

كانت
مدينة
غرين
سبورة مفروشة بالثلج ، فلم تستطع الشمس أن تنفذ من جدار الغيوم إلا قليلا،
وأتضح أن الفضاء غارق في حلكة رمادية كئيبة. اصطفت خمس سيارات شرطة تباعا على
مدخل فندق من الدرجة الثالثة وقد لفوا شريطا أحمرا لمنع الفضولين من الاقتراب،
وفي غرفة أرضية انحنى رجال الإسعاف على جثة شاب ملتح ومددوه على حمالة ثم
قادوها إلى داخل السيارة وانطلقوا تاركين الزمور يولول في الطريق. لم يكن من
المتفرجين سوى بضع نزلاء بالإضافة إلى صاحب الفندق الذي ارتدى ثيابه ذات الطراز
الهندي يؤرجح رأسه لدهشته للحدث و تعاطفه مع الشاب الذي كان نزيله قبل أن تجده
الخادمة السوداء في غرفته جثة هامدة .
تقدم شرطي من الهندي يحمل دفترا صغيرا وسأله :
-
منذ متى وذلك الشاب يقطن في هذا الفندق ؟
-
أظن منذ ثلاثة أشهر.
-
هل لديك معلومات حول موته؟
-
لا يا سيدي ، كل ما أعرفه أنه يعمل في إحدى المقاهي .
وصمت الهندي للحظة واضعا سبابته على صدغه ثم استطرد :
-
وهو أيضا لم يدفع أجرة الغرفة منذ ثلاثة أسابيع. . لكن هذا أمر عابر .
-
هل هذا كل شيء ؟
-
نعم يا سيدي ، هذا كل ما أعرفه عنه .
غادر الشرطي وانضم إلى زملائه الذين توزعوا في الغرفة سامحين لأيديهم أن تجوس
بأوراق وحاجيات الشاب. عثروا بعد بحث على ثلاث دولارات وعشرين سنتا و أوراق على
الطاولة كانت قد حررت بالعربية . أمسك أحدهم بالأوراق متفحصا، فأوشك أن يبتسم
لغرابة الأحرف المرسومة على الورق ، فقد بدت كطلاسم غامضة. وفي الزاوية وجدوا
سلة ألبسة متسخة وثلاثة كتب بالإنكليزية ، اثنان في الهندسة الصناعية والأخير
بعنوان (اللوبي الصهيوني وسيطرته على البيت الأبيض ). جمعوا المحتويات في صندوق
خاص ثم مضوا تاركين الغرفة مقفلة بالشمع الأحمر.
حتى تلك الساعة لم تتغير ملامح النهار المثخن بالثلج ، فكان على معظم السيارات
أن تسير ببطء وحذر.
و بعد فحوصات الطبيب لجثة الشاب، هيأ تقريرا يشرح فيه أن سبب الموت كان جلطة
سببت توقف القلب . وذكر أن الشاب قد عانى في السابق من تشحم حول القلب ، ثم
وضعت الجثة في غرفة حفظ الموتى داخل المشفى ريثما يتعرف أحد عليها فيقوم
بمراسم الدفن .
في اليوم الثاني علم بعض أصدقاء الشاب بما حصل فاتجهوا إلى المستشفى للتيقن من
الخبر ثم ذهبوا إلى دائرة الشرطة مطالبين بحاجياته علهم يجدون عنوان أهله و
هاتفهم . و بعد بحث عثروا على دفتر صغير للهواتف و أوراق محررة بيد المتوفى ،
كان قد كتبها إلى أهله ولم يتسن له إرسالها. فأمسكها أحدهم وشرع يقرأ منها :
أخي العزيز محمود :
لشد ما كانت رسالتك حزينة ، فقد كوت صميم القلب بأخبارها المفجعة. إن وفاة
الجدة غير متوقع على الإطلاق . ففي وفاتها يعيد الزمن مرحلة أخرى من المأساة ،
هي همزة الوصل لنا منذ أيام النزوح ، و هي الحنان الذي أحاطنا حين كنا كطيور
مقصوصة الجناح. و نحن الآن قد تقمصنا حياتها في التشرد . من حيفا إلى سوريا إلى
الكويت ، حياة قطارها التشرد و الترحال. و بالطبع نحن نعيد ذلك ، و لكن بصورة
أخرى. جدتي هي الحضن الدافئ الذي كان يكتنفنا في برد الشتاء وهي الحكايات التي
لا تنتهي. فمنذ وفاة والدتنا ونحن ننظر لها بازدواجية ، كأم تترع قلوبنا بالحب
و جدة تغلفنا بالحنان
تسألني في رسالتك ماذا أفعل في الولايات المتحدة ، لمجرد التفكير في إجابة ،
أحس بغصة في حلقي ، لأن الإجابة طريق كله شوك ونهايته هاوية. تذكر عندما تخرجت
في سنة 1978 في الهندسة الصناعية ، عدت إلى الكويت باحثا عن عمل في مجالي ،
لسوء الحظ لم أجد عملا، و بغض النظر عن الأسباب ، رجعت أدراجي إلى أمريكا من
أجل معالجة مشكلة التشحم التي أعاني منها . أما من ناحية العمل في الولايات
المتحدة فيتوجب حمل الإقامة ولتحصل على هذه الإقامة عليك الزواج من أمريكية ، و
بما أني لم أتزوج من هنا فغدا الأمر واضحا.
