

إبراهيم الدرغوثي
إهداء
إلى صهري : محمد بن فطوم
و إلى رفاقه عمال المناجم
في قفصة
في تونس
و في كل بقاع الأرض

فاتحة
... و في الصحراء قال الغيب لي :
أكتب
فقلت : على السراب كتابة أخرى
فقال : أكتب ليخضر السراب
فقلت : ينقصني الغياب
و قلت : لم أتعلم الكلمات بعد .
فقال لي : أكتب لتعرفها
و تعرف أين كنت ، و أين أنت
و كبف جئت ، و من تكون غدا
ضع اسمك في يدي و اكتب
لتعرف من أنا ، و اذهب غماما
في المدى
فكتبت : من يكتب حكايته يرث
أرض الكلام و يملك المعنى تماما
محمود درويش
من ديوان " لماذا تركت الحصان وحيدا "
تنبيه
الإهداء ، و الفاتحة ، و عناوين الفصول ،
و الحواشي ، و ما جاء في الأبواب من تعليقات
و تفسير و شرح قد يبدو فيه للقارئ كثير من الحشو
و التقعر ، هو من وضع الكاتب و لا دخل فيه
لسارد / لساردي هذا النص.
بهذا وجب التنبيه
الفصل الأول
باسمك اللهم أدخل
هذه القرية آمنا
الباب الأول
و فيه حديث عن عودة " عزيز أمه " إلى عتيقة * التي غادرها و هو شاب للعمل
في مناجم الفسفاط التي حفرها الرومان في قرط حدشت ** بعد الاستعمار الجديد
لبلاد " افريقية " في عهد مولانا المعظم علي باشا باي دام عزه.
و أخبار عن العذابات التي سامها باي المحال لوالد " عزيز " و ما لاقاه
الأهالي من تنكيل يشيب لهوله الولدان
التفت " عزيز السلطاني" يبحث عن عجوزه . رآها واقفة
فوق قاعدة تمثال الجدة في وسط الحوش . اقترب منها فسمع نهنهتها و رآها تعض
على قماش تنورتها القطني و تبكي . أمسك بيدها الصغيرة و أنزلها برفق من فوق
قاعدة التمثال و قادها إلى الغرفة الشرقية التي أعاد تأثيثها بما يكفي
عجوزين . أنامها على السرير ، و جلس قربها على حافة الفراش يستمع إلى
لهاثها و أنينها المتقطع.
أعرف أن الرجاء و التعنيف لن يفيدا في إسكاتها ، و أعرف أنها لن تعود إلى
الهدوء إلا إذا وضعت جمرة فوق جبهتها ، فتأخذها قشعريرة في كامل بدنها ، ثم
تهمد و تنام كما ينام أصحاب الكهف . تدخل في نوبة سبات قد تطول عدة أيام ثم
تفيق وحدها عندما ينادي المؤذن لصلاة الصبح.
هي هكذا دائما فكأن ناقوسا يسكن رأسها ليدقه مع انبلاج الفجر.
صوت المؤذن يرتفع عاليا،حنونا ،دافئا ، و يصعد على درجات من نور إلى السماء
السابعة لا يزعجه سوى خشخشة جهاز التسجيل . و المرأة النائمة قبالة " عزيز
" على السرير تفتح عينيها و تعود إلى الحياة ، فتذهب إلى وسط الحوش لتغرق
رأسها في حوض الماء البارد ثلاث مرات ثم تنزع عنها الثياب و تصب الماء على
أم رأسها صبا متواصلا ليغمر كامل بدنها و يتحول إلى بركة صغيرة تخوض فيها
برجليها الحافيتين .
و تحط طيور الصباح على رأسها و على كتفيها و هي تسبح الباري بآلاف الأصوات
ثم تنزل على الأرض لترتوي من ماء الجنة.
و تختطف المرأة دلوا ترمي به في قعر بئر مهجورة. و البئر تفتح على ماء زمزم
، بئر جافة منذ عشرات السنين و قعرها يابس كباطن الكف. و لكن الدلاء التي
ترمي بها المرأة في جوفها تنزل فارغة و تصعد ملأى بالماء الزلال.
و تواصل المرأة طقوسها العجيبة . تتطهر بالماء إلى أن يشق قرص الشمس جبهة
السماء ، فتذهب تحت نخلة الأجداد، تدور تحتها بلا ملل وهي تتمتم بصلاة
حفظتها من العبيد الذين تربت بين طبولهم . تدور حول النخلة ساعات طوالا إلى
أن يهدها التعب فتخفت حركتها و تفتر همهمتها و تسقط على الأرض من الإعياء.
و يجف ماء البئر مرة أخرى . و يعود قعرها يابسا كالأرض اليباب ، فتطير
الطيور عائدة من حيث جاءت. و يقف الرجل في وسط الحوش ماسكا برأس عجوزه بين
يديه يجفف لها شعرها و يرمي على بدنها بقايا كسوة قديمة مطرزة بخيوط الذهب
و يعود بها إلى الدار الشرقية ليجلسها على كرسي أمام طاولة فتبتلع لقيمات
قليلة من الخبز المغموس في العسل ، و تشرب جرعة ماء ، ثم تتشهد و تحمد الله
على السلامة.
هي هكذا دائما منذ علقت روحها روحي.
يوم مات أبوها – و كانت بنت عشر و ثلاث – رماها والدي ورائي فوق صهوة
الحصان و قال:
- زوجتك فاطمة ، ابنة عمك يا ولد. هي حلالك منذ هذه اللحظة فحافظ عليها كما
نحافظ على نور عينيك و لا تفجعني قيها فجيعتي في والدها.
و لكز الجواد الذي كنت أتدرب على ركوبه لكزة خفيفة ، فعدا خببا . و خاصرتني
البنت فدق قلبها وراء ظهري ة خفق كرف الحمام المفجوع. ليلتها، ليلة بنيت
بفاطمة ، كان أبي يجهز عمي للدفن و يجمع الفرسان للثأر و يلمع السيوف لقطع
الأرواح.
وبارك الجميع زواجي. جدتي وحدها رفضت أن تضع يدها على رأسي قبل أن أدفع مهر
"فاطمة".
و ذهبت إلى دارها .
أخرجت من صندوقها سيفا صقيلا و جاءت تتوكأ على مقبضه، ثم وضعت الجدة السيف
بين يدي و قالت:
- هذه هدية عرسكما يا " عزيز ".
و دخلت في الظلام.
في الصباح ،أفاق العريس فوجد مكان " فاطمة " باردا، و سمع نواح الجدة و
بكاء نساء الدار و عويل العبيد فدكته الفاجعة.
قفز من السرير و جرى وراء خطوات البنت. قادته الخطوات المرتبكة خوفا ووجلا
إلى الجبانة فرأى " فاطمة " وسط حلقة الرجال تنهنه بصوت خافت.
و ارتفع صوت الإمام فوق أصوات بقية القراء:
ألم* ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين* الذين يؤمنون بالغيب و يقيمون
الصلاة و مما رزقناهم ينفقون* و الذين يؤمنون بما أنزل إليك و ما أنزل من
قبلك و بالآخرة هم يوقنون* أولئك على هدى من ربهم و أولئك هم المفلحون.
و قبل أن تنفرط الحلقة التي تجمعا حول القبر و يركب الرجال خيولهم المحمحمة
و يلوحون ببواريدهم و السيوف، انطلقت "فاطمة" تجري نحو القبر. رفست التراب
المبلول برجليها و تمرغت على الأرض و هي تصيح بصوت جرو مضروب.
و سالت دموعها مخلوطة بالكحل على خديها المكتنزين. و تفر ثوب العرس المطرز
بالعدس الملون و الودع و بخيوط الذهب.
في الأول ، الجمت المفاجأة الفرسان و المشاة الذين جاءوا يشيعون قائدهم على
الحفرة التي طلب منهم أن يجعلوه ينام فيها حينا من الدهر ، قريبا من مرقد
الجد الكبير فتركوها تحفر بأظافرها و تقلب التراب على رأسها ثم انقضوا
عليها . حاصروها من كل الجهات فلم تستسلم بسهولة وواصلت خوض المعركة خمشا
في الوجوه و عضا و سبا مولولة :
- أبي لم يمت ، و ها أنا أرقص أمامكم برجل واحدة. اسمعوا دقة الخلخال و رنة
الذهب و تعالوا شاركوني الرقص فقد زفتني الجدة البارحة عريسا لحفيدها.
و ظلت تقفز فوق القبر كالمجنونة إلى أن شل الإمام حركتها. وضع يده على
رأسها وراح يقرأ:
و الذين آمنوا و عملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة
هم فيها خالدون* و نزعنا ما في صدورهم من غل تجري من تحتهم الأنهار و قالوا
الحمد لله الذي هدانا لهذا و ما كنا لنهتدي لولا أن هدانا اللهلقد جاءت رسل
ربنا بالحق و ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون* و نادى
أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد
ربكم حقا قالوا نعم فأدن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين.
وراح الإمام يردد هذه الآيات إلى أن أغمضت " فاطمة " عينيها و نامت واقفة ،
فدسها أحد الأعمام في حضنه و قال وهو يهم بمغادرة المقبرة :
- ادفع مهر فاطمة مائة من رؤوس الأعداء. لن أقبل أقل من هذا المهر يا "عزيز
".
وواجه صهيل الخيل و همهمة الفرسان العريس الصغير.
و قدم له سائس حصانه فقفز على ظهره خفيفا كالريشة.
كانت رجلاه تصلان إلى الركاب بمشقة.
و الخوذة الثقيلة تخنقه.
و اللجام الخشن يحز أصابعه حزا .
و لكنه كان فرحا يكاد يطير من النشوة، فهذه هي المرة الأولى التي يقود فيها
الفرسان، فصاح :
-سأسبح طليعة باي المحال وراء الجبل ، و سأدفع أكثر مما تطلب يا سيدي.
و غطى النقع ما بين السماء و الأرض في هذه الصحراء الوسيعة.
*****
نامت العجوز باكرا فأخرج " عزيز " من خزانة في الحائط مصاحفه . صفها أمامه
على طاولة كبيرة ثم اختار منها مصحفا برواية الإمام
" ورش" . فتح " الكتاب " كما اتفق ، فطالعته صورة " النحل " فقرأ :
" أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه و تعالى عما يشركون ". و شدته الآية ،
فواصل القراءة " و ضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا
من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع و الخوف بما كانوا
يصنعون ".
حاول أن يتذكر أول مرة استمع فيها إلى هذه الآيات فخانته الذاكرة. ابتسم
لنفسه و عزاها و أغلق المصحف ثم ظل مدة يتملى الزخرف الذي يغطي الغلاف
المجلد إلى أن هاجمه النوم فقام ليستلقي بجانب عجوزه. كان بين اليقظة و
النوم حين دوى في أذنيه صوت بوق حربي و هزه صهيل الخيل و الضجة المكتومة
لجيش قادم من بعيد. و بدأت ترتسم في مخيلته صورة غائمة لفارس يجوب الصحراء.
الفارس ينفخ في نفير فيتجمع حوله خلق كثير من " عتيقة " و من النواحي
القريبة و البعيدة عنها فيحدثهم عن المحلة التي بعث بها " باشا " تونس
لتؤدب " سلطان عتيقة " و لتثأر لكرامة التركمان الذي ذبحوا قبل أن يجمعوا
الإتاوات و المكوس لخزينة " الإيالة" و صناديقها الفارغة.
و يملأ الضجيج الكون : " و هالباي من بياه " ؟
و يقف حصان قائد " المحلة " على الربوة المطلة على القرية ، فتسحره خضرة
النخيل. آلاف و آلاف من الشجرة المباركة تمتد على مرمى البصر. بحر داكن من
خضرة الزمرد يسحر العينو يملأ القلب بالغبطة.
" سأجعلكم تدفعون " ريالا " ذهبيا عن كل واحدة من هذه الأشجار المباركة و
ستعرفون أن هذا السيف بياني يا أولاد الكلب ".
و يصيح القائد و النشوة تهزه :
- حاصروا هذه القرية المارقة يا أصحابي. حاصروها حتى الموت.
و يبث عيونه في كل مكان يسدون منافذ الخروج على المتمترسين وراء الأسوار.
و انتشر جند المحلة و من صاحبها من العياق و السراق و المارقين على القبائل
في غابة النخيل فأفسدوا كل شيء صادفهم في طريقهم. قطعوا عراجين البلح و
دمروا سواقي الماءو سرحوا خيولهم في مساكب الفصة و البرسيم و ذبحوا الخرفان
و سكروا و عربدوا و غنوا أغانيهم الفاجرة ثم وقفوا وراء الأسوار يترقبون
أوامر القائد .
و طلب الأشراف مقابلة " الباي " فردوا على أعقابهم . قال لهم :
- لقد أبحت لجندي واحتكم سبعة أيام و لن أكلم اليوم إنسيا .
