الأدب  ( 7 ) - الشعر و الخواطر الشعرية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

وعاد يوم مولدي

 خاطرة بقلم : سعد ناصر الدين

العربي الموحد

        بعد أربعة أشهر من الآن، سيصادف المرة السادسة والستين من مجيء مثل هذا اليوم: يوم ولدت قبل ست وستين سنة!!!. . .
سيتصل بي الأصدقاء، فكثير منهم قد حفظ هذا التاريخ، وسيتهافت على وجنتي ورأسي أبنائي وبناتي، يطبعون قبلهم يقول بعضهم: كل سنة وانت سالم يا والدي، وتقول آخريات: كل سنة وأنت بخير يا بابا.ويتصل هاتفيا أحد ابناي المغتربان، يهنئون بهذا اليوم، الذي جاء به والدهم للحياة، ويتهافت حفيد ليأخذ السماعة ويقول: جدو، كل سنة وانت سالم.أو تسبقه حفيدتي وتعيد الجملة بلكنة الأطفال، وسأتلقى الهدايا من زوجتي، فقد اعتادت على ذلك، ومن بعض أبنائي وبناتي..كل منهم يهنئون بهذه المناسبة: ست وستون سنة، رقمان متشابهان، يجثمان بجوار بعضهما. . . لا مجال للشك في العدد، رقمان فيهما 6 و 6، وليسا 33 مثلا، ولا حتى 55، . . وأفكر........ أحقيقي هذا الرقم؟
لا، فما هي إلا أرقام، مجرد أرقام، لا أظنها تعني تاريخا معينا... أو هي أمور بيروقراطية، وأوراق تتعلق بدفتر العائلة أو جواز سفر أو ديوان الخدمة المدنية: هي أرقام لا بد لها للتقاعد، وهو الجانب الاجتماعي الذي ليس علينا إنكاره أو رفضه. . .
أما على صعيد الشعور والإحساس السيكولوجي، فإني وبكل الصراحة، لا أعترف بهذين الرقمين، ستة وراءها ستة. فإني لم أشعر بأني عشت ست وستين سنة. . لا أذكر ذلك، لا أذكر أنني عشت كل هذه المدة.... وإن كان لا بد لي من الإعتراف بعدد السنوات التي ربما عشتها، فإني سأعترف بأربعين منها فقط، ( سمها العمر السيكولوجي إن شئت) وعند الضرورة، وإذا ما تم الضغط عليّ، فإني سارفع المدة إلى...........إلى أربعين مثلا، لا غير، ولن أضيف إلا إن كانت سنة أخرى أو سنتين، أما الباقي من السنوات، فإني لا أعترف بها، وقد تكون قد مرت بجانبي دون أن أشعر، قفزت فلم أرها... فهي إما مرت بينما كنت هنا أو هناك، أجول وأصول، مع أصدقاء كانوا لي، أثبت الزمن أنهم ليسوا كذلك. والأهم من هذا كله، أنني كنت أحس أنني أمتلك الزمن كله، وإن عشرين أو ثلاثين سنة من هذا الرصيد، ليست أكثر من فلسات، هللات أو حتى سنتات في التقدير المادي.
لا أعترف، ولو أنني بدأت أسمع منذ مدة طويل عبارات لم أكن أعيها بادئ ذي بدء، مثل: أهلا بالشيخ، تفضل عمي، حجي، عمي الحاج، أسمعها من الأقارب ومن الأغراب، في السوق، في المحافل في الأفراح أو حتى في الأتراح، وكنت أثناء هذه النداءات، أتخيل أن المقضود شخص آخر غيري.
كيف ينادونني : عمي، الشيخ، وأنا لست ملتحٍ حتى الآن، ولا أحمل عصا ولا حتى يصدر عني ذلك السعال (إلا قليلا) كما أنني لست متصابيا، فشعري الفضي وملابسي العادية لا تنبئ عن هذا الوصف أو ذاك.
وأعود عدة سنوات للوراء، قد تكون أربعين أو ثلاثين فأتذكر الأصحاب أتذكر اللهو ولعب الكرة، الركض والسباقات، ركوب السيارة للتنزه على أطراف البحر الميت، أو في غابات الوطن ، حول الجداول والينابيع، ورائحة اللحم المشوي تعبق في الأرجاء... أتذكر كل هذا وذاك، ثم تخطر ببالي مقولة الكاتب الأمريكي الساخر: مارك توين، إذ قال: لماذا لا نفرح بالميلاد ولا نحزن للموت، ذلك أننا لسنا المولود ولا المتوفى.
وأقارن بين قوله وقول المسلم الذي لا يفرح لمولده، ولا يحزن لموته، لأن المؤمن بعد موته، له حياة الجنة، مخلدا فيها، فهل سأكون من روادها، إذن، فإن كل الأرقام مهما كبرت، ستؤثر على نفسيتي ، وسأبقى كما أوصانا ديننا : أعمل كأنني أعيش الدهر أبدا.