
قصة قصيرة بقلم
:عبد
العزيز الرواف
الفوانيس
صدفة
عابرة ساقتها في طريقة ، لم يعرها انتباها بادئ الأمر ، فكثيرا ما تسوق الصدف
في طريقنا أموراً نحبها ، وأخرى نكرهها ، وتضع في طريقنا نماذج من البشر قد
يروقون
لنا ، وقد نسقطهم من حنايا الذاكرة مع سبق الإصرار والترصد ، لم تكن المرأة
الوحيدة
في حياته ، وهذا الأمر لم يتفرد به وحده ، فكل الرجال يكذبون عندما يخاطبون
المرأة
،أنت أول امرأة في حياتي ، ألم تكن لهم أمهات ، الأمهات لهن دور في الحياة ،
صديقات
، زميلات ، وحتى الجارات ، كل امرأة منهن تترك في حياة الرجل بصمة ، وتوسم
حياته
بشكل من أشكال الدور النسوي فيها ،ولكن من باب التزلف ، فكل الرجال يخاطبون
المرأة
التي يشعرون بطرق عنفوانها على قلوبهم ،أنت المرأة الوحيدة في حياتي ، لو قالوا
لكل
منكن في قلبي أو مشاعري نصيب مختلف لكانوا أصدق تعبيرا
.
كان في منتصف عمره ،
ربما هذا تعبيرا فيه الكثير من الغلو أيضا ، فلا أحد منا يعرف كامل عمره ، حتى
يحدد
نصفه ، ولكن أصبح قولا دارجا ، فلا بأس أن يستعمله البشر عنوانا مريحا لكل
إنسان
وصل لتخوم الخمسين ، ومع هذا لا يزال يضج برجولة قوية ، مستقر في حياته ، خاض
تجارب
عديدة في ريعان شبابه ، مع كثير من بنات حواء ، السمراء منهن والشقراء ،
العربية
والأوربية ، بائعات الهوى ، وبائعات الجوى ، ذرف دموعه على الكثيرات ، وذرفت
الكثيرات عليه دموعهن ، خاض غمام العشق بمختلف ألوانه ، عشق مع أبطال الخيالة
العربية في حقب الرومانسية ، وتمتع بأطايب العشق عندما حفظ أشعار نزار ، وجرب
كل
لون من ألوان العشق مع كل تغير في الأماكن
والفصول
.
هدأت بمرور السنيين جذوة
الانجذاب ، وصارت حواء لا تعني له أكثر من أم، أو جارة ، وفي أقرب ما تكون إليه
زميلة في العمل ، يحدثها بصراحة عن مشاكله ، وتحدثه بدون خجل عن مشاكلها التي
تنتابها من شركاء العمل ، أوحتى من شريك غرفة النوم ، ثم صارت المرأة في حياته
زوجة
لا يستطيع أن يصنف مشاعره نحوها ، ومع هذا صارت سببا مهما في حياته ، ولذلك
انقلب
نهمه لبنات حواء إلى فقد للشهية ناحيتهن ، إلى أن ظهرت هذه فجأة في حياته ، لم
يميزها في البداية أي اختلاف ، ما هو السبب الذي جعل مغناطيسية الأيام الخوالي
،
تعود لقوتها ، وتعمل على جذبها ناحيتها ، ربما عقلها الأكثر تفتحا ، ربما
تمنعها ،
ربما رفضها لكل الرجال ، حاول طرد كل هاجس يلح بقوة لكي يجذبه للالتصاق بها ،
يطرد
خيالها فيتجسد واقعا أمامه ، يهرب بجسده بعيدا عنها ، يزداد قلبه التصاقا ،
صارحها
، قرأ فرحا في عينيها ، ثم يلجم خوفا عميقا مشاعرها ، أنكرت ، ازداد ولها بها ،
حاولت أن تصل إلى بر الأمان ، رجته ، فأنكر عليها ، حاولت تفسير ما يحدث له
بطريقة
اقرب للخيال ولحكايات ألف ليلة وليلة ، فكان يلجم كل حجة لها بقناعات تعلمها من
تجارب تزيد عن ألف تجربة وتجربة
.
إصرارها الغريب ،بدأ يقشع عن عينيه غيوم
الهيام ، حاول تفسير ما يحدث له ، أصبح على حافة الجنون ، حاول أن يهادن مشاعره
،
ألبس حبه ثوب الصداقة ، مكتفيا من غنيمة هذه التجربة الغريبة بإياب الحديث معها
،
هي تعارك داخلها ، بين انجذاب حاد ، وعقل يسعى لتفسير الأمر على حقيقته ، هي
تريده
لكن في زمان غير الزمان ، ومكان غير المكان ، وهذه من المستحيل بمكان ، تدور
أحاديثهما عن كل شيء ، وتفضح كلماتهما رغبتهما الدفينة ، وإن كان هو كعادة
الرجال
لمح وأوضح وصرح ، فهي تدور ،وتدور ، حول الأمر كفراشة تهفو للنور ، ولكنها تملك
عقلا ليس بحمق عقل الفراشة ، حيث أنها لا تقترب كثيرا كي لا يحرقها وهجه ،
بقايا
أنفة تحركت داخلة لتئد كل مشاعرة الثائرة بعد خمودها العظيم ، قررالاكتفاء بما
حدث
له ، ابتعد محاولا النسيان قدر الامكان ، بدأت تشعر بالفراغ ، صارت تهرع إلى كل
الأماكن التي التقيا عندها ، كان يحوم من بعيد يراها تدور وتدور ، تتفرس في
وجوه كل
العابرين ، تذرع كل الشوارع ، صبره بدا ينفذ ، رجلاه تقودانه بقوة نحوها ، أطل
من
بعيد على المكان المحبب للقائهما ، قفز قلبها إلى حلقها ، ارتعش كل شبر في
جسدها ،
أمسك يديها برقة ، انهمرت دموعها ، ارتجف لسانها ، نطقت تغالب مشاعرها : أحبك
...
وغابا في قبلة طويلة حارة
..