www.FreeArabi.com

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 علوم و صحة

( إكتشافات و بحوث علمية )

جراحة المناظير

 تطور مذهل وآفاق رحبة

د. محمود محمد عبدالوهاب

استشاري الجراحة العامة

 مضى نحو العقدين من الزمن على ظهور العمليات الجراحية التي تجرى بوساطة المناظير الطبية، وقد أحدث إجراء أول عملية لاستئصال المرارة بوساطة المنظار سنة 1987 في أوروبا وأمريكا ثورة عارمة في ميدان الجراحة لم يسبق لها مثيل.فقبل ذلك التاريخ كانت المناظير الطبية مقتصرة على إجراء التشخيص وبعض العمليات الصغرى المتعلقة بأمراض النساء، كما لجأ اليها بعض الجراحين لتشخيص بعض الحالات الغامضة في البطن كالأورام والتكيّسات وغيرها.

 ولم تمض بضع سنوات حتى انتشرت هذه الجراحة وامتدت الى كثير من الحالات والعمليات الجراحية، وأصبح لهذا النوع من الجراحة في الوقت الحاضر وحدات متخصصة وأقسام مستقلة وكتب وأبحاث متعددة، ومؤتمرات عالمية تناقش ما يطرأ عليها من التطور والتجديد، وامتدت لتشمل العديد من العمليات الجراحية في مختلف فروع الجراحة مثل الجراحة العامة وجراحة الحوادث وجراحة العظام والأنف والأذن والحنجرة والجراحة النسائية وجراحة الأطفال وغيرها.

فبالنسبة للجراحة العامة مثلاً وبدون حصر عدا جراحة المرارة، شملت جراحة الفتوق وجراحة فتق الحجات الحاجز واستئصال الزائدة الدودية والطحال ودوالي الخصية وعلاج قرحة المعدة المنفجرة كما امتدت الى عمليات الاستئصال الجزئي للقولون والمستقيم وعمليات الانسداد المعوي، والأورام، كذلك عمليات الاستئصال العصب السمبثاوي العنقي وغير ذلك الكثير.

ولا تزال هذه الثورة الجراحية تمتد بغير حدود لتتسع لكثير من العمليات الجراحية التي كان يعد إجراؤها في السابق بهذه الكيفية ضرباً من الخيال.

وقد أثبتت الخبرة العملية ان هذه الجراحة تتمتع بالعديد من المميزات التي لا تتوافر في الجراحة المفتوحة مثل سرعة الشفاء وقصر مدة المكوث في المستشفى والعودة السريعة للعمل وما يترتب عن ذلك من التوفير في التكاليف وطاقة العمل، عدا عدم اللجوء الى الجروح وما تحتاجه من العناية بها واحتمال حدوث بعض المضاعفات كالالتهابات والفتوق الجراحية ناهيك عن الناحية التجميلية لجدار البطن وخاصة عند السيدات.

بيد ان هناك كثيراً من العوامل الأخرى التي لعبت دوراً في انتشار هذه الجراحة بهذا الشكل المثير ومن هذه العوامل توفر ما يلزم لهذه الجراحة من الأجهزة الخاصة كالمناظير والتلفزة وأجهزة دفع الغاز وغيرها، ولذا فقد اندفعت الشركات المصنعة لهذه الأجهزة في التنافس لصنع وتطوير الأجهزة المختلفة التي يسرت على الجراحين كثيراً من التقدم والتطوير للطرق المختلفة لإجراء هذه العمليات من أدوات جراحية وكاميرات ثلاثية الأبعاد.. إلخ. وذلك بدافع التسويق والربح مما حدا بهذه الشركات الى المبالغة في تصوير هذه الجراحة وكأنها البديل الأوحد عن جميع العمليات الجراحية مما نتج عنه بعض التجاوزات.

ومن هذه العوامل أيضاً التنافس في ميدان الطب الخاص وما نتج عن ذلك من المبالغة في الثناء على هذه الجراحة بدوافع غير طبية رغبة في اجتذاب المرضى التواقين للاستغناء عن الجروح والمكوث في المستشفى وما الى ذلك من متطلبات الجراحة المفتوحة.

