارو المهندسة
المختصة في هندسة النماذج المتعلقة باحتياجات التكييف، ضرورة حصر الحرارة
الداخلية أو الحد منها، ويقول تاور أن إطفاء الأجهزة الكهربائية غير المستخدمة
واستبدال المصابيح الكهربائية التقليدية بأخرى ذات استهلاك قليل للطاقة،
واستبدال شاشات التلفاز الكاثودية بأخرى مسطحة ، كلها من الضروريات لخفض نسبة
الحرارة الداخلية، وبالتالي خفض معدل استهلاك الطاقة بنسبة تصل إلى 20% شهريا.
أولى النصائح المهمة للعيش في جو طبيعي بارد نسبياً في
البلاد الحارة تتمثل في تغيير بعض العادات الخاطئة القديمة، فالفكرة القائلة
بأن البناء نحو جهة الجنوب لا تجنب أشعة الشمس الحارقة هي فكرة خاطئة على حد
قول إيف موش المهندس المختص في البحث عن بدائل التكييف ويقول ان الشمس في فصل
الشتاء تكون في الجهة الجنوبية الشرقية في منطقة السمت في السماء، ما يعني أن
اشعتها تسقط على الأرض مائلة، الأمر الذي يمكننا من إيقافها بسهولة باستخدام
واقيات الشمس التي تثبت عند واجهات العمارات الزجاجية. من ناحية ثانية، يجب عدم
تركيب واجهات زجاجية من ناحية الغرب، لأن أشعة الشمس المنخفضة تسقط عمودية ولا
يمكن وقفها. ويرى موش أن اللعب على مسألة توجيه المنزل، تسهم إلى حد بعيد في
كسب عشر درجات مئوية تحت المعدلات الطبيعية.
ويشير تيري سالومون، أحد العاملين في الوكالة الإقليمية
الأوروبية للطاقة إلى أن الجدران هي المدماك الأول لأي منزل، ولذا يجب التركيز
عليها في عملية العزل الحراري، فأثناء النهار تمتص الجدران الحرارة بطريقة
تتناسب عكسياً مع سمكها وكتلتها، أما في الليل، فتفرغ الجدران مخزونها من
الحرارة نظرا لانخفاض درجات الحرارة، ويرى سالومون أن هذا النظام لا يتطلب
جدراناً كجدران الحصون، فالمسألة المهمة تعتمد في ذلك على السنتيمرات العشرة
الأولى من سمك الجدار، ويقول سالومون إنه للاستفادة من الكمون الحراري للجدار،
من الأفضل الجمع بينه وبين عازل حراري يتم وضعه من الناحية الخارجية للجدار
وليس من الداخل على الإطلاق، ويرى إيف موش أن العازل يحيط بالجدار من الخارج من
دون أن يترك أي اتصال حراري على مستوى السقفية والعمود، والمعروف أن الجدار
الأعزل من الداخل يحرر حرارته بشكل أسرع أثناء الليل، ولذا فإن الجدران
المزدوجة الطبقات أو التي يصل فيها سمك الطبقات العازلة إلى ثلاث طبقات تسهم في
خفض درجة حرارة المنزل عشر درجات على الأقل.
الحاجز الزجاجي: يذكر المهندس المعماري الشهير فرانك ليو
رايت في مذكراته أن “الزجاج جميل عندما يكون في الظل”، ولذا لابد من محاولة
تغليف الواجهات الزجاجية حتى يمر الضوء والحرارة عبرها بهدوء وبانتظام، لأن
تجنب الأشعة بشكل مباشر يجعل الغرفة أو المكتب قليلة الحرارة ومن الممكن أن
تنخفض درجة الحرارة فيها إلى 6 درجات مئوية.
أما الماء والخضرة، فهما عاملان مهمان جداً أمام المنزل
ولذا نجد البيوت القديمة تحوي في داخلها نافورة من الماء أو حوضاً واسعاً
تتشارك فيه المياه والنباتات المتعرشة وينصح المهندسون بجعل سقف المنزل نباتياً
كأن يزرع فيه حشيش وبعض النباتات ويلعب السقف النباتي بمثابة العازل الحراري
والكهربائي في حالة البرق والرعد، حيث يقوم بامتصاص الصواعق.
وتعتبر المراوح المعلقة في سقف البيت وسيلة جيدة للتهوية
لا سيما إذا ترافق ذلك مع وجود واجهتين مفتوحتين على الاقل لتوليد تيار هوائي
أثناء الليل لجعل الجو الداخلي منعشاً ولطيفا. ومن الممكن الجمع بين المراوح
والآبار الإرتوازية إن وجدت بجانب المنزل، فثمة طريقة كندية لتهوية البيت تتمثل
بوجود بئر تحت البيت يعمل على شفط الهواء الخارجي وتمريره أسفل المنزل على عمق
مترين عبر انابيب يبلغ قطرها 16 سنتيمترا.