فعادوا و الحسرة تقطع قلوبهم بعد أن رأوا جناتهم وهي تتحول إلى خراب.
في اليوم السابع، اعتلى مناد من جند " الباي" رأس نخلة تشرف على القبة و
صاح بصوت جهوري طالبا من الوجهاء تسليم أنفسهم . قال :
- اخرجوا منها حفاة حاسري الرؤوس.
و أمهلهم ثلاثة أيام.
داخل الأسوار ، كان الصراع شديدا بين المدافعين عن فكرة تسليم المدينة إلى
قائد الجيش دون الدخول معه في صراع كفته مائلة من الأول للمحاصرين ، و بين
من يرغب في الدفاع عن شرف النخلة الواقفة تحت لهيب النار.
و امتد الحوار و اشتد ، و طال بذيء الكلام عمائم الشيوخ و أنوف الفرسان. و
طاش حب البواريد في بعض جهات المدينة. و كادت تقع فتنة لولا أن حسم الشيخ "
بدر الدين "إمام الجامع الموقف. قال :
- سأخرج غدا للتفاوض مع قائد المحلة .
في الصباح،قبل طلوع الشمس،خرج جماعة من الأشراف قاصدين خيمة القائد .
اعترضهم جند الحراسة في الطريق ففتشوهم و أخذوا أسلحتهم و تركوهم أمام
الباب مدة طويلة ثم أذنوا لهم في الدخول . لم يقف القائد لتحيتهم و لم يرد
على سلامهم حين طرحوا السلام. و ظل الرجال واقفين تحف بهم النظرات الشامتة
من جميع الجهات . و لما يئسوا من الرحمة قال القائد :
- كيف تجرؤون على عصيان " سيدنا" و تستبيحون دم جنده و تتسترون على العصاة
المارقين على سلطانه و طاعته؟
و حين هم الشيخ بالكلام رفع في وجهه إصبعا مهددا:
- لا حديث لي معكم الآن . عودوا إلى سيدكم و اطلبوا منه أن يفتح السور و أن
يسلم لي كل من شارك في قتل واحد من جنود " سيدنا " و إلا فموعدنا الليلة.
قال الشيخ الإمام:
- سيدي سنسلمك المدينة لكن لنا بعض الشروط.
فرد عليه هازئا:
- اذهب من هنا قبل أن آمر بسلخ جلدك و حشوه بالتبن ورمي لحمك للكلاب
الجائعة.
و ترقب القائد الجواب
و لكن الأبواب ظلت مغلقة.
و اشتد وهج الشمس حتى كادت أرواح الجند تفيض.
ورأى القائد طيورا سوداء شبيهة بالغربان تحط على الأسوار و تملأ المكان
نعيبا ، فقرر الهجوم مع هبوط الظلام.
*****
عند منتصف الليل سمعت دقا عنيفا على الباب الكبير . و كان لقصرنا عدة أبواب
: باب للخدم و العبيد و الفلاحين ، و باب للحريم ، و باب لأكابر القوم .
كان هذا الباب لا يفتح إلا في المناسبات الهامة ، زيارة " باي " المحال
أيام كان صديقا لوالدي أو استقبال الحجيج العائدين من مكة ، أو تحية
للفرسان المنتصرين في غارة.
أفقت مذعورا و أرهفت السمع ، كان دق الباب بالتأكيد على باب الأكابر. و
أفاق الإخوة الصغار . نفضنا عنا الأغطية و جرينا داخل السقيفة نستطلع
الخبر.
نظرت من وراء شقوق الباب فرأيت رجلا ضخما على ظهر حصان يحمحم.
وقف الرجل يدق الباب بقبضة سيفه و هو يصيح بين الحين و الآخر بنداء أجش:
- افتح يا " سلطان " أنا لا أريد بك شرا.
ورأيت وراء الرجل ظلالا تتحرك . و سمعت همهمة و زفير دواب ، فجريت إلى
المطلع المؤدي للسطوح . صعدت الدرجات قفزا فوجدتني أشرف على الساحة العامة.
التفت ذات اليمين وذات الشمال ، فرأيت وجوه رجالنا كالحة . كانوا صامتين .
و كانت عيونهم تبرق كعيون الذئاب.
و امتلأت الساحة بالجنود المدججين بالسلاح.
رأيت " باي " المحال يشير إليهم بإصبعه فدكوا الباب بجذع نخلة. حركوا
الخشبة جيئة و ذهابا ثم قذفوا بها الباب فانفتح على مصراعيه .
وبرقت عيون الجند ، حمراء كعيون الشياطين.
ورأيت السماء تنفتح و ينهمر منها سيل من الشهب أنار الفضاء حتى كأن آلاف
الشموس انفجرت في لحظة واحدة.
و عوى الجند وهم يتدافعون و يتصايحون قبل أن يندفعوا داخل السقيفة . تريثوا
لحظات ثم هجموا بعنف سبعة رياح.
تصدى عبيدنا للمهاجمين . رموهم بالحجارة الكبيرة و سكبوا عليهم الزيت الحار
كنار الجحيم فولوا الأدبار و جلودهم تلتهب ، ثم كروا مرة أخرى بعد أن غطوا
رؤوسهم بالجلود.
رمى العبيد بأنفسهم على الجنود و لكن العصي الغليظة و السيوف التي تسلحوا
بها كانت تسقط على الأرض مضرجة بدمائهم.
كانت الأيدي المقصوصة من الأكتاف تضطرب اضطراب الأرواح الملعونة ثم تهمد
إلى الأبد. و كانت أرجل المتحاربين تركل الرؤوس التي تعترضها في معابر
القصر و ترمي بها في كل الاتجاهات.
و امتلأ القصر بالأشلاء ، فصاح أبي آمرا عبيده بالكف عن المقاومة.
وواصل جند الباي بقر البطون و جدع الأنوف و التمثيل بالقتلى إلى أن لعلع
صوت بارودة أبي في الفضاء فارتبك الجند لحظة أصاب رذاذ البارود وجوه بعضهم
ثم عادوا يعبرون فوق الجثث التي تكدست في طريقهم . قصدوا الغرف الموصدة من
الداخل بمزاليج خشبية فحطموا أبوابها بأرجلهم و أيديهم و تفرقوا داخلها
يبحثون عن الذهب و الفضة . مزقوا عقود العقيق من أعناق النساء و افتكوا
منهن الخواتم و الأساور و الخلاخيل الذهبية . و اغتصبوا اللاتي حاولن
الامتناع وراء صراخ الصبيان و البنات جهارا ، تحت أنظار الغالب و المغلوب.
ووصل القائد فهنأهم بالنصر العظيم و طلب منهم التجمع أمام القصر.
في الساحة، نصب الجند سرادقا عظيما للأمير زينوه برؤوس القتلى . و جيء "
بسلطان " مكبلا بالأغلال ، مكسوا بالدم الذي تيبس على جبينه و على عنقه . و
لكنه كان يمشي منتصب القامة ، مزهوا كأنه المنتصر. و مشى وراءه العبيد و
الأسرى. قادهم الجند إلى خيمة و جدوا فيها الأمير و حاشيته الذي صاح في وجه
سلطان :
- و ضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان.
و انخرط في ضحك هستيري و هو ينكت بعصاه رؤوس القتلى... فكفرت بأنعم الله و
عاد إلى الضحك المجنون فأذاقها الله لباس الجوع و الخوف بما كانوا يصنعون .
و نادى الشيخ الإمام فجاء يتعثر في خطاه . قال له و هو يضع بين يديه سيفا و
صرة نقود ذهبية :
- ما حكم الشرع في هذا المارق عن سلطة " مولانا " يا شيخ الإسلام ؟
و لما طال سكوت الشيخ قال له :
- أظن أنك ستحكم عليه بالموت ، أليس كذلك ؟
فطأطأ الشيخ رأسه
و انتهز باي المحال هذا الحركة ليصيح :
- حكمت عدالة السماء على " سلطان " هذه البلاد ، المارق عن ملة الإسلام و
عن " سيدنا " الباي بالموت على رؤوس الأشهاد . و الله على ما أقول وكيل.
و ركب الشيخ بغلته و انصرف.
فاعتلى قائد الجند دكة و نادى :
- باش شاوش ... احضر لي حداد المحلة
و التفت إلى حراسه و طلب منهم أن يخنقوا الأسرى و العبيد .
قال لهم :
- مرروا على الحبال قطعا من الصابون حتى تدخل عميقا في الأعناق.
و جيء بالأسرى و الحبال . و صار الحرس يخنقونهم واحدا بعد الآخر و يدفعون
بالمخنوق على الأرض فينتفض مدة ضاربا بيديه و رجليه في كل الاتجاهات ثم
يهمد و تخفت حركته.
آخر المخنوقين كان عبدا ضخم الجثة ، طويل القامة ، كبير الرأس .
قال الحرس لقائدهم إنه قتل منهم ثلاثة رجال
فقال لهم : سأجعله عبرة لمن يعتبر.
و طلب منهم أن يخنقوه بحبل قصير و أن يطلقوه في الساحة دون أن يربطوا يديه
ورجليه بالحبال.
و قاوم الرجل مدة طويلة ، حمى عنقه بساعديه القويين. وضرب المهاجمين برأسه
فأسال كثيرا من دمهم و لكنهم تكاثروا عليه فطرحوه أرضا و شلوا حركتهم ربطوا
حبلا حول عنقه و شدوا الحبل بعنف كبير ، و قاموا.
أحس العبد بنفسه خفيفا فانتفض واقفا . مد يديه إلى عنقه محاولا فك عقد
الحبل ، فلم يستطع . فجرى صوب باب القصر . قطع مسافة قصيرة ثم هوى على
الأرض و قام من جديد . كانت العينان قد انفجرتا . و كان البول يسيل بين
فخذيه . فخر على ركبتيه ، و ارتجف مدة قصيرة ، و مات...
ووصل الحداد فذهب رأسا إلى الباي . طلب منه سيده أن يقترب و أسر له ببعض
الكلمات . رد الحداد بالسمع و الطاعة و أمر بإخراج
" سلطان " من الخيمة . جاء الرجل يحجل . و ما أن اقترب منه حتى سدد له ضربة
قوية بمطرقته . هشمت الضربة عظم الساق ، فهوى على الأرض . و انهال عليه
مكسرا عظام الفخذين و الساعدين و الكتفين . صار الحداد يضرب بعنف متشفيا في
الرجل الذي فقد وعيه.
و " الباي " يصيح بعد كل ضربة : " زيد... للكلب ".
يقفز مصفقا بيديه كالولد الصغير.
و جاء سائس بحصان هائج يحمحم و يرمح بعنف شديد ، فصار السائس يضربه
بخيزرانة على وجهه حتى يزيد في هيجانه . و اقترب الحرس من " سلطان " . أقعى
واحد منهم على صدره وربط حول عنقه حبلا مده إلى السائس . شد السائس الحبل
إلى ذيل الحصان شدا متينا ثم لكزه بمهماز و تنحى عن طريقه.
دار الحصان في مكان واحد عاضا على الحبل بأسنانه ، رافسا الرجل بحوافره
فأصاب منه مقتلا . و لما أعياه الدوران عدا بكل قوته باتجاه الصحراء جارا
شلو " سلطان " وراءه على أن انقطع ذيله فركض طليقا وغاب وراء الشفق.
جر جنديان الشلو و قد تحول إلى كتلة من لحم مهروس و دم و تراب و سجوه على
الأرض ، في وسط الساحة.
و دخل جند الباي القصر فاتحين ، فبقروا أكياس القمح و أفرغوها وسط الرمال و
هشموا خوابي الزيت و كسروا أواني العسل و السمن ، فاختلطت السوائل و جرت في
سواق خرجت من الدار و انحدرت باتجاه الواحة.
ووقف قائد المحلة فوق رأس " سلطان " يبيع نخله.
كان ينادي على البساتين يأسمائها. و كان رجال غرباء من الأعراب القاطنين
خارج الواحات ، على مشارف الصحراء يدفعون مقابل النخيل ، أكياس الذهب و
قطعان الإبل و الخيول المسومة . و كانوا يدسون وسط عمائمهم حجج تمليك
مدموغة بخاتم " الباي ".
الفصل الثاني
*****
الباب الثاني
و فيه حديث عن الجدة التي أقسمت ألا يأكل الدود جثة ابنها فصنعت له قيامة
خاصة و أركبته على جواده الأبلق الذي طار بألف جناح ليطوف براكبه حول الكرة
الأرضية إلى أن يرث الله الأرض و من عليها
ملحوظة :
قرأت تصريحا لرئيس تحرير صحيفة " نيويورك تايمز " يقول فيه :
إن أحد ركاب المكوك الفضائي " ديسكوفري " صادف فارسا على حصان عربي أصيل
يطوف في فضاء الله الواسع و إن الفارس حين اقترب منه أقرأه السلام بالعربية
.