وكان من نتيجة تلك الضغوط بالإضافة الى الحماس الزائد عند بعض الجراحين ان أدى ذلك الى نقص الخبرات الكافية في إجراء مثل هذه العمليات الدقيقة بالطرق الروتينية (القديمة) وقلة الانتقاء الدقيق للحالات المناسبة والتي تستفيد فعلاً من مثل هذه العمليات فنتج عن ذلك بعض المشكلات والمضاعفات الجراحية.

وقد أدى الاهتمام بوضع الضوابط لحدود الخبرة وتوضيح الحاجة الحقيقية لهذه العمليات من عدمها أثناء المؤتمرات الطبية ومراكز الأبحاث العلمية وذلك بالإضافة للتطور الهائل والمستمر للآلات الجراحية والكاميرات وسبل الاستغناء عن النفخ بالغاز. وابتكار الأجهزة اللازمة لمثل هذه الجراحات الى كثير من التصحيح في المفاهيم والتطبيق العملي لهذه الجراحة الوليدة وتقليل المضاعفات.

وفي هذه العجالة أردت ان ألقي الضوء على بعض العمليات التي اشتهرت بإجرائها بهذه الطريقة في مجال الجراحة العامة فقط دون الامتداد في الحديث عن العمليات التي أصبحت تجرى في فروع الجراحة الأخرى كجراحة العظام والجراحة النسائية والأنف والأذن والحنجرة وهي ممتدة وواسعة ويصعب شرحها في هذه المساحة الضيقة.

 عملية استئصال المرارة

 قالت هذه العملية الحظ الأوفر من الشهرة والنجاح والانتشار من بين جميع هذه العمليات لما حازت عليه من توفر معظم المميزات التي تجعلها تفوق الجراحة المفتوحة من حيث سرعة الشفاء وقلة الجروح والمضاعفات.. إلخ.

ويغطي استئصال المرارة بالمنظار أكثر من 95% من الحالات التي تحتاج لهذه العملية إذا ما أحسن اختيار المرضى وتوفرت الخبرة الجراحية الكافية. وقد أمكن التغلب في السنوات الأخيرة على كثير من المشكلات التي كانت تنتظر الحل قبل وأثناء هذه العملية: فمثلاً في الجراحة المفتوحة اعتدنا ان نجري وبشكل شبه روتيني تصويراً للقنوات المرارية أثناء العملية لتبيان وجود حصى بها حتى نتمكن من استخراجها جراحياً.

أما الآن فإنه في الحالات التي يتبين لدى الكشف الطبي والاشعاعي وجود الحصيات يجرى للمريض قبل العملية تنظير للقنوات المرارية والبنكرياس (ERCP) لمحاولة استخراجها بالمنظار ومحاولة عمل شق لفتحة قناة الصفراء الموجودة بالاثني عشر حتى تتمكن الحصيات من النزول الى الاثني عشر والتخلص منها عن طريق الاخراج وبعد ذلك يمكن إجراء عملية استئصال المرارة بالمنظار.

ولقد جرى تطور كبير في امكانية إجراء تصوير للقنوات المرارية أثناء العملية حتى أصبح بالإمكان عملها بشكل لا يقل سهولة عن إجرائها في الجراحة المفتوحة وذلك بفضل تطور الآلات اللازمة لذلك.

غير ان معظم الجراحين الآن أصبحوا لا يميلون لإجراء هذا التنظير بشكل روتيني بل أصبح ذلك انتقائياً للحالات الضرورية فقط أي التي يشتبه فيها من الاشعات بوجود اتساع في عنق المرارة أو المرضى الذين ظهرت عليهم أعراض الصفراء قبل ذلك.

