
خواطر من وحي إجازة

رشا المالح*
كنت
في حاجة ماسة للسفر بعيدا.. إلى مكان فسيح رحب ألتقي
فيه مع المدى في حوار بلا حدود .. في حاجة للهروب ولو إلى حين بعيدا عن ركود
الحياة .. كنت أريد رحلة نقاهة كي تستعيد الروح ذاتها وتسترد خصوصيتها. لذا لم
أتردد كثيرا في قبول دعوة عمي لقضاء إجازتي مع عائلته في ألمانيا. ومما حلني من
مخاوف ثقل وجودي عليهم معرفتي بزوجته الألمانية التي توطدت صلتي بها لدى
زيارتهم لي في دبي وتعايشنا معا في مملكتي الصغيرة لمدة من الزمن. وكان كافيا
لطرد هواجسي أن أرجع بذاكرتي إلى حالة الفقدان التي عشتها بعد مغادرتهم دياري
ولحظات الوداع المتوجة بعاطفة حقيقية.
كان اليوم الأول من إجازتي رائعا يفوق الوصف، مطر ينهمر بغزارة، جو رمادي مشوب
ببعض الكآبة التي تحملك إلى حالة من حالات السلام الداخلي التي يبدو من خلالها
الماضي بعيدا حتى يمكن نسيانه. لم يكن يسعني وأنا أرقب الخضرة الداكنة الممتدة
لمساحات شاسعة إلا أن أشعر بهيمنة الطبيعة وسلطانها علي.
ها أنا أجلس وفنجان القهوة التركي -الذي لا أستغني عنه أينما كنت - يصاحبني في
رحلة تأملي. شمس مشرقة.. هواء نقي.. أشجار كثيفة تشع نضارة .. تغريد طيور.
قادتني خطاي إلى حديقة الزهور المجاورة للمنزل، أحسست وأنا محاطة بسحر الأزهار
من شتى الألوان والأنواع، بنشوة نادرة حملتني عاليا بعيدا عن أية رغبة في
الولوج إلى أعماقي. كنت أسيرة اللحظة، مبهورة بما تخلقه في داخلي من حبور فريد.
حالة نأت بي بعيدا عن وجودي في الماضي .. الحاضر عن أي تفكير خارج إطارها. متعة
جعلتني أشعر بأنني متحررة من الوقت، خارج الزمن ولي حرية اللهو والعبث.
وكان اليوم الثالث عطلة نهاية الأسبوع. استيقظت باكرا لأتناول إفطاري الأول مع
عمي وزوجته. وفي خمس دقائق كانت وجبة الإفطار المكونة من عدة مرطبانات من
المربى مع تشكيلة من الأجبان المطبوخة وكرات صغيرة من الخبر الطازج والزبدة
جاهزة على الطاولة. وما إن انتهيت من الكرة الأولى حتى كانا قد أنهيا إفطارهما
مع تبادل كلمات معدودة. اقترحت عليهما أن نشرب القهوة التركية التي تعني في
العديد من بلدان العالم جلسة حميمة ولقاء حقيقيا وحوارا طويلا. سكبت القهوة وما
كدت أنهي رشفتي الثالثة، حتى كان الفنجانان وصحناهما قد غسلا وجففا وأعيدا إلى
مكانهما.
بقيت وحدي في الحديقة أرقب عمي وهو يعد خلطة الأسمنت حينما عادت زوجته وقد
ارتدت ملابس الخروج لزيارة قبر والدتها. سألتني إن كنت أرغب في مرافقتها، ورغم
أنني لم أنه نصف فنجاني وافقت وذهبت معها. لم اشعر حينما دخلت المقبرة أنني
أدخل عالما معزولا أو مهجورا بل عالما يتمنى الأحياء أن يكون لهم نصيب فيه.
كانت الورود فيه أكثر جمالا ونضارة مزروعة كما اللوحات التشكيلية، شواهد القبور
المنحوتة من أنواع مختلفة من الرخام الملون الفاخر تبدو كمنحوتات فنية تستعرض
نفسها في مسابقة عالمية. وحينما غادرنا متحف الأموات كان في داخلي بقعة حزن
صغيرة.
مضت الأيام التالية مابين زيارة بعض المدن والجولات السياحية للإطلاع على
المناطق المميزة بتاريخها وطبيعتها. غير أن الفارق بين الأيام الأولى والتي
تلتها كان يتسع ويتنامى حتى بدأت أفقد صلتي بالطبيعة تدريجيا ولا أدري لماذا،
رغم أنني من المغرمين بها دائما وأبدا. أمور صغيرة عديدة جعلتني أنأى بذاتي
بعيدا عنها. وعلى سبيل المثال، في أحد الأيام ذهبت بمفردي إلى المدينة القريبة
من المنطقة التي يقيم فيها عمي، ركبت الباص الذي كان فيه بضعة ركاب فقط. وفي
إحدى المحطات صعدت امرأة عجوز مازالت تتمتع بالحيوية وخفة الحركة، جلست على
المقعد المقابل لي في الجهة المحاذية لي. نظرت العجوز إلى المقعد المقابل لها
مباشرة حيث تواجهها فتاتان لا يتجاوز عمرهما الستة عشر ربيعا. بدأت تتحدث معهما
وهي تستخدم يديها ربما لمزيد من التعبير. كان من الواضح أنها لا تعرفهما إذ لم
يبد عليهما أي تجاوب أو اهتمام. استمرت المرأة في حديثها دون مستمع، نظرت إلى
الفتاتين بتمعن غير أنني لم أر على وجهيهما أي تعبير دهشة أو استغراب. نزلت
العجوز في إحدى المحطات ومازالت مستمرة في كلامها حتى غابت عن كادر رؤيتي
وترسخت في داخلي على صورة لخوف مبهم.