فرد عليه الرائد : و عليك السلام ورحمة الله و بركاته ، و لكن بالأنجليرية
.
فلم يتم التواصل بينهما .
و ذهب كل واحد منهما في حال سبيله.
مر أسبوع على وفاة " سلطان " و الجدة تذهب كل صباح إلى المقبرة تغطي القبر
بقطعة قماش بيضاء ملطخة ببقع من الدم الذي سال منه ساعة العذاب و تجلس عند
رأسه تترقب شروق الشمس.
حين يظهر قرن الشمس من وراء الجبل ترفع صوتها المكدود بمزيج من النواح و
الغناء و الترتيل و النداء.
صياح تختلط فيه أصوات إنسانية و حيوانية.
صياح قادم من بدايات الخليقة أيام كانت الحناجر عاجزة عن الإتيان بالكلام
المبين.
تطلق الجدة ذلك النداء فيردد الجبل صداه عدة مرات. و حين تهدأ تلك الأصوات
القادمة من تخوم الزمن السحيق تهمس الجدة للقبر:
- أفق يا ولدي لقد طلع النهار.
ثم تركب عصاها ، تمتطيها كمن يمتطي جوادا أصيلا و تعود إلى البيت تسبقها
حمحمة الحصان.
في الليلة السابعة بعد الوفاة ، تطهرت الجدة بالماء البارد و فركت جسمها
بأوراق السدر ثم لبست جبة الحرير المطرزة بخيوط الذهب و رمت فوق كتفيها
برنس عرسها و كورت عمامة فوق رأسها و قالت :
- الليلة سأعود إلى الدار مصحوبة بولدي. جهزوا الدفوف و الطبول و أشعلوا
الشموع في كل مكان .
و طلبت من النساء أن يلبسن ثيابهن الجديدة و أن يتعطرن ثم ركبت حصانها
الخشبي و ساقت الحصان الأبلق ، حصان " سلطان " أمامها و خرجت . تركت باب
القصر مفتوحا و انطلقت تعدو وهي تهزج و تغني خفيفة كطيور السنونو . و تبعها
عبدان من العبي ، فأطردتهما بإشارة من يدها.
توقف العبدان مدة عن السير وراءها ثم عادا يلاحقانها. و لم تنتبه الجدة
لهما إلى أن وصلت إلى الجبانة .
سارت كالنائمة باتجاه القبر.
تعثرت بالحجارة المتناثرة على جنبات القبور ، و لم تلتفت إلى الدم السائل
من الجروح التي أوقعتها الحجارة بأصابعها ، إلى أن وقفت عند رأس الميت.
أنزلت فأسا و معولا من على ظهر الحصان و بدأت تحفر .
التراب الذي تكدس على القبر مازال طريا ، فأطاعها . قصارت تحفر بهمة و ترمي
به على جانبي القبر إلى أن عرت عن الصندوق.
رمت الجدة الفأس و بحثت عن الخشب إلى أن وصلت إلى الصندوق ففتحته و لامست
قماش الكفن. فعرت عن الوجه و نفضت عنه التراب و قبلته ثم حاولت احتضان
الجثة فلم تقدر.
و عادت تحاول إخراجه من القبر، فلم تقدر . فرفعت عقيرتها بصياح مجروح .
ساعتها اقترب منها العبدان . مدا أيديهما و ساعداها على إخراج الميت من
القبر. و ضعاه على الحافة و بقيا يترقبان الأوامر.
جلست الجدة لجانبه و نفضت التراب الذي عاد يغطي الكفن و يسقط على الوجه ة
الأطراف ، ثم دعت بالحصان و طلبت من العبدين أن يركبا "سلطان " على صهوته.
احتار العبدان و بقيا واجمين ، و عادت الجدة تكرر طلبها . فساق العبد
القصير الحصان قريبا من القبر و أعطى اللجام للجدة و طلب من صديقه أن يرفع
الجثة من الصدر بينما كان هو يرفعها من الرجلين . و أجلس العبدان الجثة على
ظهر الحصان فوق السرج الذي ازدان بخيوط الذهب و الفضة ووضعا الرجلين داخل
الركاب . و مدت الجدة اللجام إلى ابنها و ساقت الحصان و مشت وراءه سلع
خطوات ثم ضربته على كفله بيدها ضربات خفيفة و صاحت به أن اذهب في رعاية
الحي الذي لا يموت أيها الأبلق.
في صباح الغد سرى الخبر في القرية أن " سلطانا " قد صنع قيامته و أن الرجال
الذاهبين إلى الصلاة الأولى رأوه راكبا على حصانه و أن الحصان كان يطير
بألف جناح.
وركلت الجدة حصانها الخشبي و عادت إلى المنزل . قطعت الطريق صامتة وهي تمسك
بيد لجام العصا و تمسح باليد الأخرى دموعا تهطل من عينيها مدرارا . وجدت
الباب الكبير مفتوحا على مصراعيه كما تركته في أول الليل . ورأت الشموع
تلمع في أرجاء السقيفة . اقتربت منها واحدة واحدة و صارت تطفئ النور بنفخة
صغيرة تخرج من شفتيها كالزفير . ثم ذهبت إلى وسط الحوش . و قفت هناك عجوزا
، عمرها أكبر من عمر الدنيا .
أطل الأولاد و البنات و الأحفاد و الحفيدات من وراء الأبواب التي تسيج
الحوش . أحست دبيبهم فالتفتت إلى الجهات الأربع و قالت :
-الآن أريد أن أستريح . رجاء لا توقظوني عند صلاة الصبح.
و أخرجت من بين رجليها الحصان الخشبي و اتكأت عليه و نامت.
عند منتصف الليل هطلت الأمطار بشدة . سمع لقطراتها على سطوح البيوت مقر
ثقيل ، ثم انهمر الغيث و دام أكثر من ساعة . و الجدة واقفة وسط الحوش لا
تتزحزح.
و لم يجرؤ أحد على الاقتراب منها . فكلما هم الأولاد بالخروج من البيت
يتخطف البرق نور عينيه فيعود إلى الوراء خائفا كمن أصابه العمى.
ثم صفر الريح صرصرا عاتيا مثقلا بالرمال و الحصى . و دام صفيره إلى الصباح.
عندما هذأت العاصفة ، خرج الجميع إلى فناء الدار . رأوا رجلي الجدة قد
غاصتا حد الركبتين في التربة التي تحولت إلى حجر أحمر. ورأوا جسمها الذي
غطته الرمال قد تحجر و صار أضلب من الحديد . حاول الأعمام اقتلاع الجدة من
الارض فلم يقدروا . حفروا تحتها بالفؤوس و المعاول ثم حركوها يمينا و شمالا
فلم تتزحزح من مكانها قيد أنملة . تحولت الجدة إلى تمثال رخامي مغروس في
قلب الأرض .
و عادت الأمطار القوية إلى الهطول .
و عادت الرياح إلى العصف.
و امتد غضب السماء سبع ليال و ثمانية أيام ، إلى أن خرج العم الأكبر خلسة
من الدار ووضع مظلة أخيه المصنوعة من سعف النخل على رأس تمثال الجدة ،
فرآها تبتسم . و أشرقت شمس الضحى حمراء ذليلة تبدو و تختفي من وراء الغيوم
.
قال العم الأكبر :
- غطوا الجدة بجلباب الصوف يا أولاد و اتركوها تنام مطمئنة . لا تفتربوا
منها بعد اليوم فقد تعبت كثيرا من أجلنا.
و نسي الجميع سريعا تمثالا آدميا مطليا بالطمي و الرمال يقف وسط الحوش
شاهرا
في الوجوه ابتسامته الساخرة.
الفصل الثالث
*****
الباب الثالث
و فيه حكاية الرجال دوي القرون و ما جرى لهم من غرائب.
و أخبار عن الزنوج الذي حررهم " الباي " من العبودية ب " فرمان " أميري . و
كيف رد العبيد إلى " باي " تونس حرية لا يعرفون ماذا يصنعون بها.
و ملح و غرائب و طرائف أخرى.
( 1 )
فجرا ، قام " عزيز " من سريره و كأنه لم ينم دقيقة واحدة . سمع المؤذن
ينادي لصلاة الصبح فتوضأ و قصد المسجد . وصل و الإمام لم ينته بعد من قراءة
الفاتحة فالتحق بالصفوف الخلفية للمصلين و كبر ثم أنصت للقراءة المرتلة :
قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو
جئنا بمثله مدادا* قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد
فمكن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا و لا يشرك بعبادة ربه أحدا.
و خرج من المسجد وهو يحث الخطى . قصد بيته لعله ينعم ببعض الراحة قبل طلوع
الشمس . استمع إلى وقع خطى وراءه فظل يمشي.و ظلت الخطوات تلاحقه إلى أن وقف
أمام بيته فبادره صوت بالسؤال :
- سيدي ، هل هذا بيت " سلطان " سيد " عتيقة " السابق؟
- نعم ، و لكن ماذا تريد من قصر " سلطان "؟
و التفت يستجلي الأمر.
رأى رجلا أسود يقف أمامه. رجل يلبس بدلة أنيقة و يضع ربطة عنق.
اقترب منه الرجل و مد يده مسلما.
- صباح الخير سيدي . اسمي سعد بن مسعود الشوشان.
وضغط الرجل على يد " عزيز " بود وهو يتفرس في وجهه.
- هذا هو أنت . " عزيز " السلطاني كما عهدتك أيام الصبا.
و أمعن " عزيز " النظر في وجه الرجل وهو يردد:
- سعد . أنت سعد بن العم مسعود . يا الله . كم هي غريبة هذه الدنيا .
واحتضنه بود بين يديه ، مسلما عليه ، سائلا عن أحواله . فأعلمه الرجل بأنه
وصل منذ أيام من فرنسا و أنه جاء إلى " عتيقة " يبحث عن عبق الذكرى و عن
مفتاح قبور الأهل الذين تركهم وراءه في الصحراء أيام المتاهة.
و استقبل " عزيز " صديقه القديم في القصر السلطاني ، و أكرم وفادته فذبح له
تيسا أسود ، و فتح في وجهه أبواب البيوت المنغلقة منذ هجرة أجداده . طافا
بالحجرات بيتا بيتا و هما يبسملان و ينفضان الغبار عن الحكايات القديمة :
- أتذكر يا " عزيز " يوم تسابقنا في هذه الساحة للفةز بهدايا عيد "فرعون "
فغلبتني فدفعتك فوقعت على الأرض فجرحت في ركبتك جرحا بليغا فبكيت ولم تقدر
على الوقوف فتفلت أمي بين أصابعها و مسحت على جرحك فقمت واقفا و كأن الضر
لم يمسسك منذ حين.
فعاد " عزيز " إلى جرحه يكشف عنه و يبتسم .
نعم يا " سعد " ها هو ذا الجرح . لقد تحول إلى ضفيرة بالية تؤلمني كلما
تذكرت تلك الأيام.
و دخلا إلى دار عراف العبيد ، فوجدا طبلا يتوسط الدار.
الطبل كبير . تشد جلده حبال غليظة شدا محكما .
اقترب الرجلان من الطبل . رأى "سعد" عصا ملقاة قرب الركن فأمسك بها و بدأ
في قرع الطبل. دق على الطبل برفق دقات عديدة و كأنه يختبر الجلد الهرم
فأجابه الجلد أن اضرب بعصاك الطبل و لا تخف فدقه بعنف وهو على الأرض ، ثم
علق حبل الطبل في عنقه و خرج إلى ساحة المنزل . رقص رقصات مجنونة فتحلق
حوله الزنوج بصفقون . جاؤوا من كل مكان . خرجوا من تحت الأرض ومن بين شقوق
الجدران . حضروا الحفل ثم ذابوا مع أصوات الدق على الطبل التي خفتت شيئا
فشيئا إلى أن تلاشت في الأثير
(2)
و نادي عمي الأكبر العبيد الذين ورثهم عن جدي و قال لهم :
- دقوا طبول الحزن هذا اليوم ففي الغد لن يكون لي سلطان عليكم.
و لم يفهم العبيد مغزى كلامه و لكنهم أخرجوا الطبول الكبيرة و أشعلوا نارا
لتسخين جلودها ثم حملوها على رؤوسهم و بدأوا في قرعها بعصي غليظة . و نز
العرق من الأجساد اللماعة كحبات الزيتون فتفنن الرجال في استخراج ألحان
حزينة من تحت الجلود المشدودة شدا عنيفا بحبال المسد.
و دار العبيد حول تمثال الجدة سبع دورات . رقصوا رقصا محموما كأنهم مردة من
جان ثم خرجوا إلى الساحة . داروا فيها حتى التهبت الشمس في السماء فذهبوا
يجوبون أزقة القرية . خرجت النساء لاستقبالهم نادبات ، نائحات ، لاطمات
وجوههن و صدورهن.
