
قصة قصيرة
عصام ابو فرحه*


رائحة
الورود والعطور تختلط برائحة البخور , غطاء سرير أبيض وستائر بيضاء
صبغت جميعها بلون أحمر ينعكس من مصباح معلق في السقف , فغدت الحجرة
وكأنها قطعة من عالم سحري , تلك الحجرة التي جمعته
بابنة عمه وردة بعد أن ( أنزلها عن الفرس ) ,
وفي العرف لا غرابة أن ينزل ابن العم ابنة عمه عن الفرس ,
وردة , اسم على مسمى ففيها من كل صفات الورود , جمالها , سحرها , رقتها
, حتى ضعفها واستكانتها , حيث لم تستطع الدفاع عن نفسها , ولم تصمد
أمام تيار العادات وتقاليد العائلة , فانحنت وقبلت أن تكون زوجة لابن
عمها فارس , وهو أبعد ما يكون عن فارس الأحلام الذي رسمت صورته في
مخيلتها منذ سنين ,
جلس فارس على طرف السرير بينما كانت وردة تجلس على الطرف الآخر , نظر
إليها بحلتها البيضاء فخالها ملاك جاء من عالم آخر , حاول أن يقترب
منها فلم تسعفه قواه , حاول أن يتكلم ليقطع الصمت السائد منذ ساعات فلم
تطاوعه الكلمات , ماذا يقول وما كان يوماً يستطيع قول كلمتين منسجمتين
أو جملة مفيدة , ماذا يقول وهو من يعرف وردة و ثقافتها و عذب حديثها ؟
أحس بقواه تتهاوى أمام ضعفها , فاختار أن يلتزم الصمت وأن يفلت لفحولته
العنان كي تعيده بطل الليلة وسيد الحجرة الحمراء , لكن فحولته أيضاً
تهاوت وأعادته يجلس حائراً مهزوماً حيث كان ,
أشعل سيجارته وبدأ ينفث دخانها كتنين هائج , فاختلطت رائحة التبغ
برائحة الورود ورائحة العطور وأعواد البخور , تصبب عرقه غزيراً وخرج
صوته كقصف الرعود :
ما بك تنظرين إلي هكذا ؟ أنا رجل رغم أنفك بل أنا سيد الرجال , لكن هذه
الحجرة بألوانها البيضاء والحمراء تخطف بصري وتشتت تركيزي , وهذه
الروائح تزكم أنفي وتضعف قواي , أراك لا تصدقين ما أقول ؟ قلت لك أنا
سيد الرجال ,
كثور هائج أعاد المحاولة , أعادها جولات وجولات ليعود مهزوماً عاجزاً
يقبع في مكانه بعد كل جولة , يتصبب عرقه ويشعل لفافته وينفث دخانه
ليختلط برائحة الورود والعطور والبخور,
ظل على حاله حتى بدأت خيوط الشمس تتسلل من النافذة لتطغى على ضوء
المصباح وتحد من حمرته ولتعلن استقبال ( صباحيته ) , وبدأت أصوات
النسوة في الخارج تنساب من باب الحجرة , حيث بدأن بتحضير طعام العروسين
, أصوات بعض الأقارب من الرجال بدأت تنساب إلى الحجرة أيضاً ,
قبل اجتماع حشود الأقارب لدق الباب – كما هي العادة – هرع الجميع إلى
باب الحجرة وقد أفزعهم صوت عيار ناري , وقبل أن يدق أحد الباب خرج فارس
مرفوع الرأس وقال :
وردة لم تكن بكراً , نعم ابنة عمي لم تكن بكراً , وقد غسلت عاري ,
بعد تلك الكلمات اختلطت في المكان أصوات نحيب وأصوات زغاريد , وانبعثت
من الحجرة روائح العطور والبخور وقد اختلطت مع روائح الورود والبارود .

=========
*
عصام أبو فرحة - فلسطين
esamquu@yahoo.com
=========
تعقيب
و هكذا أثبت رجولته الزائفة ببارود مسدسه ، و قد دارى ضعفه بالقوة
المزعومة
أخي الكريم عصام
أجدت و أبدعت
نزار