مختارات قصصية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 وردية

قصة : بقلم  محمد عطية محمود*

عن أفق

 

لم أر من خلال الظلام الدامس إلا بياض عينيه المشعتين بضوء خاطف، بينما تغتال أذنىّ موجات نباحه. خطواتي المقطوعة من حدود أسفلت الطريق، المتوغلة في عمق المدق الترابي ـ منذ لاحت لافتة محل العمل الفوسفورية على البعد ـ انقطع سعيها قسرا قبل عشرات من الأمتار تفصلني عن مصدر النباح، وتطاير الشرر.
"
سوف تكون ورديتك الأولى ليلية، بعيدا عن جلبة العمل النهاري المضاعف"
هزتني كلمات الرجل الودودة كملامح وجهه الصافية، دون النظر إلى ساعات انتظاري؛ كي يفرغ لي، وتنبسط يده؛ لتتقاطع مع أشعة الشمس الصباحية، المخترقة لزجاج شرفة مكتبه، حتى يستطرد:
"
لن يرهقك الوصول إلى المكان، رغم تطرفه إلا أن المواصلات المتوافرة توصلك إلى ناصية التقاء شارعه مع الطريق الرئيسي.."
تمثل لي صوت النباح.. يأتي عن شمالي مباغتا، تهتز له أوصالي، ويرتج نصفى الأيسر بارتعاشة يلتف معها جسدي مواجها فما بشعا.. يفغر على أسنان متحفزة للانقضاض، وحوافر تشرع في الوثوب. لكنني تحسست فخذي مطمئنا، بينما يدي الأخرى تأتنس بحقيبة كتفي ـ المشغولة بملابس عملي، وبعض الشطائر، و (ترمس) الشاي الساخن ـ وعيناى تجوسان في الظلام البارد.. تدوران مع دوائره المتداخلة، ثم ترتدان إلى الخلف.. تشحذان الضوء المتخلف عن أعمدة الإنارة المتنائية على حافة الطريق، فتلفح وجهي برودة مغايرة، ويزداد النباح؛ فترتد نظراتي مشرئبة إلى الأمام؛ لعلها تصطدم بأحد الخارجين من الوردية، أو القادمين من مسارب أجهلها.
كاد الوقت يجاوز ميعاد التبديل، ولم يبد أحد. ساورتني فكرة الارتداد، لكنني تغاضيت عنها خوفا من انقضاضة مباغتة، وازداد تشبث قدمي بالأرض. لمع ضوء خافت عن يميني؛ فانطلقت عقيرتي.. تفارق صمت الإحساس، وكلما علا صوتي كلما زاد النباح، وانقدح الشرر، واضمحل الضوء، وتسربت البرودة تخترق مسامي...

*محمد عطية محمود / عضو اتحاد كتاب مصر
Alattia2003@hotmail.com
Menna_68@yahoo.co.uk