قال لهم شيخ العبيد :
- هذا طبل " سلطان " سيدنا ، نقرعة اليوم للذكرى
وواصل الطواف حول أسوار القرية.
و قال لقارعي الطبول :
- هذا باب النصر ، سلام عليه، ادخلوا منه آمنين. و هذا باب هزيمتنا، لا
حياه الله ، سنخرج منه قريبا.
و تجمع الرجال و الأطفال و النساء و الشيوخ حول جوقة العبيد ، فرفع عرافهم
رأسه و أشار إلى : " لا غالب إلا الله " المنقولة من ديار الأندلس و
المنقوشة بخط كوفي أنيق أعلى أبواب السور . و لم يفهم الرجال معنى الإشارة
لكنهم رفعوا طبولهم فوق رؤوسهم و قرعوها عنيفا تحية لتلك النمنمة ، ثم
هجعوا و ناموا تحت السور.
حين أفاقوا ، أخرج كبيرهم من طيات ثيابه سكينا تلمع و بقر بطون الطبول .
كان شرسا وهو يبعج بالسكين أصداء الفجيعة و الهوان . ثم ذهب إلى الجبانة ،
دفن السكين في قبر مهمل و عاد إلى الدار و قد نبت في رأسه قرنان كقرني
الثور.
كان خائفا و مهزوزا وهو يجتاز العتبة . لكن خوفه زال حين رأى القرون نابتة
فوق رؤوس كل رجال القرية . قرون اختلفت حسب الوجاهة و المكانة السامية .
فمنهم من كان أقرن كالكبش الذي أنزله الرب على سيدنا إبراهيم الخليل فداء
لجدنا إسماعيل . و منهم من كان له قرنان صغيران كقرني الحمل . و بين هذا
وذاك عامة الرجال الذين حملوا قرونا كقرون الخرفان و الجديان و التيوس .
رآهم يتحسسون القرون و هم بين مصدق و مكذب . ثم حاولوا قلعها . حركوها يمنة
و يسرة . ضربوها بأيديهم . نطحوا بها الحيطان ، و لكن بدون طائل . و حين
أعيتهم الحيلة ، صاروا يتبارون في إخفاء القرون تحت العمامات الكبيرة . و
سكن قلوبهم الهلع ، فجروا إلى الدور يحكمون إغلاق أبوابها و يرقبون طلوع
النهار لعلهم يخرجون سالمين من من هذا الكابوس.
( 3 )
ظل العبيد في دورهم إلى أن جمعهم عمي في السقيفة ، تفقدهم بنظرة واحدة و
عدهم . لم يبق سوى عشرة رجال أشداء و عشر نساء فارعات الطول و عدد لا يحصى
من الأولاد و البنات و بضعة شيوخ و ثلاث عجائز.
قال : " أين البقية ؟ "
فرد عليه شيخهم: : " بنى برؤوسهم قائد الوجق الدكة التي حاكم فوقها سيد هذا
القصر ." و صمت.
و ظل العبيد واقفين يترقبون الأوامر ، لكن عمي لم يكلمهم . كان ساهما يخطط
بعود على تراب السقيفة ، ثم فجأة طلب أن يصرف الأطفال الذين ملوا الوقوف و
الصمت . أشار إليهم الجد فخرجوا ضاجين بالضحك . و عاد العم يخطط على التراب
أشكالا هندسية و كلمات بلا معنى ثم طلب من العم " مسعود " أن يقترب منه .
قال له :أنت يا شيخ حكيم هذه الأمة – أمة السودان – و صاحب الرأي و التدبير
فهل لك في الاستماع إلى كلامي لعلك تحسن تبليغه لقومك . و طلب منه أن يجلس.
لكن الرجل رفض الجلوس بين يديه . و ألح العم في طلبه ، فجلس العبد قريبا من
قدميه على أطراف الفرش.
قال عمي : ناديتك يا شبخ العبيد لأعلمك بفرمان الباي الذي يطلب فيه من
الأسياد تحرير عبيدهم و يمنع فيه – تحت طائلة الحبس – الرق و تمليك النفس
البشرية لغير الله . و قال عمي كلاما كثيرا حول المساواة بين بني البشر و
أنه لا فرق بين أبيض و أسود إلا بما كسبت النفس الأمارة بالسوء . و قال إن
بلالا الحبشي سيؤذن في الجنة و سيداعى لصوته الشجي كل المؤمنين من عرب و
أعاجم : فرس و روم و فرنسيس وطليان و صقلب و طليان و بلغار وزنج و من بني
الأحمر و الأصفر و غيرهم من أمم الأرض قاطبة . كلهم سيستجيبون لنداء بلال
الأسود الذي سيقيم الصلاة وراء النبي الأمي و سيرفع نداء " الله أكبر " في
أرجاء الجنة .
و لم يفهم شيخ العبيد حديث العم فظل صامتا بينما العم يحكي عن فرق الخيالة
التي طول الإيالة و عرضها لتتثبت من تطبيق هذه القوانين العلية و الأوامر
السنية.
و لم يدر الرجل بماذا يجيب ، فالتفت إلى بنيه و أحفاده يستشيرهم في الرد
على هذا الكلام . فنكس الجماعة رؤوسهم و قال قائلهم :
- هذه بلية حلت بنا و إنا لصابرون.
و قال العم :
- الباي يهبكم الحرية يا عبيدي ، فاضربوا في الأرض آمنين.
قال الجد :
- إنا لن نغادر دارك إلا إلى القبر يا سيدنا فاردد على باي تونس حريته.
لكن عمي الخائف من أن تنصب له دكة جديدة في الساحة العامة رفض رد شيخ
العبيد و أمهله و قومه ليلة يجمعون فيها أدباشهم و يودعون أحبابهم ليذهبوا
بعد ذلك إلى الحرية خفافا كغزلان الصحراء.
و انفلتت عجوز من ركن قصي من أركان السقيفة ، جرت عنيفة و ارتمت في حجر عمي
وراحت تقبل يديه و تبكي ثم أخرجت من صدرها ثديها و قالت :
- أحلفك بالحليب الذي رضعته من هذا الثدي ألا تمي بنا إلى الحرية التي لا
نعرف ماذا نفعل بها .
فرد عمي :
- هي يا أمي أوامر الياي و إني لا أقدر على عصيانه .
و لعن العبيد الباي و خرجوا من السقيفة و قد تداعوا إلى اجتماع عام في دار
العراف.
( 4 )
و كبرت المناحة . ارتفع العويل و البكاء في كل البوت القريبة . فكلما اقترب
موعد مغادرة عبيدنا للقصر حط الحزن أكثر في كل مكان . الحرائر يتبادلن مع
الزنجيات تمائم السعد و عقود الخرز الملون و الودع اللماع . و الشيوخ يهبون
للشابات عود القماري و قطعا من جلد التمساح و قشورا من بيض النعام و عاجا
من أنياب الفيل و ماء من بحيرات إفريقيا. و أطفال الزنوج يهربون من مكان
تجميعهم و يلجؤون إلى السطوح و المخابئ التي وفرناها لهم في أقبية القصر .
كنا ندس في جيوبهم كل ما يصادف طريقنا ، التمر المجفف و حبات اللوز المقشر
و الزبيب و أقلام القصب و مصاحف القرآن و حكايات العفاريت و النكت الماجنة
و الذكريات ...وكانوا يبكون و يضحكون ، يهمسون و يصرخون ، يقتربون و
يبتعدون ، إلى أن وقف شيخ العبيد في الساحة العامة و نفخ في بوقه فتنادى
السودان من كل مكان ، من دار جدي و من دور الموسرين الذين ملكوا العبيد ذات
يوم . تجكعوا في الساحة و خرجوا في مظاهرة احتجاج كبيرة . طافوا في الشوارع
كامل الصباح ثم قصدوا دار " الوالي " الجديد و هم يقرعون طبولهم و ينفخون
في مزاميرهم و يحرقون البخور و يرقصون رقصات مجنونة . ظلوا في هذا الصخب
إلى أن خرج لهم " الوالي" . وقف في شرفة قصره محاطا بجنود مدججين بالبواريد
التركية و الانضباط . رأى الرجال ظل ابتسامة ساخرة عالقة بين شفتيه حين حمد
الله و صلى على رسوله ثم مجد سيدنا و مولانا " باي " تونس و دعا له بالعز
والرفعة و طول العمر و السؤدد ثم طلب من العبيد أن يتفرقوا . قال لهم إن
لنا في رسول الله أسوة حسنة ، اذهبوا فأنتم الطلقاء. لكن العبيد لم يبرحوا
المكان . وعادوا إلى اللغط و الهياج . و صاح شيخهم:
- قل لسيدنا لا حاجة لنا بحريته ، و اطلب منه أن يسمح لنا بالعودة إلى
أسيادنا.
و أسقط في يدي الوالي . لم يدر بماذا يجيب هؤلاء الرجال الذين يرفضون حرية
وهبها لهم سيدهم . ارتبك في وقفته ثم استل من جنبيته بارودة قصيرة وصار
يطلق في الهواء طلقات طائشة و هو يعوي كالذئب المجروح ، فخرج جنوده من كل
الأمكنة ، فكأن الأرض انشقت و دفعت بهم دفعا إلى ظهرها . و انهال خيالة
الوالي و مشاته على الرافضين لنعمة مولانا " الباي " ففروا هاربين في كل
الاتجاهات. تدافعوا و تصايحوا و سقط الشيوخ على الأرض فتناوشتهم الأقدام و
الهراوات و لذيء الكلام . و غابت شمس اليوم كاسفة وراء هامات النخيل.
ووجد العبيد أنفسهم في العراء ، فباتوا ليلتهم الأولى تحت الأسوار يشعلون
النيران لعلها تصنع لهم دفئا ، و يرددون نبوءات العراف :
" اليوم سنولد من جديد و سنبدأ حياة أخرى ."
( 5 )
و مرت الأيام بطيئة على العبيد الذين حررهم " فرمان " الباي فلا هم قادرون
على العودة إلى القرية و لا بمستطاعهم بداية مشوار الحياة الجديدة التي
وعدهم بها العراف.
حاولوا مرات عديدة الاقتراب من الأبواب فمنعهم الحراس من تخطيها . ضربوهم
بالهراوات و رشوهم بالزيت الحامي . حرق الزيت جلودهم ففروا إلى البساتين
القريبة من الأسوار و بدأوا في قطع الطرق على الأسياد . نظم الشبان كمائن
لخيالة الوالي و أغاروا على الفلاحين العاملين في الواحة . و بلغ خبر ثورة
العبيد فرسان الباي فتداعوا من كل مكان . حاصروا الواحة مدة أسبوع و ألقوا
القبض على مثيري الفتنة . صلبوا ثلاثة منهم على جذوع النخيل ثم جمعوا
البقية في قافلة و رحلوهم إلى قلب الصحراء.
قال لهم قائد الفرسان:
- ستصنعون سعادتكم في واحة جديدة تزرعون في سرابها المخل و التين و الزيتون
و الرمان و الورد وخد بوقرعون .
و ساق الجمال المحملة بمتاع العبيد . سارت القافلة نحو جنوب الجنوب مخفورة
بفرسان الباي إلى أن بلغت نبع ماء شحيح فقال القائد لأمة السودان :
- هنا لن يستعبدكم أحد بعد الآن .
و ابتلعه و جنده السراب. و ضاع الغبار الذي أثارته الخيول في الأفق الرحيب.
و لف المكان صمت كصمت المقابر المهجورة . و انحدرت الشمس ببطء من السماء ثم
هوت في فم الصحراء الواسع كجب بلا قرار.
اتجه العراف نحو النبع ووقف على كثيب الرمل المشرف على الماء و أخرج من
قميصه الداخلي عود حطب أملس ووترا . شد الوتر و أقعى يجمع قبضة من الحشائش
اليابسة . ثم حرك الوتر جيئة و ذهابا على العود حتى اشتعلت النار فوضع على
الشرارة الأعشاب اليابسة و حمل النيران الملتهبة فوق كف يده اليمنى و مشى
فوق ماء النبع حتى قطعه و قصد الجهة الأخرى من الكثيب . ثم أخرج قوسه و شد
إليها سهما وشد القوس بعنف ثم سدد نحو قلب النبع فنفر الماء و علا حتى كاد
يبلغ عنان السماء.
وارتفع هتاف العبيد و صياحهم و صخبهم و أخرجوا طبولهم و انهمكوا في قرعها
بعنف المحرومين من السعادة حتى أنهكهم التعب فارتموا على الرمل ينخرون و
يشخرون.
و أخرج الأطفال من جيوبهم الحلوى و اللوز المقشر و الزبيب و اللحم المقدد
فشووا اللحم على كف العراف و أطعموا القبيلة حتى شبعت ثم شربوا من ماء زمزم
و ناموا على حافة السراب.
