مختارات قصصية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 يوم

قصة قصيرة بقلم : رنده مغربي
القصة السورية
 


                 أكتبُ إليك شاكية شوقي لك ، شاكية عروق النعناع المُغمدة في أكواب الشاي في ليلية صيفية ، شاكية هذا الوجوم الواقف على رأسي ، شاكية زمني و صورتك النائمة في طيات يدي ..
منذ رحيلك يزداد الأمر سوءاً و تتعبُني نهارات هذه المدينة الفاغرة فيها صوب الفراغ فبالأمس البعيد لما تلى رحيلك كنت
أتحضر بشجاعة لنهار ومساء ٍ وحيدين وثالثهما أنا أما الآن وفي الأمس القريب بات يرهقني مجرد التفكير بيوم سيأتي لست أنت فيه!
حتى شتلات الحبق و قامات "البمبو المحظوظة" لم تعد على عهدها الذي عرفتَها به ! تبدلت الأشياء و المسميات و طرقات مشيناها سوياً وعفى الزمن على عقد الفضة الذي أهديتني إياه فضمخه السواد!
الإثنين الفارط خرجتُ مبكرة من المنزل لم آخذ معي سوى شهاداتي الجامعية و حنيني لك .. في الطريق لجامعة باريس الثالثة بكيت بقهر وأنا أستمع لمقطع من أغنية عربية تصدح به سيارة مهاجر عربي تتغني بالأشواق
فليتك تفصح لي من وراء الغياب عن علاقة الأغنية بتاريخ العاطفة المكبوتة وأشواق المبعدين؟!
تسألني مشرفة البلوك العربي في الطابق الرابع عن جنسيتي فبشهر سبتمبر التسجيل يكون مفتوحاً على مصراعيه للطلبة الفرنسيين أما الأجانب فعليهم الانتظار لآخر العام لتبدأ دراستهم في العام المقبل صفعتني الخيبة ! ليس لأن هذا العام الدراسي فاتني بل لأنه يتوجب على الاختيار بين العمل أو الدراسة ، فالدراسة عبر المراسلة لم تتواجد بعد لدراسة الأدب المقارن .. أهبط لمقهى الطلبة في الطابق الأرضي أبتاع قهوة وأجلس في بهو الجامعة أفكر بك محدقة في الفراغ!
تتقدمُ بي خُطاي نحو معهد العالم العربي ففي القرب منه مكتبة عربية تدعى مكتبة الشرق أعتدت أن أشتري منها كُتبي الأسبوعية ، صاحب المكتبة هناك يعرفني جيداً بعصبيتي و نظراتي القاطعة التي أجول بها على الكتب يدي تنتقي بسرعة كتب و روايات تكفيني لمدة أسبوعين ، أخرج حاملة كتبي ولا وجهة لي ولا لأفكاري المتلاحقة ، أقطع جسر فوق نهر السين أرمق من البعيد كنيسة نوتردام أخفض بصري لزوارق سياحية تتهادى على صفحة الماء أتمتم بكلمات للنهر لم أفهمها!
أعارضُ حافلة أستقلُها نحو ساحة الباستيل هناك مقهانا الذي اعتدنا به شرب القهوة ، أنت تحبها بالسكر وأنا أفضلها بمرارها الذي يوقظ صحوتي لعظمة حضورك الذي أفتقده ،، يا إلهي حتى حواف فنجان القهوة تجرحني في هذا الغياب!
رياحٌ تأتي من الشرق الشمالي تُقشش ورق الأشجار الساقط و توقظ أطرافي الخدرة فيفجعني عد الأيام الفارطة من بعد الرحيل واتساءل مشدوهة كيف مسحت عنواني و أرقام هاتفي من فوق خارطة الذاكرة ؟ لم لم تبحث عني لو أحببت حقاً كما قلت!
تلوح لي زهرة النرجس من البعيد وحولها تطوف أسطورة "نرسيس" ذاك الفتى المعجب بجماله كان يأتي كل يوم لبحيرة رائقة ليتأمل حسنه على صفحة الماء حتى أغواه جماله فسقط في البحيرة وغرق ، وحين همت الملائكة بانتشال جسده لتبني له ضريحاً لم تجد إلا زهرة النرجس التي نبتت في المكان الذي كان يرتاده قرب البحيرة فخلدت ذكراه فيها وغدى النرجس ضريحاً لك لنرجسيتك المتماهية في الحضور و الغياب!
أقطع باريس من الشرق إلى الغرب صوب داري ، تزحف الشوارع على عتبة بيتي وتتحول النسمات لضجيج نهاري نزق!
أدفع الضجيج لوراء الباب و أدخل صمت جدراتي المطرزة بلوحات صينية لمواسم الخريف هُنا أُنَبتُ قمحاً و حنطة في أواني صغيرة أحادثها كل يوم كما لو أنها تمتلك آذاناً لتسمع شكواي!
لا الأناس ولا الأمكنة ولا الأفكار تبقى على عهدها كل يتبدل إلا هو ! فصاحب اليد التي كتبت قدرك كتب قدري ، كتب لنا اللقاء و أردفه بفراق ولعل وعسى يختمه بلقاء جديد حينها سأبكي ملأ خاطري لأن سنة الكون التبديل فسأكون أنا للتو خارجة من ماضينا الذي أسندته لي و رحلت بينما ستطل علي أنت ببرود الغرباء وربما ستكون ذراعك غصن تتشبثُ به عصفورة أخرى ، فهوايتك صيدُ العصافير!