
قصة قصيرة
بقلم : ريم أبو عيد
القصة السورية
استيقظت
كعادتها مبكراً ،في ذات يوم
من أيام الشتاء الذي تحبه لشعورها
أن فيه شيئاً منها .. أطلت من النافذة و
جالت ببصرها نحو السماء الملبدة
بالغيوم ،ذكرها هذا المناخ بمناخ حياتها
المعتم ، القاتم .. تساقطت
دمعة من عينيها العسليتين ، سرعان ما انتبهت لها
فمسحتها بطرف إصبعها الرفيع قبل أن
تنحدر على خدها المخملي .. و أعادت النظر
إلى السماء
التي تكاثفت فيها السحب ، معلنة عن بدء
هطول المطر .. وما هي إلا
لحظات
حتى بدأ المطر في الهطول و مع كل حبة
مطر تسقط على الأرض كانت تخرج
منها
زفرة أسى على أيام عمرها المتساقطات
كما المطر، وأوراق الشجر في
الخريف .. مرت أيامها سريعاً أمام
عينها كشريط سينمائي اختلطت فيه الصور
و الأحداث والأشخاص .. فتاهت الملامح
في ذاكرتها التي تحمل كماً هائلاً من
الذكريات الأليمة المرة .. كمرارة
حياتها و أيامها .. و لكنها ككل مرة
طردت من مخيلتها الذكريات والأشباح
التي تتراقص دوماً أمامها فتشعرها
بخوف مجهول ..تساءلت بهمسة خافته
مكتومة : "هل شعرت يوماً بالأمان؟؟" هزت
رأسها يمينة و يسرة في دلالة على
النفي، تركت النافذة و ذهبت لتعد فنجان
القهوة الذي اعتادت أن تشربه كل صباح
وحدها .. فهي دائماً وحدها حتى و
إن
كانت بين الناس .. انتهت من إعداد
القهوة ، كان البخار يتصاعد من
الفنجان ،
بينما كانت تسير بخطى ركيكة ، باتجاه
الشرفة .. ابتسمت
ابتسامة خالت لها أنها
بلا معنى ..في الوقت الذي أحست فيه بأن هذا الطقس
الصباحي هو الشيء الوحيد
الذي أصبحت تشعر بطعمه و مذاقه في هذه
الحياة ..جلست على الكرسي الهزاز أمام
الشرفة ، أسندت رأسها إلى المركى
، معلنة حالة صمت مطبق ،حيث ذهبت بعيداً
بخيالها و بدأت في التأرجح
بالكرسي في حركات خفيفة هادئة .. تماما كما أيامها
، إذ تتأرجح بها ما
بين صعود و هبوط ، بفارق أن تأرجحها
أشد عنفاً لدرجة أنه
كان يهز كيانها
ويكاد يفجره ..رشفت من القهوة بهدوء
كعادتها .. فهي اعتادت أن
ترتشف
قهوتها بهدوء لتستشعر مذاقها على مهل
.. و رائحة البن تملأ أنفها
..
فابتسمت ابتسامة أخرى يلازمها نفس
الشعور بأن لا معنى ولا سبب لها.. وكانت
في هذه الأثناء تضغط براحتيها الصغيرتين على فنجانها ، معلنة بذلك
تمسكها
الشديد به ، لكونه من أعز طقوسها ، وفي ذلك قناعة على نحو ما
بأنه الوحيد
الذي تحبه و تستطيع أن تحتفظ به لكونه
الشيء الوحيد في هذه
الحياة مباحا لها
أن تشعر تجاهه بمشاعر الحب .. ولكن
سرعان ما خفتت
فرحتها الخفية ليحل الوجوم
..
حيث دون سابق إنذار طفقت في البكاء
..
بكاء هادئ صامت ..استسلمت له.. فهو
الرفيق الوحيد لها في هذه الغربة
الموحشة .. وهو الصديق في صحرائها
القاحلة ..
بكت لحد عدم قدرتها على
إكمال فنجان قهوتها .. وضعته جانباً و دفنت رأسها
الصغير بين راحتيها
تاركة دموعها تنهمر بغزارة كما المطر
المتساقط من السماء ..ثم
رفعت
رأسها بعد أن هدأت قليلاً .. نظرت حولها و انفلتت منها ضحكة ساخرة
..
متسائلة في داخلها : "أهذا هو المآل،
نهاية حياة حافلة بالمعاناة
..
أربع جدران موحشة وغربة ووحدة .." كم
كانت الأيام قاسية معها منذ أن
كانت
صغيرة .. لم تعش كواحدة من قريناتها
الأطفال في دفء وحنان وأمان
..
كانت
دائماً وحيدة و كانت تمنى نفسها أنه
سيجيء اليوم الذي تلتقي فيه مع
قلب يضمها
و يحتويها بكل حنان ، وحب يشعرها
بالأمان المفقود .. يعوضها
عما قاسته من
حرمان في هذه الحياة .. لكن الحياة
تأبى إلا أن تزيدها
حرماناً ، وتجردها من
كل معنى جميل و كل مشاعر دافئة .. فجأة
شعرت
ببرودة تسري في أوصالها فارتجفت
كعصفور صغير يقف بلا مأوى تحت المطر
..
كأن جليد المشاعر يحيط بها من كل جانب
..
فمدت يدها لتستعيد فنجان
قهوتها علها تشعر بالدفء من حرارته .. فما أن
رشـفت منه حتى اكتشفت أن
القهوة قد فقدت حرارتها .. فقد الفنجان كل الدفء
الذي كان يحتويه كما
فقدت هي من قبل كل الدفء في حياتها ..
نظرت إليه بأسى و
تساقطت دمعة
كانت قد بقيت في عينيها في الفنجان
فأحدثت دوامة صغيرة كتلك
الدومات
التي اعتادت أن تدور فيها
..
اعتلى وجها ابتسامة ساخرة ..قامت من
مكانها وسارت تجاه المطبخ بلا اكتراث
.. راحت تسكب ما تبقى من قهوة
في
المجلى .. و نظرت إلى السائل و هو
ينسكب من الفنجان بلا أي اهتمام
..
فمنذ زمن طويل لم تعد تهتم بأي شيء في
هذه الحياة ..