وكان من نتيجة جراحة المنظار ان خفت حدة الحماس للطرق الأخرى كمحاولات استخراج الحصى دون استئصال المرارة سواء بالتفتيت بوساطة الذبذبات الصوتية (ESWL) أو بالتذويب بالمواد الكيماوية مثل (MTBE) فعلى الرغم من نجاح طريقة التفتيت في حالات حصى الكلى بشكل منقطع النظير فإنه لم تبلغ نسبة نجاحها في حالات الحصيات المرارية أكثر من 15-20% علاوة على ان نسبة ارتجاعها تبلغ نحو 50% حسب الاحصاءات العالمية. هذا عدا عن عدم امكانية إجرائها إلا لنحو 8% فقط من الحالات.

أما طريقة التذويب فتحتاج لمدة سنتين من أخذ العلاج المستمر وما يحتاجه ذلك من تكاليف باهظة. وكل هذه العوامل جعلت من هذه الطرق عديمة الجدوى أو تكاد في حالات الحصيات المرارية وكذلك جعلت من جراحة المنظار وما صاحبها من تخلص المريض من عناءات كثيرة تصاحب الجراحة المفتوحة أكثر تفوقاً وأصبح الأطباء أقل حاجة للجوء الى بدائل أخرى لعلاج هذه الحالات. ولذا أصبحت جراحة استئصال المرارة بالمنظار تتمتع بهذه الشعبية والقبول لدى جميع الأوساط الجراحية في جميع أنحاء العالم.

 انتشار سريع

 ولم تقتصر جراحة المناظير على عملية استئصال المرارة بل تعدتها لتشمل كثيراً من العمليات الجراحية ولا تزال تمتد أكثر فأكثر مع نمو الخبرة وتطور الأدوات اللازمة لهذه العمليات. وربما اتسع المجال لإلقاء نظرة سريعة على بعض هذه العمليات.

(1) عملية الفتق الأربي: هذه العملية سهلة بالطريقة العادية (المفتوحة) ولكنها حققت بالمنظار تقدماً فائقاً. وانتشرت انتشاراً واسعاً على الرغم من التحفظات التي أبداها كثير من الجراحين على الحاجة الى الدخول الى تجويف البطن. ووضع الشبكة الصناعية لرتق الفتق من الداخل وارتفاع تكاليف مثل هذه العملية البسيطة، بالإضافة الى انه في بعض الطرق الحديثة للجراحة المفتوحة مثل عملية “شولدابس” تكاد تتلاشى نسبة الرجوع (وهي قليلة جداً). ولكن يبدو ان سرعة تماثل المريض للشفاء واختصار المكوث في المستشفى، وتحاشي الجروح شجع كثيراً من الجراحين على التحول الى عملية المنظار كما ان التطور السريع لهذه العملية بحيث أصبحت تجرى خارج التجويف البرتوني أسهم كثيراً في تقليل الاعتراضات وسرعة الانتشار لهذه العملية الشائعة.

(2) جراحة المعدة: مع التناقص الشديد لجراحات قرحة المعدة بعد النجاح المذهل الذي تحقق لعلاجها عن طريق الأدوية مثل الزانتاك واللوزيك وغيرهما أصبحت الجراحة محصورة في الحالات الطارئة مثل نزف قرحة الاثني عشر وانفجارها. هذا طبعاً عدا الأورام بنوعيها (الحميد والخبيث) وقد تقدمت كثيراً طرق جراحة التنظير لمثل هذه الحالات وخاصة بالاستعانة بالليزر في حالة النزف المعدي بيد ان جراحة المنظار لحالات فتق الحجاب الحاجز قد استهوت كثيراً من الجراحين لتميزها الكبير من الناحية العملية عن الجراحة المفتوحة وخاصة انها تمكن الجراح من القدرة الأفضل على الوصول الى هذا المكان العميق بالاستعانة بالمنظار وقد أثبتت الخبرة العملية انها أكثر كفاءة من العملية العادية بشرط الاختيار الجيد للمرضى الذين تناسبهم هذه العمليات.

 عملية ربط المعدة لعلاج السمنة الزائدة

 وقد اشتهرت هذه العملية وذاع صيتها في السنوات القليلة الماضية حيث أمكن بوساطتها انقاص الوزن بدرجة كبيرة دون اللجوء الى الريجيم لمدة طويلة أو اللجوء الى الأدوية ومالها من المضاعفات. وهذه العملية تجرى لحالات السمنة المفرطة وبعد فشل محاولة انقاص الوزن بالطرق العادية ولذا يجب الحذر الشديد في انتقاء الحالات المناسبة لهذه العملية مما لها من المضاعفات الناتجة عن عدم الاختيار الصحيح لهذه الحالات.

