مختارات قصصية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

أعمال الطبيبة الأديبة مادلين حنا

1%

قصة قصيرة

بقلم : د.مادلين حنا

        منذ اللحظة الأولى لبدء إمتحانات الثانوية العامة و هو يضع ذلك الحلم فى مخيلته : سينجح و يدخل كلية الطب و يصير طبيباً و ربما يتفوق و يصبح طبيباً مشهوراً مثل الأطباء الذين يشاهدهم فى التليفزيون ليل نهار..
تحت زجاج المكتب الذى يذاكر عليه كتب فى ورقة بيضاء بالقلم السميك الأحمر : (97%) فى دائرة ملونه و هو أقل مجموع لكليات الطب العام الماضى ..

فى إمتحان اللغة العربية جاء موضوع التعبير عن (مهنه الطب بين الرسالة والواقع ) فكتب و استفاض و إعتبرها بشاره و إشاره ..
فى إمتحان اللغة الإنجليزية أجاب كما يجب أن يكون و بالمثل فى الرياضيات و اللغة الفرنسية .. حتى إمتحان الكيمياء الذى كان صعباً و طويلاً على غير المعتاد اجتهد فيه بقدر إمكاناته.. و بعد إمتحان الأحياء قال له المعلم الذى راجع معه الإجابات أنه يستحق الدرجة النهائية ..

إنتهت الإمتحانات و ظل يترقب النتيجه على أحر من الجمر ..
ظهرت النتيجة و حصل على مجموع 97% بالتمام و الكمال كما كان يتمنى ..
إحتفل بالنجاح و التفوق وسط فرحه أهله و أصدقائه الذين أصبحوا لا ينادونه إلا بلقب : دكتور ..
ذهب ليتقدم بأوراقه لمكتب تنسيق القبول بالكليات ووضع فى رغباته كل كليات الطب العشر الموجوده فى مصر ..

بعدها ببضعه أيام أعلنت الصحف مؤشرات القبول بالكليات و جاءت الصدمه التى لم يتوقعها : أقل مجموع ممكن لكليات الطب هو 98% .. أقل بواحد فى المائة فقط من مجموعه ..

جن جنون الفتى ..
واحد بالمائة فقط الفارق بين الحلم و الحقيقة ..
واحد بالمائة ..

مهما حاول أباه بحسمه أن يصبره و حاولت أمه بحنانها أن تهدئه و حاول اشقائه الكبار أن يقنعوه بأنه اجتهد و أن تلك مشيئه الله لكنه كان فى واد آخر غير واديهم ..
كان يشعر بأن كل أحلامه قد تبخرت ..
كل ما بناه فى خياله إنهار ..

كلية الطب التى كان يمر من أمام أبوابها طوال شهور و يمنى نفسه بالدراسه فيها ..
السور الأبيض العالى .. و الطلبه المنكبه وجوههم فى الكتب ..
البالطو الأبيض .. السماعه و جهاز قياس ضغط الدم .. الحقيبة الصغيرة ..
المرضى .. المستشفى ..
أهله و أصدقائه .. كلهم كانوا ينادونه منذ ظهور النتيجه بلقب : دكتور ..

كيف حدث هذا ؟؟
لماذا ؟؟
لا أحد يملك إجابه ..
شعر بأن قلبه يكاد أن يتوقف ..
دارت به الدنيا و لم يدر بنفسه إلا و هو راقد على سرير وثير فى المستشفى و تخرج من شرايين يديه خراطيم التغذيه الصناعيه ..

أفاق ليجد أمامه وجه ملائكى و إبتسامه لممرضة جميله و هى تقول له :
- حمداً لله على سلامتك يا دكتور ..
نظر ليجد أباه و أمه و أشقائه و شقيقاته و هو يبكون فرحين باستفاقته ..

عرف بعدها أنه راقد فى تلك الغيبوبه منذ أسبوعين .. وعرف بأن والده قد قدم أوراقه لكلية طب بجامعة خاصة جديدة مصروفاتها السنوية تعادل ميزانية أسرته فى عام كامل عشر مرات على الأقل ..

سأل والده عن المصروفات فأجابه بأنه قد باع قطعة الأرض التى تمتلكها الأسرة من أجل أن يحقق حلمه و يدخل كلية الطب ..

فى اليوم الأول للدراسة بكلية الطب الخاصة دخل الفتى قاعة المحاضرات فى خجل و جلس بجوار زميلين عرف فيما بعد أن أحدهما إبن لوزير سابق و الآخر إبن لمليونير مشهور بينما إضطر للكذب عليهم و هو يخبرهم بأن والده مدير عام و ليس موظف صغير بالدرجة الثانية ..

كان ينتظر بفارغ الصبر دخول المشرحة لكنهم قالوا له : لا توجد هنا مشرحة و سيتم تعليمكم على نماذج بلاستيكية و شرائط فيديو ..
كان ينتظر بفارغ الصبر أن يذهب للتدرب على علاج المرضى فى إحدى المستشفيات لكنهم قالوا له : كيف يليق بطلاب كلية خاصة خمسة نجوم أن يزاملوا طلاب الكليات المجانية الحكومية فى التدريب بالمستشفيات الحكومية الحقيرة ؟؟ سنعرض عليكم شرائط فيديو و شرح مفصل لكل الحالات التى ستشاهدونها فى حياتكم ..

مرت السنون سريعاً و جاءت السنة الأخيرة التى سيتخرج بعدها الفتى طبياً..
مرت السنون سريعاً و نفذت كل المقومات المادية للأسرة فى الإنفاق على مصروفات الجامعة الخاصة و تكلفة دراسة الفتى الطبيب ..
تخرج الفتى بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف متفوقاً على إبن الوزير و إبن المليونير..

ذهب الفتى لإستلام شهادته و تسجيل نفسة بنقابة الأطباء و هناك كانت المفاجأه ..
نقابة الأطباء لا تعترف بالأطباء من خريجى تلك الجامعة الخاصة ..

قال له نقيب الأطباء فى سخرية :
- كيف ستقوم بعلاج المرضى و أنت بعمرك ما أمسكت المبضع و شرحت جثة ناهيك عن التدريب على الجراحات ؟؟
- كيف نستأمن طالب لم يدرس كثير من المقررات الدراسية اللازمة للطبيب على أرواح الناس ؟؟

رد وسط دموعه :
- ليس ذنبى أنهم لم يعلمونى .. لقد صرفت أسرتى كل مدخراتها من أجل أن أكون طبيب و لن أتنازل عن ذلك ..

قال له مدير النقابة :
- إذهب و ارفع قضية و لو كسبتها سنسجلك و نعطيك ترخيص العمل ..

رجع الفتى لبيته فى إنكسار و هو يشرح لوالده أنهم لم يسجلوه أو يعطوه ترخيص مزاولة مهنة الطب لأنه لم يتعلم فى الجامعة الخاصة بحسب رأيهم ..

دارت الدنيا بالأب المكلوم ..
الأب الذى صرف كل ما يملك لأجل أن يكون إبنه طبيباً و يحقق حلمه ..
الأب الذى لم يرض بإنكسار حلم إنكسر حلمه هو ..

تمتم فى سخرية وسط دموعه :
- واحد بالمائة فقط كانت الفرق .. واحد بالمائة ..