( 6 )
نبع الماء قريب من طريق قديمة تمر منها القوافل الذاهبة من بلاد نفزاوة *
إلى غدامس** . و القوافل تريح جمالها هناك عند النبع ، فنبت على جنباته نخل
هو الآن قد استطال و مد أعناقه إلى السماء.
كانت نخلات النبع حين أفاق أطفال أمة السودان شبيهات بعجائز قد هزلن ورققن
حتى صرن كالعيدان اليابسة . و علتهن رؤوس صغيرة جرباء منتوفة الجريد . جرى
الأطفال ناحية النخل . التقطوا بعض التمرات اليابسة التي أكل الطير و
الجراد أكثرها فنفضوها مما علق بها من رمل ثم التهموها و هم يهمهمون و
يبكون ، ثم كرعوا من ماء النبع و عادوا إلى قيروانهم . و جد الأطفال الرجال
ينصبون الخيام فمدوا أيديهم الصغيرة للمساعدة . دقوا الأوتاد و ربطوا
الحبال و كدسوا جلود الماعز و الخرفان و الخرق القديمة فوق أسقف الأكواخ ثم
تكوموا قريبا من بقع الظل الشحيحة و أخرجوا من صدورهم الحكايات التي طالما
سمعوها من الجدات في ليالي الشتاء في القصر الكبير .
و هاجت الرمال عنيفة و غطت عين الشمس . و نفخت الريح حارة كأنها خرجت لتوها
من أفواه الجحيم ، فتذكر الأطفال مياه القرب الياردة . و لعن الكبار فرمان
باي تونس.
الفصل الرابع
******
الباب الرابع
في ذكر الحوادث و الماجريات التي وقعت ل" عزيز " بعد أن طار حصان أبيه بألف
جناح . و تفصيل وقائع هروب أمه " ريحانة " إلى قصر الوالي الجديد . و أخبار
عن موت أخيه و فرار زوجة أبيه من القصر.
( 1 )
بعد أن غادر جند " الباي " القرية سكنت الفجيعة أزقتها عاما كاملا.
سكتت الكلاب على النباح .
و ما عادت طيور الحمام تهزج على القراميد.
و لم يدق طبل.
و لم يرتفع موال.
إلى أن فاجأت أمي الجميع بزواجها من الوالي الجديد بعد أعدت الصفقة في
الخفاء. تنكرت أخت الوالي في ثياب بائعة جوالة و جاءت إلى دارنا المجللة
حيطانها بالقطران . وقفت المرأة أمام الأبواب التي ما عادت تفتح حتى ركبها
الصدأ ثم بدأت تشهر بضائعها بصوت محايد . أطل خادم من أعلى السطوح و طردها
فذهبت دون أن تلتفت وراءها. و عادت في اليوم الثاني تقف تحت الأسوار و
تنادي بصوت مسكين هز قلوب نساء القصر . و عاد الخادم يغلظ لها في القول . و
عرفت أمي صوت المرأة و لم تجرؤ على الكلام . و غاب صوت البائعة الجوالة
أسبوعا ثم عاد يرن داخل أرجاء القصر الصامت . تشاورت نساء القصر فيما بينهن
و طلبن من الخادم أن يدخل المرأة خلسة من باب العبيد . فقال إن الأمر صعب و
إن الرجال حجروا دخول القصر على الغرباء إلا بإذن خاص و إنه يجازف بقطع
رقبته. فدست أمي في يده حفنة من النقود ، فوافق و أدخل العجوز من باب سري
يفتح على الإسطبلات.
عرضت البائعة على نساء القصر فساتين الحرير و عطور الهند و جواهر كثيرة و
ما لا عين رأت و تركت لهن البضائع يجربنها و يلهون بها و اختلف بأمي ساعة
من الزمن.
سمعت من وراء الباب الموصد وشوشات المرأة التي ما أن اختلت بأمي حتى
احتضنتها و صارت تقبل وجنتيها و يديها و تبكي . و أمعنت النظر من ثقب الباب
. تطلعت إلى البائعة الجوالة فبهرني جمالها . كانت وهي تنزع الخمار عن
وجهها و تستقيم في جلستها و تضع الوسائد وراء ظهرها و تحكي مع أمي كأنها
تكلم صديقة عمرها . و كانت أمي تستجيب لنداءاتها و تضحك لضحكاتها و تمسك
يدها الصغيرة و تضمها إلى صدرها في حنان و لطف .
ثم خرجت البائعة الجوالة من الدار . لم تلتفت إلى البضائع التي جاءت بها في
قفتها و غادرت القصر وهب تتكئ على عصاها و تحرك رجليها بمشقة عجوز في
السبعين .
و تحول وجه أمي وهي تودع المرأة إلى الأحمر القاني فكأنها قد عادت إلى عمر
الصبا.
و عرفت أن أمرا خطيرا سيحدث في البيت.
( 2 )
مات أبي و ترك لأمي كنزا توارثه عن أجداده.
ليلة هجوم جند الباي على القصر ناداها إلى مقصورته . تحدث معها طويلا . قال
لها إنه يعرف أنها لا تحبه و أنه اغتصب قلبها لأنها ابنة عمه و من العار أن
تتزوج غريبا
وابن عمها في الدار.
بكت أمي وهي تستقبل حنان أبي لأول مرة وحاولت فتح قلبها لهذا الحنان الذي
وصل متأخرا جدا لكنه ظل موصدا وراء أقفاله الصدئة .
و لم يدم اللقاء طويلا.
قاد أبي أمي من يدها ة أوصلها إلى الإسطبلات ثم أخرج من جرابه فأسا صغيرة و
حفر حفرة صغيرة في الركن الغربي من الإسطبل ة قال لها :
- هنا يرقد صندوق فيه قطع ذهبية ورثتها عن جدتي . هي لك و لولدك فلا تفرطي
فيها لأحد . اتركيها الآن في هذا المكان و لا تعودي إليها حتى تفوت هذه
الغمة.
ووقعت الواقعة …
و دللتني أمي رغم عنف المعارضة التي لقيتها من أعمامي . كانوا يعرفون أنها
تمتلك مفتاح الكنز فلم يفكروا في قتلها . قال كبيرهم :
- أتركوا الأمر لي فأنا أعرف كيف أستخرج من جوفها السر المكنون .
و أخذها باللين ثم بالشدة فلم يحصل منها على شيء . و عرض عليها أن يطلق
نساءه الأربع و أن يتزوجها و يرحل بها إلى تونس فقالت له إنها عازفة عن
الزواج . و هددها بالقتل فعرت له عنقها الجميل ، فغض بصره و لعن الشيطان و
ضرب حولها حصارا و كلف بها عيون القصر ترعاها ليلا و نهارا.
و طلبت أمي رجال العلم فجاؤوا إلى دارنا.
وضعوا كتب التدريس فوق الموائد ، قريبا مني و قرأوا على مسامعي علوم النحو
و الصرف و الجبر و الهندسة و علم الميكانيكا و علوم الدين : القرآن و
الحديث و الصرف و الجبر و الفقه و التجويد ، و التاريخ و الجغرافيا.
ثم صاروا يحكون لي عن هارون الرشيد و يقرأون لي من أشعار أبي مواس و بشار
بن برد و المعري و أهدوني رحلات السندباد البحري و مقامات الهمذاني و بخلاء
الجاحظ و لزوم ما لا يلزم . و كانت أمي تدس في جيوبهم الذهب و تسخر من
أعمامي و ترقب ساعة الخلاص ، إلى أن جاء اليوم الموعود.
في الصباح ، سمعنا قصفا كقصف الرعود و رأينا عمودا من الدخان يصعد نحو
السماء، يظهر ثم يغيب فجأة وراء الجبل.
جرت القرية برجالها و نسائها و شيوخها و أطفالها و كلابها وحميرها نحو مصدر
الصوت . و لم يبق خلف الأسوار سوى نساء قصرنا و رجل يتنمر على ظهر جواد.
اشتاقت النساء للفرجة على أعجوبة الكفار و لكنهن كن خائفات من بطش أعمامي
فأوصينني بأن أشاهد لهن هذا الوحش الذي يحمل في بطنه الرجال و الدواب ليطوي
بهم المسافات البعيدة و لا يتعب. وعدتهن خيرا ثم قفزت خارج الأسوار بعد أن
قدمت رشوة لحارس باب الخدم: خبزة كبيرة مرشوشة باللوز و الفستق كانت زوجة
أبي قد مهرت في صنعها. فألبسني الحارس كدرون ابنه و طلب مني ألا أتأخر
كثيرا .
كنت قد ابتعدت مسافة عن القصر حين وصلني نداء أمي ملحاحا . التفت فرأيتها
تلوح لي فوق الأسوار ، فلوحت لها بيدي و جريت باتجاه الجبل تقودني حاسة
السمع إلى أن رأيت بناية عالية تجمع حولها خلق كثير . و سمعت هرجا و مرجا و
بكاء أطفال و تسبيح شيوخ تتدلى من ذقونهم اللحي حتى الصدور و ضرب على
البنادير و تهليل و تكبير ... ثم ظهرت في الأفق البعيد نقطة سوداء بدأت
تكبر و تكبر و تهجم باتجاه الجمهور الذي تجمع تحت البناية.
و ملأ الضجيج و الدخان المكان ثم انبعث من الوحش صوت أجش و صفير مبحوح يصم
الآذان.
و اقترب الوحش الذي كان يدب على خطين من الحديد مني حتى كاد يلامسني ثم
توقف فجأة و نغث دخانا أسود و همدت حركته . رأيت شيطانا يخرج من جوفه و
يقترب مني قفزا ثم يحملني بين يديه و يرفعني عاليا حتى كدت ألامس السماء ثم
وضعني على الأرض بعيدا عن سكة الحديد.
التفت يمينا و شمالا فلم أجد أحدا في الساحة . تفرق الخلق المذعور في كل
الاتجاهات. فر الناس من أمام وحش الحديد و امتلأ المكان بالرهبة.
يومها ، فرت أمي من القصر و من قسوة الأعمام. ربطت حبلا في سارية مدقوقة
أعلى السور و تدلت حتى وصلت ظهر حصان الوالي الجديد. و نفر الحصان يعدو في
أزقة القرية الخالية.
كان الوالي يتشهى أمي و هي طفلة . رأى في منامه أن جدي قد وهبه نبتة فل من
بستان فصرنا فجمع أهل بيته و طرق باب الجد طالبا يد " ريحانة " لكن الجد
شتم شجرة عائلته و أطلق وراءه كلاب القصر و عبيده.
( 3 )
عشت في حجر زوجة أبي خمس سنوات بعد فرار أمي.
يسطت علي المرأة الغريبة حمايتها و هددت أعمامي إن هم مسوني بسوء أن تنشر
في القرية ما لا يرغبون في سماعه . فخافوا و تركوني لها.
صرت أنام معها و مع ابنها في فراش واحد . ترقدنا على جانبي السرير و تضطجع
في الوسط و تحكي لنا حكايات عجيبة.
هي لا تمل الحكي حتى ننام فتذهب إلى حيث لا يعلم أحد و لا تعود إلا حين
يفلق الضوء صدر السماء . فتنام حتى منتصف النهار.
حكت لنا عن مدن غريبة جبالها من ذهب و سماؤها زمردة خضراء و رجالها و
نساؤها أجمل من الملائكة . إذا اشتهوا الأكل تنصب أمامهم موائد الملوك . و
إذا تمنوا الكساء تتغطى أجسامهم بالحرير و الدمقس.
و نسألها إن كانت هذه المدن قريبة من قريتنا ، فتغمض عينبها و تقول :
- إنها بعيدة جدا . أبعد مما تتصورون .
و نقول :
- هل هي وراء الجبل الأجرد؟
فترد:
- أبعد...أبعد كثيرا...
و تتنهد. و تواصل كمن يحدث نفسه. تحكي عن هذه المدن التي عاشت فيها مع
أبينا قبل أن تستقر في هذه البلاد المسكونة بالرمال و الفجيعة. و على العكس
مما تصور الجميع لم تترك زوجة أبي القصر و ظلت تقف على السطوح كل فجر ترقب
عودة حصان أبي من سفره الأخير.
ثم مات ابنها فجأة و بدون مقدمات. فقد عادت الحياة إلى القرية و نسي
الأهالي جند الباي و نسي أعمامي فجيعتهم في والدي و حضروا زفاف ابن عمي على
إحدى قريباتي . و انهمكت مع الأطفال في اللعب تحت جبل من الرمل و الحصى.
