
وفاء سالم محمد البوعيسي
محامية
و كاتبة ليبية
ما لذي يحدث هنا …….؟ ؟ !
سأل نفسه فزعاً وهو يحث خطاه الثقيلة لبلوغ آخر المقبرة
العتيقة …. كان يتفحص قبوره بعناية لم تفتر مذ حطت قدماه أرضها , ولكنه
اليوم تجول فيها مضطرباً لرؤية التصدعات قد دبت في كل القبور حتى لتكاد
تظهر ما تحتها .
كان يتعهد قبوره دائماً بعينيه ويديه , يسقي واحداً , ويزيل
نبات الحامول المتطفل عن الثاني , وينفض تراباً تراكم عن الثالث , وكان لا
يفتأ يقرأ شواهد القبور حتى حفظها كلها عن ظهر قلب , وعرف سبب هذه التصدعات
, إنها الخوازيق تُدق بجوار المقبرة تحفر عميقاً لإقامة بناء .
عادت الخوازيق تُدق من جديد وكبرت الصدوع …. وإذا بالموتى
ينهضون من رقادهم . حملق حارس المقبرة فيهم وهم يخرجون من الأجداث يتراكضون
في كل حدب وصوب يعلو وجوههم الفزع والهلع , ولما لمحوه واقفاً بكامل هيئته
يتأملهم سألوه متلهفين : أهي القيامة ؟
أجابهم : لا , إنها خوازيق البشر تضرب في الأرض تحفر أساساً
فيها .
هدأ الموتى ولاح على وجوههم البشر وقال كبيرهم : ظننا أنها
القيامة .
عاد حارس المقبرة يقول : أنتم مدفونون هنا في مقبرة القتلى
منذ زمن بعيد , فما قصتكم ؟ أجاب كبيرهم : لا يدفنن هنا إلا شهيد أو قتيل
ظلم .
رد حارس المقبرة : عودوا إلى رقادكم لقد توقفت الخوازيق عن
الحفر.
أجابه شاب من بينهم : لقد مللنا الرقاد ألنا أن نسألك ؟
أجابه الحارس : سلوا ما بدا لكم .
عاد الشاب للسؤال : لقد مت أنا وأصحابي في زمن النكسة فماذا
حدث بعدنا هل استعدتم فلسطين ؟
ابتسم حارس المقبرة بمرارة وهو يجيبه : نعم لقد استعدناها .
متى ؟
بعيد النكسة بقليل .
هلل باقي الموتى وسأله كبيرهم : إذا فقد عاد كل اللاجئين
والنازحين إلى فلسطين ؟
أومأ الحارس برأسه إيجاباً .
سأله رجل من بينهم : وماذا فعلتم باليهود الغاصبين ؟
أسرناهم وقتلناهم ومزقناهم كل ممزق .
سأله آخر : وأنا أحد المليون ونصف شهيد الذين ماتوا في ثورة
الجزائر فماذا حدث لأهلها ؟
إنهم في خير حال الآن .
صاح غلام من بينهم : وأنا دهسني ابن أحد المسؤولين بسيارته
فماذا صنعتم معه ؟
قر عيناً يا بني نحن نتشدد في محاسبة المسؤولين وأبنائهم
أكثر من عامة الناس .
هتفت امرأة : وأنا وأبنائي وزوجي متنا في حرب تحرير العراق
من حكم الإنجليز فماذا حدث هل تحررت العراق ؟
نعم تحررت وهي الآن دولة مستقلة .
وقال رجل آخر من الموتى : أنا وأطفالي تسممنا من مفاعل
ديمونا النووي فهل زالت آثاره يا ترى ؟ وماذا فعلتم بأسلحة إسرائيل ؟
رد حارس المقبرة بغصة وقد صعب عليه الشهداء المسألة : لقد
جردنا إسرائيل من أسلحتها وهدمنا كل منشآتها واستولينا عليها نحن وغنمناها
منهم .
ولم يعد حارس المقبرة قادراً على الاستمرار في الكذب على
الشهداء وخاف أن يسألوه شيئاً آخر فقال لهم : عودوا يا إخواني إلى مرقدكم
وقروا عيناً فنحن بألف خير لا تقلقوا على فلسطين فقد استعدناها وحررناها من
اليهود وصار القدس الشريف عاصمة لها وصارت قبلة لكل الديانات السماوية تحج
إليها , ولا تخشوا شيئاً على الجزائر فأهلها بأمن وسلام حتى لينام الرجل
منهم في العراء آمناً مطمئناً على نفسه وعرضه , ولا تخافوا على العراق ,
إنها الآن دولة حرة مستقلة وأهلها يعيشون في خير ورفاه فلقد أصبحنا وطناً
مرهوب الجانب يحسب لنا ألف حساب بين الأمم .
طفحت وجوه الموتى بالفرح وقال كبيرهم : حمداً لله فدمائنا
لم تذهب هدراً , وأنتم لم تفرطوا في أوطانكم , سنراك بيننا يوماً ولن أنسى
أن أسأل عنك يوم القيامة .
عاد الموتى إلى لحودهم وتسلل حارس المقبرة مسرعاً لا يلوي
على شيء .