ويقول برينو بوبورتيه إن درجة الحرارة تبقى مساوية ل 11
درجة مئوية طوال السنة جراء الكمون الذاتي الكبير لحرارة الأرض عند هذا العمق.
وعندما يتم تبريد الهواء المشفوط من الخارج، يتم إعادته ثانية إلى داخل المنزل
باستخدام المراوح المرافقة. ويمكن استخدام هذا النظام في الشتاء بعد تسخينه في
البئر ويعاد ضخه من جديد لتدفئة المنزل.
تبريد الهواء في البلاد الحارة
منذ آلاف السنين، اخترع سكان البلاد الحارة طرقاً ذكية
للوقاية من أشعة الشمس الحارقة والعمل على تبريد الهواء نظراً لعدم توفر وسائل
أخرى لتكييف الهواء الدافئ أثناء الصيف. وتعتبر المشربيات التي تكثر في بلاد
المغرب العربي ودول افريقيا كالقاهرة من الطرق الجيدة لجعل الجو الداخلي لطيفاً
حيث تعمل هذه المشربيات المصنوعة من الخشب المنقوش بعناية، على ادخال كمية
بسيطة من الهواء وأشعة الشمس، الأمر الذي يجعل الهواء بارداً نسبياً طوال فترات
الحر.
وبالانتقال إلى اسبانيا، يلاحظ أن سكان الأندلس استفادوا
من أسلوب الباحة المعمدة المشهورة عند الاغريق والرومان، حيث نجد أرجاء المنزل
بجميع غرفه وقد فتحت على باحة داخلية واسعة (أي داخل فضاء المنزل) مظللة
بالأشجار ومزينة بنافورة مرطبة للجو، وتلعب الأشجار دوراً مزدوجاً حيث تحمي
المنزل من الشمس أثناء وجودها في نقطة السمت، كما تحمل الهواء البارد للمنزل
بالاستفادة من عملية التبخر والنضح.
ومن أهم مميزات البيوت القديمة في ايران ودول الخليج،
انها تحتوي على وسائل للتبريد والتهوية تسمى البراجيل (الأبراج الهوائية)، يعود
أصل الكلمة إلى اللغة الفارسية، وهي تحريف لكلمة (بادقير) التي تعني بالعربية
مسرب الهواء أو البرج الهوائي، وللبراجيل فتحات جانبية تسمح بتسريب نسمات باردة
من الهواء من جهاتها الأربع.
ومن المرجح ان انتشارها في هذه المناطق يعود إلى حوالي
مائتي عام فقط، بدليل أنه لا يوجد أي أثر لها في الحصون الأثرية التي تنتشر في
مختلف المناطق.
وتقام البراجيل عادة فوق المنازل على ارتفاع يبلغ حوالي
خميسن متراً حيث تكون سرعة الرياح على ذلك الارتفاع أكبر بمرتين ونصف المرة
منها على ارتفاع متر ونصف المتر من مستوى سطح الأرض وينحدر البرج الهوائي
عمودياً إلى داخل غرفة سفلية، حيث ينتهي عند مترين فوق أرض المبنى. وينحصر معظم
الهواء القادم من البراجيل إلى الأسفل في المنطقة الواقعة أسفل البرج حيث تكون
أكثر المناطق برودة في المنزل، ويسهم شكل البرج على دخول الهواء من الزاويا
الأربع إلى الغرفة من جانب ويخرج بعد دورة كاملة في الغرفة من الجانب الآخر،
بمعنى أن نسمة الهواء تولد منطقة من الضغط المنخفض، الأمر الذي يسحب الهواء
صعوداً من داخل المنزل فيتم التكييف بشكل طبيعي.
وأخيراً تشتهر المباني اليونانية والتركية بغطاء من
كربونات الكالسيوم (الجبس) الذي يمثل درعاً وقائية ضد أشعة الشمس.
والجبس كالجليد، يعكس 90% من أشعة الشمس. وفي الليل
يعتبر الجبس مادة ممتازة لتفريغ الحرارة المكتنزة داخل الجدران، الأمر الذي
يجعل هذه البيوت باردة بشكل دائم.
وأيا كان تصميم البيوت القديمة، فإنها كانت دائماً عملية
ولها نكهة خاصة لا يعرفها سكان البيوت الحديثة المكيفة اصطناعيا.