تجمع أطفال حينا و أطفال الأحياء القريبة على ضربات الطبل و تكدسوا تحت
الجبل يحفرون نفقا . ملأنا السلال بالرمل الذهبي و غطينا بها تراب الحوش
الذي بلله المطر و حوله إلى وحل يلتصق بالأرجل و يلطخ الثياب الجديدة ببقع
رمادية قبيحة . ثم لعبنا بعد العشاء لعبة الغميضى . اختفى أخي في النفق و
جاراه الأطفال الآخرون . و تكررت اللعبة حتى أصابنا الضجر فتركناها إلى
لعبة أخرى. ثم تفرق الجميع و عاد الأطفال إلى منازلهم بعد أن لطخ ابن عمي
القماش الأبيض المدسوس تحت كفل العروس بالدم. فلعلع الرصاص و زغردت النسوة
ابتهاجا للشرف الرفيع.
و هدأت الحركة في الحي فعدت إلى دارنا . وجدت زوجة أبي نائمة فتمددت في
مكاني حذرا حتى لا أشوش أحلامها و همدت بسرعة فقد أنهكني تعب اليوم الذي
هرب.
أفقت على لمسات على شعر رأس . كانت زوجة أبي تفرق بيني و بين ابنها بلمس
شعر كلينا. شعر أخي سبط رقيق كالحرير و شعري خشن ورثته عن أجدادي الذين
هجوا منذ ألف سنة من صعيد مصر و قطعوا البرور البعيدة ليستقروا في هذه
الواحة الصحراوية . لمست المرأة الشعر الخشن ثم بحركة لا إرادية لمست الجهة
الأخرى . لم تجد أثرا للشعر الحريري فطار النوم من عينيها و صارت تخبط في
كل الاتجاهات . ثم قامت واقفة . أشعلت قنديل الزيت المعلق بحبل وسط الدار و
بحثت بعينيها عن الصغير.
بحثت تحت السرير ووراء الخزائن ووسط الصناديق و لكنها لم تجده . ظنت أنني
تواطأت معه و ساعدته كعادتي على الاختباء في مكان لا يخطر على بالها .
خضتني فأفقت مذعورا . سألتني عن أخي فقلت لها و أنا أغالب النعاس أن آخر
عهدي به كان وهو يلعب مع الأطفال في ساحة الحي . و علا شخيري من جديد.
تركت المرأة الدار كالمجنونة ورفعت صوتها بالعويل . فأفاق الخدم و قاموا
مذعورين . طلبت منهم أن يبحثوا معها عل الصبي قكثر الصياح و ارتفعت
النداءات في كل مكان ، و لا مجيب إلى أن وصل الأعمام فعم الذعر و الارتباك
الجميع و فاحت رائحة فجيعة جديدة في القصر.
و عاد الأعمام يستجوبون الأطفال فعرفوا منهم أنه كان يلعب قرب النفق الذي
حفروه لجلب الرمل لحوش العرس . فجرى الأعمام باتجاه النفق و جرى وراءهم
الخدم و الجيران . وصلت الأم قبل الجميع و بدأت تحفر . حفرت بيديها و
رجليها و بكامل بدنها و قفاف الرمل بعيدا . قذفت به إلى أبعد من تخوم
الصحراء الكبرى . وحفر الرجال بالفؤوس و الرفوش و المساحي إلى أن اصطكت فأس
بخلخال الصبي.
كانت زوجة أبي تريد أن تغالط الموت .
الموت الذي يعشق الأولاد و لا يبالي بالإناث .
لكن الموت عرف طريقه هذه المرة .
عرف طريف ابنها و لم تنجح حيلة الأم.
دفعت الأم الخدم و الأعمام بعيدا ثم عرت الرجل برفق و قبلت الخلخال ثم مسحت
الرمل عن الفخذ و البطن و الصدر و الوجه و نفضت التراب عن الفم و الأنف و
الشعر و العينين و قبلت وجنتيه و الخال المرسوم على صفحة الخد ثم وضعت
سبابتها على شفتيها و أشارت إلى الحاضرين أن يصمتوا حتى لا يوقظوا الصبي
النائم . و عادت إلى البيت.
مالت عنق الطفل مرة إلى اليمين و مرة إلى الشمال فأعادتها المرأة برفق إلى
صدرها و مشت إلى أن وصلت إلى البيت فوضعت الطفل على يمينها واضطجعت في وسط
السرير و نادتني . طلبت مني أن أطفئ ضوء القنديل المعلق وسط الغرفة و أن
أملأ المكان الشاغر على يسارها . رأيت عمي يشير لي بعينيه أن نفذ رغبة زوجة
أبيك فامتثلت للأمر .
بعد مدة أحسست بها تلمس شعر رأسي و بدأت حكاياتها عن المدن البعيدة.
في الصباح ، أفاقت زوجة أبي باكرا . أيقضها ضجيج الأعمام و هم يجهزون الطفل
للدفن فوضعت ثيابها و مجوهراتها في حقيبة و صعدت إلى سطح القصر. قالت
لأعمامي أنها تترقب الحصان المجنح الذي سينقلها إلى مدينتها البعيدة. و لما
طلع قرض الشمس ولم يظهر الحصان طلبت مني أن أحمل لها حقيبتها و أن أرافقها
إلى محطة القطار.
و لم يبق لنا من ذكرى زوجة أبي سوى بكاء الأجنة الذين زرعهم أعمامي في
رحمها و دفنتهم أحياء في بيوت القصر المهجورة.
الفصل الخامس
*****
الباب الخامس
و فيه قصة استعادة " ريحانة " لعزيزها من أعمامه ، و تفاصيل عن الحمائم ذات
الوجوه الآدمية . و أوائل منسوبة إلى " عزيز السلطاني " في التهتك و
الفجور.
كما يروي لنا تفاصيل عن لقاء العزيز بزوجة أبيه في " الدار الكبيرة "
بمدينة " صفاقس " المعمورة
" سبعه صبايا
في قصبايا
انسمنهم
و انطمنهم
واعقاب الليل
ناكلهم "
من خرافة: " الغول و البنات السبعة "
خرافة مشهورة في : بلاد الجريد / جنوب تونس
( 1 )
ظلت كلاب قصرنا تنبح وراء " الوالي " إلى أن مزقت خيول باي المحال أطراف
أبي ، فكفت الكلاب عن النباح و فاح الفل فوق سرير الوالي الجديد.
عاد حبه لريحانة يدق على أبواب قلبه بعنف الشباب و تهور المجانين. و لكنه
لم يندفع وراء جنونه. و ترقب عاما كاملا حتى تنجلي غمامة الحزن و يطحن
تكرار الأيام ضراوة الفجيعة. ثم بعث أخته للقصر لعلها تستكشف بقايا عشقه في
قلب ريحانة. وعادت الأخت بالبشارة فهزه الطرب و أمر أن يسيج قصره بالفل.
واشتطت أمي في طلباتها فاشترطت عليه ألا تساكن نساءه و أن يبني لها دارا
جديدة، فوافق بسرعة واستقدم البنائين المهرة من الجهات البعيدة و أطلق
أيديهم فشيدوا لأمي قصرا تفننوا في تعميره و في تزويقه وزخرفته حتى استوى
تحفة تسر الناظرين. و طلب منها أن يربطه ببقية دوره بسرداب فوافقت على طلبه
راضية مرضية.
ثم أثث الوالي الدار الجديدة. جلب لها الأرائك و الفرش و الزرابي و التحف
الثمينة من المدن البعيدة . و أعلن أمي مليكة على قلبه. لكن أصوات نباح
كلاب جدي ظلت تفزعه في مناماته و تفسد ساعات صفوه مع امرأته ففتش عن أعذار
ليمتهن أعمامي و يحقرهم . و جاءته الفرصة حين طلبت منه أمي أن يحضرني على
قصرها لأنها ترغب في شم غرتي.
و عرف أن الأعمام لن يلبوا هذا الطلب ، فأدخل الإمام وسيطا بينه و بينهم.
لكنهم صموا عنه آذانهم و كابروا و لم يتركوا الإمام يتكلم في هذا الموضوع.
فلم تنفع وجاهته و لا ادعاءه أنه من سلالة الرسول في تليين رفضهم بل زادوا
فتطاولوا على الإمام وحاولوا تعنيفه.
و جن جنون الوالي فبعث جنده يطوقون القصر ثم يحاولون اقتحامه لكن الأبواب
المنيعة وقفت في وجوههم و أحرق جلودهم الزيت الساخن الذي سكبه عليهم الخدم
من فوق الأسوار فولوا الأدبار هاربين.
واشتد الوالي على أعمامي فقطع الماء على بساتينهم شهرا كاملا إلى أن جفت
أحواض النعناع و تساقطت أوراق أشجار الخوخ و المشمش و ذبلت الدقلة في
عراجينها.
وظل أعمامي متمترسين وراء الرفض و الضغينة إلى أن أشار على الوالي واحد من
جلاسهبالتظلم لدى إمام الجامع الأكبر و المطالبة بإلحاق العزيز بأمه. وراقت
له الفكرة فأركب أحد أصفيائه على خيل البريد و بعث به إلى تونس مصحوبا
بالهدايا و العطايا: برنس جريدي من حرير الشام و جبة مطرزة بخيوط الذهب و
غرائر من أجود أنواع التمور وصندوق مرصوص بقراريط الذهب ومرصع بالياقوت و
الزمرد.
وازداد أعمامي شراسة في معاملتي كلما ازداد الوالي في اذلالهم قما عدت أبرح
ظل الجدة نهارا و سرير زوجة أبي ليلا. كنت في النهار أستند على جذع التمثال
الواقف في وسط الحوش و أحتمي بمظلة أبي المنتصية فوق رأس الجدة فيهابني
الأعمام و لا يجرؤون على الاقتراب مني . فأملأ أوقات فراغي باللعب مع طيور
الحمام. طيوري الجميلة لها وجوه آدمية بعيون زرقاء شبيهة بعيون أولاد
أعمامي و رموش سوداء طويلة و أصوات هامسة كخرير الماء . تحط هذه الطيور على
كتفي و فوق رأسي و على يدي و تملأ الجو هديلا و أنسا إلى أن يسرق فرحنا
الظلام فأعود على سرير زوجة أبي و يعود الحمام إلى غرف القصر المهجورة . و
يتحول هديله اليومي إلى عويل مكتوم كأنه طالع من بطن الأرض.
و عاد رسول الوالي الجديد من تونس مصحوبا بوثيقة مدموغة بخاتم الباي . قرأ
الوالي الوثيقة و سلمها إلى القاضي فقرأها متشفيا و استدعى عمي الأكبر
ورماه بالوثيقة التي تلحقني بأمي و ترفع عن كاهلي أيادي أعمامي .
رجا القاضي عمي تطبيق مطلب الباي و هدده بأن حامية الجند ستطبق القانون إذا
امتنع و عاند.
و أذعن عمي لكنه اشترط أن ترجع ريحانة للعائلة الكنز الذي سرقته من القصر و
أن يعادي " العزيز " طيور الحمام ذات الوجوه الآدمية.
وجاء رد القاضي قاطعا كحد السيف:
- سلم العزيز لأمه يا رجل ، ة إلا فعلى الباغي تدور الدوائر.
و ذهبت وحدي إلى القصر الجديد لأن فاطمة قاطعتني بأمر من الأعمام فسهوت
عنها و نسيت بعد موت والدي أنها ركبت ورائي على جواد جامح ذات يوم.
قاطمة التي تفوح من شعرها الطويل روائح الحنة بقيت في القصر القديم تحرس
تمثال الجدة و تطعم الحمام.
( 2 )
فتحت أمي أبواب قصر الوالي وسيعة في وجه كل الزوار و أولمت للفقراء وليمة
كبيرة تداعى لها الخلق من الجهات الأربعة . و أوكلت أمي إلى الجزارين محر
الجمال السمينة فذبحوا مائة جمل .
قالت لهم :
- هذه قطعان إبلي دعوا الفقراء يأكلون من طيباتها و اتركوا لضواري الصحراء
نصيبا.
واحتفلت القرية بعودتي إلى وسادة أمي وحنانها احتفالا مجنونا. رقص و غناء و
سكر و عربدة على مدى سبع ليال و سبعة أيام.
ولم يمانع زوج أمي في أن أعربد و أتهتك في قصره بل صار يدس لي ندمانا جددا
كلما فترت علاقتي بالأقدمين فعلموني تدخين " التكروري " و الرقص و أنا
عريان السوأة تحت ضوء القمر.
و صرت كلما ذكرت " فاطمة " أخرجوا لي من صندوق عجيب طفلة فاتنة فآكل من
تفاجها و ألحس عسلها و أشرب من رضابها و أتوسد زندها و أنام.
و يقول والينا :
- أنت وريثي يا عزيز ، سأترك القصر في حمايتك.
و يغيب ضاربا في الأرض أياما طويلة بحثا عن الغزلان و الأرانب البرية.
يخرج الوالي إلى الصيد مصحوبا بالندامى و إحدى نسائه . يطلب معه دائما
الأصغر و الأجمل و الأقرب منهن إلى قلبه . و يترك البقية.