كما أصبح في متناول اليد عمليات أخرى لعلاج تجاوز انسداد الفتحة البوابية بتوصيل المعدة بالأمعاء الدقيقة أو عملية توصيل المرارة بالأمعاء الدقيقة اللازمة لحالات انسداد القناة الصفراوية الناتجة عن تقدم سرطان البنكرياس وذلك عندما لا يتوافر التنظير (ERCP) الذي بوساطته يمكن توسيع الانسداد ووضع أنابيب ساندة (STENTS) مكانه وغير ذلك من العمليات التي أصبح إجراؤها بالمنظار ممكناً عدا ما يحمله المستقبل من تطور جديد.

(3) عملية استئصال الزائدة الدودية: وقد أصبحت أيضاً واسعة الانتشار على الرغم من التحفظات الناتجة عن زيادة التكاليف وإشغال غرف العمليات ووقت كبار الجراحين بمثل هذه العمليات البسيطة التي يقوم بإجرائها صغار الجراحين عادة. ولكنها قد تكون ذات قيمة في الحالات الصعبة حيث يختلط التشخيص بين التهاب الزائدة الدودية والعديد من الأمراض الحوضية وخاصة عند النساء كالحمل خارج الرحم وأكياس المبيض وبعد أمراض القولون والمستقيم.

(4) عملية استئصال العصب السمبثاوي العنقي لعلاج حالات التصبب العرقي الزائد في الابط واليدين وقد كانت هذه من العمليات الكبرى التي تحتاج لفتح الصدر وما يترتب عن ذلك من المضاعفات وأصبحت بفضل جراحة المنظار تجرى بإدخال المنظار من ثقب صغير بالصدر فاختصرت مدة الشفاء بصورة فائقة.

ومن هذا العرض السريع يتبين لنا مدى التطور الهائل الذي تحقق في هذا الرافد المهم في بحر الجراحة الواسع خلال هذه المدة القصيرة من الزمن ولكن يبقى من الصعوبة بمكان التنبؤ بأي من هذه العمليات سيصمد للزمن ويحظى بالقبول لدى غالبية الجراحين فهناك عدة شروط يحسن توافرها لتلبية هذا الغرض أهمها ان العملية المعنية يجب ان تكون متميزة وبشكل ملحوظ عن قرينتها من الجراحة العادية (المفتوحة) والا تستغرق وقتاً طويلاً لإجرائها الى الحد الذي يشكل عبئاً مرهقاً على وقت غرفة العمليات وعلى الفريق القائم على تشغيلها من ممرضات وفنيين وكذلك على فريق التخدير وغرف العناية المركزة بحيث لا يحدث تأخير أكثر من قوائم الانتظار. وأخيراً حتى لا تشكل ارتفاعاً في التكاليف بالمقارنة مع الجراحة العادية.

ومما تجد الاشارة اليه انه في خضم هذا الحماس العارم نحو عمليات التنظير يخشى ان يأتي الوقت التي تختفي فيه أو تكاد الكوارد الطبية ذات الخبرة العالية في مجال عمليات الجراحة المفتوحة. ولهذا فقد حرص كثير من المستشفيات على مواصلة تدريب الجراحين على هذه الجراحة، أو إنشاء فرق خاصة من الأطباء الاخصائيين المدربين على مثل هذه العمليات بالطريقة العادية (المفتوحة) حتى إذا ما دعت الحاجة الماسة اليهم في الظروف التي يتعذر فيها الاستمرار في إجراء العملية بالمنظار بسبب صعوبة الأداء أو النزف الشديد أو أي أسباب أخرى كان هذا الفريق جاهزاً لإجراء العملية بالطريقة العادية بدلاً من الاستمرار في عملية المنظار وما تجلبه من زيادة في المضاعفات.