مختارات قصصية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

وهم الحقيقة

قصة قصيرة بقلم  :عبد العزيز الرواف

الفوانيس

          صدفة عابرة ساقتها في طريقة ، لم يعرها انتباها بادئ الأمر ، فكثيرا ما تسوق الصدف في طريقنا أموراً نحبها ، وأخرى نكرهها ، وتضع في طريقنا نماذج من البشر قد يروقون لنا ، وقد نسقطهم من حنايا الذاكرة مع سبق الإصرار والترصد ، لم تكن المرأة الوحيدة في حياته ، وهذا الأمر لم يتفرد به وحده ، فكل الرجال يكذبون عندما يخاطبون المرأة ،أنت أول امرأة في حياتي ، ألم تكن لهم أمهات ، الأمهات لهن دور في الحياة ، صديقات ، زميلات ، وحتى الجارات ، كل امرأة منهن تترك في حياة الرجل بصمة ، وتوسم حياته بشكل من أشكال الدور النسوي فيها ،ولكن من باب التزلف ، فكل الرجال يخاطبون المرأة التي يشعرون بطرق عنفوانها على قلوبهم ،أنت المرأة الوحيدة في حياتي ، لو قالوا لكل منكن في قلبي أو مشاعري نصيب مختلف لكانوا أصدق تعبيرا .
كان في منتصف عمره ، ربما هذا تعبيرا فيه الكثير من الغلو أيضا ، فلا أحد منا يعرف كامل عمره ، حتى يحدد نصفه ، ولكن أصبح قولا دارجا ، فلا بأس أن يستعمله البشر عنوانا مريحا لكل إنسان وصل لتخوم الخمسين ، ومع هذا لا يزال يضج برجولة قوية ، مستقر في حياته ، خاض تجارب عديدة في ريعان شبابه ، مع كثير من بنات حواء ، السمراء منهن والشقراء ، العربية والأوربية ، بائعات الهوى ، وبائعات الجوى ، ذرف دموعه على الكثيرات ، وذرفت الكثيرات عليه دموعهن ، خاض غمام العشق بمختلف ألوانه ، عشق مع أبطال الخيالة العربية في حقب الرومانسية ، وتمتع بأطايب العشق عندما حفظ أشعار نزار ، وجرب كل لون من ألوان العشق مع كل تغير في الأماكن والفصول .
هدأت بمرور السنيين جذوة الانجذاب ، وصارت حواء لا تعني له أكثر من أم، أو جارة ، وفي أقرب ما تكون إليه زميلة في العمل ، يحدثها بصراحة عن مشاكله ، وتحدثه بدون خجل عن مشاكلها التي تنتابها من شركاء العمل ، أوحتى من شريك غرفة النوم ، ثم صارت المرأة في حياته زوجة لا يستطيع أن يصنف مشاعره نحوها ، ومع هذا صارت سببا مهما في حياته ، ولذلك انقلب نهمه لبنات حواء إلى فقد للشهية ناحيتهن ، إلى أن ظهرت هذه فجأة في حياته ، لم يميزها في البداية أي اختلاف ، ما هو السبب الذي جعل مغناطيسية الأيام الخوالي ، تعود لقوتها ، وتعمل على جذبها ناحيتها ، ربما عقلها الأكثر تفتحا ، ربما تمنعها ، ربما رفضها لكل الرجال ، حاول طرد كل هاجس يلح بقوة لكي يجذبه للالتصاق بها ، يطرد خيالها فيتجسد واقعا أمامه ، يهرب بجسده بعيدا عنها ، يزداد قلبه التصاقا ، صارحها ، قرأ فرحا في عينيها ، ثم يلجم خوفا عميقا مشاعرها ، أنكرت ، ازداد ولها بها ، حاولت أن تصل إلى بر الأمان ، رجته ، فأنكر عليها ، حاولت تفسير ما يحدث له بطريقة اقرب للخيال ولحكايات ألف ليلة وليلة ، فكان يلجم كل حجة لها بقناعات تعلمها من تجارب تزيد عن ألف تجربة وتجربة .
إصرارها الغريب ،بدأ يقشع عن عينيه غيوم الهيام ، حاول تفسير ما يحدث له ، أصبح على حافة الجنون ، حاول أن يهادن مشاعره ، ألبس حبه ثوب الصداقة ، مكتفيا من غنيمة هذه التجربة الغريبة بإياب الحديث معها ، هي تعارك داخلها ، بين انجذاب حاد ، وعقل يسعى لتفسير الأمر على حقيقته ، هي تريده لكن في زمان غير الزمان ، ومكان غير المكان ، وهذه من المستحيل بمكان ، تدور أحاديثهما عن كل شيء ، وتفضح كلماتهما رغبتهما الدفينة ، وإن كان هو كعادة الرجال لمح وأوضح وصرح ، فهي تدور ،وتدور ، حول الأمر كفراشة تهفو للنور ، ولكنها تملك عقلا ليس بحمق عقل الفراشة ، حيث أنها لا تقترب كثيرا كي لا يحرقها وهجه ، بقايا أنفة تحركت داخلة لتئد كل مشاعرة الثائرة بعد خمودها العظيم ، قررالاكتفاء بما حدث له ، ابتعد محاولا النسيان قدر الامكان ، بدأت تشعر بالفراغ ، صارت تهرع إلى كل الأماكن التي التقيا عندها ، كان يحوم من بعيد يراها تدور وتدور ، تتفرس في وجوه كل العابرين ، تذرع كل الشوارع ، صبره بدا ينفذ ، رجلاه تقودانه بقوة نحوها ، أطل من بعيد على المكان المحبب للقائهما ، قفز قلبها إلى حلقها ، ارتعش كل شبر في جسدها ، أمسك يديها برقة ، انهمرت دموعها ، ارتجف لسانها ، نطقت تغالب مشاعرها : أحبك ... وغابا في قبلة طويلة حارة ..