و يملأ القصر الضجر فتتهافت النساء على المجون . يبدأن بالغناء و الموسيقى
و لعب القمار و ينتهين بين أحضان الوصيفات .يملأ لياليهن السحاق و اللحس و
المص و العض و نهش اللحم الطري و النهود النافرة و الأرداف السمينة
المكتنزة.
في الصباح يذهبن إلى الحمام . تخرج كوكبة من الفرسان تعتدي على كل من يجرؤ
على المرور في الطرق ساعة خروج نساء القصر على الحمام ضربا بالكرابيج و
رفسا بالأرجل و خبطا على الحيطان. فيختفي الشباب وراء الأبواب الموصدة و
يكتفون بالتفرج على الموكب من وراء الشقوق و الكوى الصغيرة. و تموت القرية
إلى أن ينادي " البراح " بصوته الجهوري مصحوبا بدقات طبله معلنا أن نساء
الوالي عدن إلى الدار سالمات غانمات ، فتمتلئ الدنيا من جديد بالحركة .
تطير الحمائم و تحط على السطوح و يرتفع صياح الأطفال في الأزقة و يعلو غناء
الرجال مخترقا المسافات البعيدة على جناح الأثير ، مندفعا من من تخوم
الواحات و أقاصي الوديان لبحط داخل مقصورات القصر. فتلتهب قلوب النساء
المنسيات و تقطر الشهوة من عيونهن و تسيل بين الأفخاذ.
( 3 )
لم ألتفت كثيرا لنساء القصر . في الأيام الأولى، تحرشت بي محضيات الوالي و
بناته فلم أبال بهن . خفت من سطوة زوج أمي و سيوفه و كلابه التي تنبح كامل
الليل فهربت من طريق نسائه إلى أن أشرق قمر الليلة السابعة . ليلتها ، و
أنا أهم بالنعاس أحسست بجسدين يلتحمان بي. وضعت الأولى يدها على فمي حتى لا
أصرخ و همست:
- لا تخف، أنا بنت الوالي و هذه أختي ، جئنا نؤنس وحشتك في هذا الليل.
تحركت بعنف فوق السرير إلى أن تحررت من قبضتها ثم صحت زاجرا:
- اخرجا حالا.
فقالت الثانية بدلال و غنج:
- دعي هذا الصبي يا " رباب " هو أصغر من أن يعرف معنى أن تؤانسه بنتان في
ليل الشتاء.
و خرجتا خفيفتين كرفة الفراش.
وضعت خفين في رجلي و جريت وراءهما ، فما وجدت لهما أثرا.
قلت : لعله بداية حلم ، و عدت إلى سريري.
و لكنني شممت روائح عطر لذيذ في غرفتي . عطر لم أشم له مثيلا قبل تلك
الليلة ، فزاد اضطرابي وخفت أن أكون ضحية جنيات تسكن القصر. و أرعبتني
الفضيحة فنمت بع أن أغلقت الباب ورائي .
في صباح اليوم الثامن قدمت لي أمي بنات الوالي اللاتي جئن يهنئنها بقدومي .
رأيت سبع بنات جميلات كحور العين . لذيذات كالتفاح الرومي . بشوشات.
ودودات. ينضرن نحوي بخفر كاذب . و يضحكن و يتغامزن . و لم أميز التي طرقت
بابي البارحة.
اقتربت لأسلم عليهن فشممت رائحة العطر الذي ملأ أحلام الليلة الفائية. و
أعطتني كل واحدة منهن خدين طريين لأقبلهما ، و أمسكن بأصابعي و ضغطن عليها
بلطف. و أشعل ارتباكي ابتسامات أمي المتواطئة، فتركتهن و ذهبت.
في الليل، زارتني بنتان من بنات الوالي. لم أدر هل هما اللتان جاءتا
البارحة أم هما أخريان؟
و لم أطردهما.
و تواصلت زيارات البنات إلى القصر مدة خمس سنوات بعت خلالها كثيرا من
أملاكي لأهديهن عقود الزمرد و خواتم الياقوت . و شجعني الوالي على بيع
ميراث العائلة طالبا من أعوانه أن يشتروا مني كل ما أبيع ثم كان يحول سندات
البيع باسمه . و انهمكت أمي في دفن الملائكة التي صنعتها في أرحام بنات
الوالي كما علمتها زوجة أبي . كانت تحفر حفرة في التراب تواري فيها اللحم
الطري و تسقيها بالماء الطهور فتخرج منها بعد أيام حمائم ذات وجوه رائعة
الجمال شبيهة بوجهي تطير عاليا في السماء ثم تحط على البيوت تهزج و تهدل في
النهار و تنوح ليلا على الشرفات العالية.
و يأكلني السأم فأسافر إلى المدن القريبة و البعيدة . أختلق أتفه الأسباب
لأسافر ، فأنام مع مومس في ماخور قذر و أعود إلى البيت .
أو أشرب قارورة خمر رخيص في حانة و أعود .
أو أحتسي قهوة و أعود.
أو أكتري حماما مكتظا بالنساء لأمارس فيه ملذاتي . أملأ فم صاحب الحمام
بالذهب و أصعد على السطوح
أرقب جنون المستحمات من خلال كوى بلورية و أجلد عميرة. أرش المني على نساء
الحمام إلى أن يذوب بدني و تفرغ جيوبي فأعود إلى البيت.
و لم تسع الدنيا حيرتي إلى أن قال الوالي لأمي ذات ليلة إنه يتشهى الحمام ،
و أخرج من بين طيات ثيابه خنجرا يلمع كعيون القطط .
و فهمت أمي الرسالة فأعطتني صندوقا يكتظ بقطع الذهب و طلبت مني أن أهرب إلى
مكان يعز فيه طلابي.
ولوحت لي بيدها.
و كان هدير القطار يملأ الأفق الرحب.
( 4 )
حالما وصلت مدينة " صفاقس" سألت عن " الدار الكبيرة" ، فأرشدني كهل إلى
دربها. ملأت زوادتي بالخيرات السبعة و قصدتها. تقاذفتني طرق كثيرة . طرق
ملتوية كالثعابين فمشيت و حثثت الخطى إلى أن شممت الرائحة المميزة لحي
البغايا. هيجني الجو الغائم و ضربت قطرات مطر خفيف جبهتي فزادتني رهقا. و
طارت بذاءات نساء الحي في الجو فقلت في نفسي:
- هنا مربط الفرس يا رجل.
وانفتحت الأبواب في وجهي فجلت في أزقة المبغي نصف يوم دون أن أطرق باب
واحدة من البنات اللاتي كن يقذفنني بسباب فظيع كلما مررت أمامهن. و كاد
الليل يهجم على الشارع فاستجرت بسيدة الحي ، فأجارتني.
كانت المرأة ربعة القوام ، في الخمسين من عمرها ، سمينة دون امتلاء ، يكاد
الدم يقطر من وجنتيها . و كانت لا تكف عن الضحك و عن إطلاق النكات البذيئة.
سلمت عليها ، فردت على سلامي بأحسن منه . و سألتها إن كانت تقبل أن تغلق
أبواب ماخورها في وجوه كل الزبائن على أن أعطي كل واحدة من بناتها مرغوبها
و أن أزورهن السبعة كل ليلة يآلة لا تكل و لا تمل ، فضحكت وصارت تخبط الأرض
برجليها و تضرب برأسها على الحائط حتى ظننت أنها جنت . ثم قالت : " موافقة
" . و أضافت بعد أن مسحت دموعها : " عرفت طريقي إذن ." و لم تزد.
و لم أفهم قصدها، فبقيت واقفا في فتحة الباب.
اقتربت مني المرأة بعد أن غطت وجهها بقناع من الجد فقبلت جبيني و أخذت
زوادتي فوضعتها فوق طاولة قصيرة القوائم في الركن الشرقي من البيت ثم نزعت
عني برنسي وجبة الحرير و أشارت إلى الحمام.
قالت تحدثني بود : " أترك الماء الساخن يطهر عظامك يا صغيري"
فامتثلت لأمرها و دخلت الحمام.
جاءتني بسطل كبير به ماء ساخن و قطعة صابون معطر و أغلقت الباب وراءها.
تركتها تمضي ثم نزعت ملابسي الداخلية و صببت الماء على جسمي صبا لطيفا فسرى
الخدر في كل كياني . و أحسست بجسمي يخف حتى كاد يطير.
كان للماء رائحة مخدرة و طعم لذيذ.
و كنت كلما هممت بالكف عن الاغتسال عادت يدي إلى السطل تغرف منه و تدلق على
روحي . فقد تحولت في تلك اللحظات إلى كائن شفاف.
و خف وزني فبدأت أرتفع شيئا فشيئا في فضاء الغرفة . و أفزعني الرعب من
الوقوع على الأرض التي كنت أبتعد عنها رويدا رويدا ، فبادرت إلى سطل الماء
و قطعة الصابون وقارورة العطر أثقل بها بدني المرتجف . و كنت كلما أثقلت
بدني ازددت ارتفاعا إلى أن لامست السقف فأغمي علي وسقطت على الأرض محدثا
دويا هائلا. حين أفقت ، رأيت المرأة الجميلة جالسة وسك سرير كبير و أنا
ممدد إلى يمينها. و سمعتها تحكي عن مدينة بعيدة يملأ الرمل أفواه أطفالها و
تسير قطاراتها على خطى قوافل الجمال و يطير أمواتها على خيول لها ألف جناح
و جناح.
و تنحنحت فصمتت مدة ثم قالت :
- ماذا جاء بك إلى هذه المدينة التي تأكل رجالها يا ولدي ؟
فقلت :
- جئت أبحث عمن يأكلني يا امرأة.
و أخرجت من زوادتي جرة ملأى بقطع الذهب و قلت لها :
- هذا كنزي ، ورثته عن أبي ، به مائة قطعة من الذهب الخالص . تزن كل واحدة
منها مائة مثقال . أريد أن أبيع هذا الكنز و أشتري به نساء الحي مدة سنة ،
فهل توافقين ؟
قالت : أعرف هذه القطع.
و أخرجت من صندوق صغير مركون وراء السرير واحدة مثلها.
و قالت :
- إذا صباحا سأطلب من حارس الحي أن يبدل لك قطعة منها عند الصائغ و سأشتري
لك بثمنها واحدة من بناتي و سأزف لك هذه البنت بالطبل و المزمار .
نم الآن يا صغيري سأجعلك تحلم بالجنة.
ووضعت راحة كفها على جبيني فنمت في التو والساعة نوم الرضيع في مهده إلى أن
حط حمام السيدة على قضبان سريري وانطلق هديله يسكر الروح الظمأى.
وصارت سيدة الحي تمعن في تمتعني بضروب من اللذة ما كنت أحلم بها.
أحضرت إلى بيتها المغنيات الشهيرات و الراقصات البارعات و ضاربات العود
الماهرات و صارت توفني كل ليلة عريسا على واحدة من بناتها . و أنا أنام
النهار بطوله متوسدا فخذيها و لا أفيق إلا عندما يسكن الظلام الحي فأنهمك
في اللهو و المجون و الأكل و شرب الخمر.
و أسرني سحر السيدة . كانت تشير بإصبعها إلى طاولة عجيبة فيصف فوقها في
الحين صحون من الذهب و الفضة و أواني أخرى من خزف الصين . ثم تشير مرة أخرى
إلى الصحون فتفوح في البيت رائحة اللحم المشوي و السمك المقلي و أطعمة لم
أر لها مثيلا في حياتي . و تزدان الطاولة بعناقيد العنب و بالتين و التفاح
و الموز و الأجاص و الكمثرى و البطيخ . و أنا أتشهى الحاجة في خيالي فتحط
على الطاولة في الحين و اللحظة.
و جن جنوني فطلبت منها أن يبدل كل قطع الذهب التي مازالت في حوزتي بريالات
اسطنبول و أن تشتري لي بتلك الفلوس ما يلزمنا لمدة سنة قمرية.
قالت : فهمت قصدك . ثم استأجرت الحمالين و ذهبت إلى سوق المدينة . اشترت
لنا الدقيق و اللحم المقدد و السكر و القهوة و المكسرات . و تفننت في
اختيار أصناف الخمرة المعتقة. و أنا أراكم تلك المؤن في بيوت البنات السبع
اللاتي حولتها إلى مخازن . و دعوتها إلى شراء المزيد من الحلويات و
المكسرات فقالت وهي تضحك إنها تستطيع إفراغ مخازن دكاكين صفاقس في بيوتها
بإشارة من إصبعها . و لكنها تأبى ذلك.
و ضربت لي مثلا.
قالت : انظر ، و أشارت بسبابة يدها اليمنى إلى ميزاب على سطح البيت ، و
أغمضت عينيها و تمتمت بكلمات مبهمة . فبدأت قطرات من النبيذ تهطل من فم
الميزاب . ثم سال خيط أحمر و جرى على أرضية الزقاق. ذقت رشفة من السائل
فوجدته خمرا معتقة أحلى من الخمور المنسية من عهد ساسان . فقلت لها : آمنت
بك و صدقت ، و لكنني أردت أن يطمئن قلبي.