و من ناحية مرضي ، فأنا لم أستطع أن أزود المستشفى بمبلغ ستين ألف دولار لأني
لا أملك حتى الخمسة بالمائة منها . أقطن الآن في فندق من الدرجة الثالثة و
صاحبه من الهند ويكلفني سبعين دولارا أسبوعيا في غرفة صغيرة كصندوق أعواد ثقاب
. أعمل في مقهى صغير كمنظف عام (صحون،فناجين وغيره) و صاحب هذا المقهى رجل طيب
من أفغانستان وهو مقيم هنا منذ عشرين سنة . إني أخشى من رجال الهجرة أن يلقوا
القبض علي ويخرجوني من البلد لأني لست قانونيا . فإلى أين سأذهب عندئذ ؟إلى
أين ؟!. لقد انتهت فترة إقامتي في الكويت و الفيزا الأمريكية أيضا ، و ليس من
دولة عربية تقبلني . و ها أنا أبقى هنا كالضائع في اليم ، تنتظر أمواجه لحظة
تعبي في العوم، لتجذبني إلى دياجير أعماقه قاذفة بجثتي إلى أسماكه الجائعة.
أرني مخرجا فأني أضحيت مخنوقا بهذه الحياة المعلبة .
منذ يومين رأيت حلما ارتعدت له فرائصي ؛ وجدت نفسي هائماً في شوارع خالية من
الناس مليئة بالضباب . قادتني قدماي إلى برية خاوية ، عثرت على كوخ مدهون
بالدم ، دخلت إليه فوجدت جدتي محاطة بأشباح ينهالون عليها ضربا ، حاولت الإمساك
بهم إلا أن قوتي خانتني، من بين هؤلاء كان واحد يشبه (موشي ديان) و بعد أن
انتهوا منها استداروا نحوي ثم صرخ أحدهم : "اقتلوه" . حاولت الهرب لكن قدميَّ
تسمرتا في الأرض . تكوموا حولي واضعين أيديهم على عنقي ولا أدري كيف فررت منهم
خارج الكوخ ، ثم انفتحت أمامي صحراء أبدية لا تحدها إلا السماء ، أعدو من
دون هدف ، وأخيرا لمحت أعرابيا ملثما يقود ناقة هزيلة فشعرت بالغبطة للحظة
اعتقادا مني أن الله قد أرسل هذا الرجل كخلاص لي. وعندما انتحيت منه ضممته إلى
صدري ، لكنه لم يتأثر بل خلع اللثام فبان شكله الشيطاني و قرونه الغليظة ثم
أمسك بيديه رقبتي يريد أن يخنقني ، فاستيقظت على اثر ذلك الكابوس ، و كنت فعلا
أحس بضيق تنفسي وضعضعة في جسمي . فالمأساة تهاجمني حتى في النوم .
أخي العزيز، لا أريد إزعاجك أكثر من ذلك. فكيف حال والدي وزوجتك وأطفالك. أما
متى سأزوركم كما سألتني في الرسالة ، فهذا لا يعلمه إلا الله وليس في مقدوري
تحديده. و إلى الملتقى.
أخوك سمير –
حررت في 17 كانون ثاني 1989 .
وبعد أن فرغ الشاب من قراءة الرسالة ، صمت قليلا يسترجع عباراتها ، ثم بحث في
الحاجيات عن رقم هاتف أهل المتوفي و قرر إبلاغهم بما حدث وعدم الإسهاب بالموضوع
والتقيد بكلمات استعد أن يقولها تناسب الأوقات المأساوية كهذه . فمن الرزانة أن
لاينوه في حديثه عن تفاصيل الشحن والدفن. فهو أقرب الأصدقاء للمتوفى. وقد وجد
من الضرورة أن يذهب إلى المشفى ويطلع إلى الفاتورة. وعندما خرج إلى الشارع رأى
أن معظم طرقات المدينة قد تلاشى الثلج عنها، إلا من سطوح البيوت والأماكن
المرتفعة. فقد انبسطت الشمس في السماء ، ذات الزرقة الباهتة لتذيب لحاف الثلج
.
في تلك الآونة ظهرت مقالة في الصحيفة الأمريكية المحلية عن الشاب بعنوان (
فلسطيني يموت وحيدا ) ويسترسل الصحافي بأن الشاب المتوفى أحب البقاء هنا إلا أن
أمريكا لم تحبه وتركته في غرفته الحقيرة يموت ككائن لا ينتمي إلى هذه الأرض .
وذكر الصحافي على لسان بعض أصدقاء المتوفى ( نحن الفلسطينيون أضحينا كالأسماك
التي أخرجت من الماء) ، ثم يذهب أكثر لشرح مأساة الشاب بأنها قمة المعاناة ،
لكنه أختتم مقالته بأن ذلك عبارة عن حادثة و ليست ظاهرة .
مضى بضع أيام و الجثة في ثلاجة المشفى ، فقد قدموا لصديق المتوفى فاتورة مفصلة
كتب في أعلاها بخط واضح (يتوجب الدفع مقدما) و هي تزيد عن الأربعة آلاف
دولار، إنها صدمة ، فهو لا يملك هذا المبلغ. وعندما طلب من خط الطيران الأسعار
لشحن الجثة. وافوه بفاتورة مفصلة كتب في آخرها بخط عريض ( يتوجب الدفع
مقدما).
خرج من مكتب الطيران إلى الشارع وجلس على الرصيف وقد أخفى رأسه بين يديه وهو
مستغرق في مسألة واحدة لا يحيد عنها . . كيف سيدفع كل هذه المبالغ مقدما ؟!.