وفي يوم آخر كنت بصحبة زوجة عمي نمشي في ساحة مدينة "دارمشتات" باتجاه المقهى
حينما شاهدت رجلا عجوزا، يعزف على الكمان وقربه على الأرض صندوق آلته الموسيقية
المهترىء وفيه بعض النقود المعدنية. توقفت وقد شدتني عذوبة اللحن، وعندما تنبهت
لوجودي رميت ببعض القطع المعدنية -التي ردها لي بابتسامة دافئة- ثم لحقت
بمرافقتي التي كانت تراقبني من خلف الزجاج وهي جالسة على إحدى الطاولات.
من خصوصية الأمكنة .. تاريخها .. رائحة هوائها .. أشجارها .. وجوه سكانها ..
التقاط حالات الزمنوتخزينها في الذاكرة.
كانت الجولات دوما سريعة والعودة إلى المنزل أسرع. إعداد وجبة الطعام اليومية
الرئيسية لا يتجاوز النصف ساعة فجميع الأطعمة التي تطهى تؤخذ من المعلبات ..
الطماطم .. الفاصولياء باستثناء اللحوم في بعض الأحيان. وهذا ينطبق أيضا على
دعوات العشاء، صحن من اللحوم المجففة وصحن من الخضار وبعض الحبوب المعلبة
والخبز. المرأة لديهم لا تمضي في المطبخ بمساعدة زوجها بأي حال من الأحوال ما
يزيد عن الساعة إلا فيما ندر وفي المناسبات الخاصة كحفلات الزواج.
وفي إحدى اللقاءات مع ابنة عمي المتزوجة بألماني والتي لم تزر بلد والدها سوى
مرة واحدة، حدثتني عن سفرتها تلك وكيف حاصرها الأقرباء بصرامة العادات
والتقاليد ومحاولات ترشيحها للزواج من بعض شبان العائلة كل هذا وهي لا تكاد
تزيد مفردات لغتها العربية عن بضع كلمات. كانت تحدثني وأنا أشعر بالألم فقد
تجاهل الأهل أجمل ما نتحلى به من صفات واستغرقوا في التركيز على الإطار الخارجي
الهش لحياتنا. سألتني بما يشبه الحيادية "هل من الممكن لبلدكم أن تصبح مثل
بلدنا بحضارتها ونظامها في فصل النفايات وتخصيص صناديق قمامة لكل نوع، فللزجاج
مثلا صندوق خاص وللورق آخر وللبلاستيك مثيله الخ .. أجبتها بنفس سمة الحيادية
وبقعة الحزن ازدادت اتساعا في داخلي "ربما، ولكن كيف يمكن أن نطالبهم بذلك
التخصيص إن كان رزقهم اليومي لا يكفي لملء تلك الصناديق .. والذين يحتفظون
بأكياس الورق لاستعمالها أكثر من مرة عدا عن تعاملهم مع الأكياس كقطع نادرة.."
وفضلت الصمت إلى هذا الحد عن المتابعة.
وفي اليوم الأخير وقبل ساعات من السفر، ذهبت لوداع حديقة الزهور، توقفت أمام
شجرة من الورد الجوري .. انتابتني قشعريرة ولحظة ذهول .. أحسست لوهلة أنني عدت
إلى طفولتي حين كنت أرقب كل يوم براعم الورد في ديار جدتي. دنوت من وردة أكبر
من الأخريات بغية أن أتنشق حنيني لجذوري، علني أعود بعبيرها إلى تراثي ودفء
ذكرياتي. ولكن عجبا لم يكن لوردهم رائحة .. لم اصدق .. بدأت أبحث من حولي عن أي
عطر أتنشقه لكن جميع الأزهار كانت تفتقد بعدها المتمم لوجودها .. يارب كم تفتقد
روحي ذاتها.
تدفق من داخلي طوفان حنين وعشق لجميع من أعرفهم وعرفتهم.. ذاكرتي تفتش حائرة عن
جغرافية وجوههم وعما تركه الزمن على ملامحهم من حنايا ودروب..علني في تخيلها
أرى في أحد أزقتها وحاراتها ذكرى لي .. لأيام عشناها .. ذكرى للدم العربي
المجبول بالفرح والانكسار .. بالهزيمة والهزيمة .. بوفاء اللحظة والغدر المستمر
.. مازال عشقي لهم جميعا كامنا باقيا .. لن أدعه يرحل بمسراته وجراحه .. نسياني
هجر لذاتي .. غربة لروحي .. ذكرياتي دعائم وجودي وبقائي .. أين رحلوا مضوا
جميعا .. هل هم من رحلوا .. أم أنني أنا من ارتحل بعيدا .. لا يهم فالماضي باق
في داخلي .. هناك في الركن المعتم حيث تعلو ذرات الغبار ذاكرة الشوق والحنين
لهم جميعا.
ودعني أقربائي وداعا يحمل الصفة الأوروبية .. وداعا يختلف عن حميمية الوداع
حينما غادروني .. ركبت الطائرة لأعود إلى غربة جديدة، غير أنني راضية وربما
سعيدة .. غربة المكان أهون ألف مرة من غربة المشاعر .. حر الصحراء وتشقق أرضها
أرحم آلاف المرات من تصحر العواطف وجفافها .. صقيع المساءات في مساحات الرمال
أبقى على الحياة من صقيع ذات الإنسان في الطبيعة الخضراء.
==========================
*رشا
المالح - سوريه/الإماراتٍ