فقالت : لك ما تريد يا صغيري.
و رجعت إلى الأسواق فشرت لنا نا لا عبن رأت و لا أذن سمعت و ما لا يخطر على
بال . ثم عادت منهكة فنامت ثلاثة أيام بلياليها.
كنت خلال نومها أتجسس على أحلامها فأسرق منها حكايات تحدث بها طفلين ينامان
على سرير في بلاد بعيدة.
عندما أفاقت من نومها دعت بأمهر البنائين. ملأت جيوبهم الكبيرة بالنقود و
طلبت منهم أن يسدوا علينا باب الدار بالحجارة و الملاط . ثم أكرمتهم بما
بقي لديها من أوراق نقدية من خلال آخر ثقب في الحائط
و طلبت منهم أن يعلقوا أمام الباب لافتة تعلن للزوار أن " الدار الكبيرة "
مغلقة لمدة عام و أن على الراغبين في زيارتها ترقب طلوع هلال السنة القمرية
الجديدة.
و كررت طلبها للبنائين بفتح الباب بعد سنة . وغاب بقية حديثها وراء الملاط.
وجدت نفسي الفحل الوحيد في بيت مسكون بالجنون مع امرأة أكاد أعرفها . أحوم
حول تخوم قلبها فتتحول إلى حورية تفتح لي فخذيها بمجون و لا تشبع من ضمي و
لثمي و مص لساني صارخة عند بلوغ النشوة الكبرى باسم أبي . و أحس في أعماقي
أنني شممت رائحة روحها و أنا طفل فألجها برفق تارة و عنيفا مرات أخرى.
أخضها خضا فيطلع من حلقها نطق لذيذ لحرف القاف الخفيفة . قاف لا يعرفها
رجال الصحراء . و يزداد شكي قأبطش ببناتها . سبع صبايا . كلما باشرت إحداهن
وجدتها بكرا كأن لم يطمثها قبلي إنس و لا جان. سبع صبايا عارفات بفنون الحب
و لذائذ الغرام . سبع صبايا شهيات عند الغناء و الرقص على نغمات آلة عجيبة
شرتها السيدة من دكان تاجر يهودي جلبها من بلاد الكفار. آلة تغني أحسن من
أمهر المغنيات . تضع السيدة أسطوانة على صدرها و تمرر فوقها ذراعا به سن
كالمسمار الصغير فتدور الاسطوانة و يخرج من فم الآلة صوت أحلى من تغريد
البلابل يخدر الأعصاب و يمر على القلوب كالبلسم الشافي فأرى روحي تخرج من
بدني و ترفرف بأجنحتها الصغيرة أمام ناظري ثم تطير في ملكوت الرب نشوى
بالسحر الحلال.
الفصل السادس
*****
الباب السادس
في ذكر عودة " العزيز " من صفاقس و دخوله " عتيقة " فاتحا .
و يحتوي على أسرار طرده من رحمة العائلة و تفاصيل عن العريضة التي تم
بمقتضاها الطرد .
كما يحتوي على الحوادث التي قادته إلى الهجرة القسرية من " عتيقة " إلى "
قرط حدشت ".
( 1 )
و أفقنا يوما على ضربات البنائين على باب الماخور . هدم الرجال الحائط و
أطل أحدهم من كوة صغيرة و هو ينادي :
- لقد وفينا بالعهد يا " سيدة " فافتحي للزائرين.
قالت :
- هل وصل هلال السنة الجديدة ؟
فرد :
- عامك سعيد يا سيدتي ... هات البشارة .
أعطته قرطين من الذهب الخالص ، فباشر إصلاحاته في الحي الخارج من سبات عام
قمري.
و طلبتني من دار إحدى بناتها ، فوسدتني فخذها و همست :
- غدا ، عند انبلاج الفجر ، حين يصير بمقدورك أن تميز الخيط الأبيض من
الخيط الأسود ، سيصل حصان له ألف جناح . سيطير الحصان قريبا من سطح بيتنا
هذا فلا تخف . إنه حصان أبيك العائد من طوافه بين جنان الخلد.
سأركب الحصان وراء رجلي .
و سكتت مدة ثم قالت :
- غادر هذا الحي يا ولدي عند شروق الشمس و لا تعد إليه أبدا .
و قامت .
فقمت وراءها ألملم ذاكرتي المقتولة و أسأل عن طريق محطة القطار .
( 2 )
حين نزلت من العربة الخلفية للقطار في المحطة الخالية ، أطلق صفيره و اندفع
غربا . أزت عجلات الحديد على الحديد برهة ثم بدأت في طحن الرمل . كنت أعرف
أن هذه المحطة هي الأخيرة و أن لا سكة حديد بعدها لكنني رأيت القطار يبتعد
داخل المهمه القفر و يغيب عن ناظري شيئا فشيئا إلى أن ابتلعه الشفق الأحمر
.
مشيت مدة وراءه إلى أن انتهت سكة الحديد و عوضتها آثار أخفاف الجمال على
الرمال الطرية فوقفت أستكشف الموقع.
هل أخطأت محطتي و هبطت في مكان آخر ؟ ربما...
لكن شجيرات الرتم المقابلة للمحطة مازالت في مكانها.
و بحثت عن القرية فلم أجد لها أثرا. و قادتني خطاي إلى تلة . صعدت التلة و
أمعنت النظر فرأيت في البعيد شكلا يشبه البيت . قصدت البيت ، لكنني كلما
أمعنت في الاقتراب منه أمعن في الهرب مني . و مشيت بقية ذلك اليوم و كامل
الليلة التالية وراء البيت إلى أن هدني التعب و لم أصل إليه ، فنمت في
مكاني.
أفقت في الصباح على هدير القطار . رأيته يبتلع آثار أخفاف الجمال المرسومة
بإتقان على الطل النازف على الأرض ثم يركب سكة الحديد من جديد و يهرب شرقا.
و أنا ألوح بمنديلي في كل الاتجاهات لعل راكبا يراني . لكن عربات القطار
كانت خالية. كل العربات كانت خالية بدون استثناء . حتى عربة القيادة لم يكن
بها سائق . و كنت الوحيد الشاهد على مرور القطار .
و انتبهت إلى أنني مازلت جالسا في المكان الذي نزلت فيه عشية الأمس ، قريبا
من شجيرات الرتم .
بحث مرة أخرى عن أثر يدلني على طريق القرية فلم أجد غايتي فقلت لأضربن في
الأرض كالعميان ، و عصبت عيني بمنديل و هجمت على مسارب الجبل فقطعتها خفيفا
أسرع من المبصرين و لم أقف إلى أن شممت رائحة النار.
هذه الرائحة أعرفها. و أمعنت في الشم فعرفت رائحة حطب النخل الملتهب .
ورفعت العصابة عن عيني فرأيت باب السور . باب ضخم واقف أمامي بدفتيه
الكبيرتين . دفتان عاليتان مصفحتان بالحديد و النحاس تزينهما رسوم و طلاسم.
و تلفت في كل الاتجاهات أبحث عن السور فلم أجد له أثرا . فاندهشت و قلت
متعجبا : " باب ينغلق على لا شيء ".
و بقيت مدة أمام الباب أفكر . هل أمر من خلاله أم أجانبه و أدخل القرية ،
فلا حائط يعيق تقدمي.
و عزمت على دخول القرية فاتحا فوضعت يدي على الخشب برفق و قلت : " باسمك
اللهم أدخل هذه القرية آمنا "، فانفتح الباب و كأن أيادي خفية تجذبه من
الخلف.
و دخلت القرية من بابها الكبير . بسلمت و أوسعت الخطى فرأيت المباني تخرج
من الأرض ثم ترتفع رويدا رويدا إلى أن تستوي على اليابسة . و سمعت الكلاب
تعوي و الديكة تصيح . وجرى أمامي الأطفال . و خرجت النساء إلى الغدير يملأن
الماء و يغسلن الثياب و يطهرن من الجنابة .
و ساق الرجال الحمير أمامهم باتجاه الواحة.
قلت : هو سحر ورب البيت.
و قصدت دارنا.
حين قرعت باب السقيفة تجاوب الصدى مع دقاتي . فظللت أدق و أدق إلى أن كل
متني.
و هممت بمغادرة المكان لكن الباب فتح و أطل منه رجل لم أعهده في خدمتنا.
قال : تفضل . مجلس العائلة في انتظارك
قلت متعجبا : في انتظاري
رد لا مباليا بحيرتي : لقد انتهوا الآن إلى قرار بشأنك ، ووافق جميع أعمامك
على القرار.
و سار أمامي ينير لي الطريق بقنديل زيت فمشيت وراءه و أنا أتخبط في الضوء
إلى أن صدمني تمثال الجدة الواقف في وسط الساحة . فذهبت أولا للسلام عليها
. قبلت يدها الحجرية فأحسست بها حارة تحت شفتي . ثم رأيتها تحط خفيفة على
شعر رأسي و تمسح عليه بحنو ورقة.
و عم الهدوء المكان فسمعت خشخشة ، و رأيت جنود الأرضة منهمكين في أكل العصا
التي تتكئ عليها الجدة.
مسحت شعري نافضا عنه آثار رمال يد الجدة . و ذهبت رأسا إلى قاعة الاجتماعات
. وجدت الأعمام جالسين على كراسي واطئة و بين أيديهم أزمة كبيرة وعلى
وجوههم غيظ مقيت . سلمت عليهم فلم يردوا على سلامي . وفاحت من أبدانهم
رائحة المقت والضغينة فظللت واقفا أنظر في عيونهم إلى أن قام كبيرهم فحمد
الله و أثنى على نبيه و على التابعين و تابعي التابعين بإحسان إلى يوم
الدين . ورفع في وجهي عريضة و بدأ يقرأ:
" قرر مجلس العائلة بإجماع أفراده طرد " العزيز " من رحمة العائلة و القرار
بات لا عودة فيه و ذلك لما لحقها منه و من أمه من أضرار ستظل ماثلة على
الجبين إلى أن يرث الله الأرض و من عليها . و سيعلق هذا البيان الختامي على
جدران المسجد الجامع و سيعلن عنه من على رؤوس المآذن .
و الله على ما أقول شهيد.
وانفض المجلس .
خرج الأعمام و تركوني واقفا في وسط الدار. فعادت أصوات الأجنة الذين دفنتهم
زوجة أبي في هذه الدار تملأ رأسي صراخا و احتجاجا. و أجابتها أصوات في
الغرف الأخرى . و امتلأت الغرف بالضجيج و النواح إلى أن كدت أفقد صوابي.
فقصدت الباب خارجا لكن خادمين شدا وثاقي بحبل و أحضرا حمارا أركباني على
ظهره ووجهي إلى الذيل. ثم علقا في يدي ورجلي نواقيس و جلاجل صغيرة ، و خرجا
بي من باب الدار.
اقتربت من السقيفة ، فهوت الجدة على وجهها.
الآن أنهت الأرضة نخر عصا الجدة فخرت على وجهها بعد أعوام من الوقوف على
رجل واحدة . و دقت طبول الحزن من جديد . و ملأ العويل و النواح الكون .
و نخس الخادمان الحمار بعد أن طليا وجهي و ثيابي بالقطران . و طافا بي في
أزقة القرية و دروبها إلى أن أذنت الشمس بالمغيب فرميا بي خارج الأسوار
الوهمية و أغلقا ورائي الباب الكبير . بقيت ذاهلا مدة و أنا أستمع إلى دق
طبول الحزن معلنا موت الجدة . و هجم الألم علي من الجهات الأربعة . و طوقني
بدون رحمة فقمت أدور حول القرية باحثا عن منفذ في السور الذي يطوقها . كنت
كلما اقتربت مما توهمته سورا صدتني الحيطان و قذفت بي بعيدا إلى أن سمعت
صفير القطار و دمدمته . ورأيت دخانه يأتي من بعيد ، من وراء الأفق. ثم
رأيته يقترب وئيدا . يدوس على آثار أخفاف الجمال المرسومة على الرمل الطري
ثم يركب سكة الحديد و يعوي فتئز عجلات الحديد على الحديد . كانت عربات
القطار ملأى بشرا و حكايات . و كنت حزينا كيوم شتاء بارد فلم ألتفت إلى صخب
الركاب و ثرثرتهم إلى أن سمعتهم يذكرون أحاديث عجيبة عن " القرية الحديثة "
التي بناها الكفار في المهمه القفر ، قريبا من جبال الثالجة .
فصحت : " قرط حدشت " على مشارف الصحراء هذه المرة . يا للعجب . "
التفت الركاب دفعة واحدة إلى ناحيتي فأهملت نظراتهم . و عدت إلى عد عواميد
الهاتف الهاربة عكس اتجاه القطار.
ال فصل السابع
******