
ق ق ج

زياد صيدم*

الحلقة الأولى
جلس
القرفصاء على بقايا من ركام بيته.. كان يرقب بزوغها بلهفة .. من بعيد كانت
أطياف تقترب منه .. مبروك يا حاج خليل ؟ سألته إحدى الأطياف.. بمشقة بالغة
نظر إليها.. حاول تفرس ملامحها التائهة.. لم يستطع.. فأعاد إغماضهما .. وما
يزال هناك جالسا بانتظار إشراقتها .!!
*****
التف الصبية من حوله.. كانت لا تزال يداه تحفران بين الركام بالرغم من
نزفهما.. كان مستمرا في تنقيبه غير آبه... صاح احد الصبية من حوله : خالد
كان رفيقي في المدرسة ، والعمة أمنة الطيبة كانت ترسل لنا أكياس الفاكهة..
وسلوى الجميلة صديقة أختي كلهم هناك.. ما يزالوا تحت الأنقاض .!!
*****
أذن بصوته الجهوري مناديا إلى صلاة الفجر .. تجمع قلة من سكان الحي بعد أن
تيمموا بركام مساكنهم.. استجمعوا قواهم الخائرة .. افترشوا الحصير على رمال
وحصى من بقايا مسجدهم المدمر.. أقام الإمام الصلاة بقوله: الله اكبر..الله
اكبر على كل من طغى واختال و تجبر.!!
الحلقة الثانية
كان
يشكو تخصصه الذي لم يجعله غنيا كأقرانه من الأطباء.. تغير الزمن وتبدلت
الأحوال .. أصبحت عيادته مكتظة بالمراجعين.. فكانت سكرتيرته تؤجل الزبائن
على الهاتف لأيام قادمة.. حضر زميل دراسته لزيارته .. لم يسأل كثيرا ليصل
إلى عنوانه.. وقع نظره على يافطة عُلقت بجانب المدخل: طبيب أخصائي الأمراض
العصبية والنفسية في مدينة البؤس .!!
*****
دخل مسرعا عيادة الطبيب الأخصائي .. بدت عليه أعراض مستهجنة .. جلس أمام
الطبيب يتحسس جبينه تارة .. ومقدمة رأسه عابثا بخصلات منها تارة أخرى
بعينين زائغتين متوجستين.. شرح هواجسه كلها... في أول لقاء أكاديمي
بأقرانه .. كان الطبيب يناقش معهم ظاهرة الوهم المستجدة لبعض المرضى
النفسيين.. وتلبسهم لحالة وسلوكيات الصراصير .. خاصة في عتمة الليل.!!
*****
لم يحتمل ألمه مع صداع دائم على مدار اليوم كان يفقده توازنه.. انطلق إلى
الطبيب باكيا يستجدى علاجا ناجعا.. سأله فأجابه المريض: نعم أستمع للإذاعات
المتجولة وميكروفونات النفاق.. نعم دمروا بيتي وحرقوا مزرعتي واستشهدت
زوجتي وفى حضنها رضيعها..نعم.... قاطعه الطبيب مستكفيا ؟ .. أغمض عيناه
مناديا على الممرض لإرجاع ثمن الكشفية له.. بعد أن أقفل ملفه وكسر قلمه .!!
الحلقة
الثالثة
نجا
بأعجوبة .. لجأ مع من تبقى من أسرته إلى إحدى المدارس طلبا للمأوى .. خرج
في طلب قوتهم على عجالة .. عند عودته سمع أحد المسعفين يتحدث: استشهد جميع
نزلاء المدرسة... في اليوم التالي شوهد هائما في الطرقات .. كان يُخرج من
جيبه قطع من حلوى .. كانت صغيرته ابنة الثالثة تفرح لها.. فتعلو ضحكاته
وتخبو .. قبل أن يعود إلى نحيبه المعتاد .!!
*****
رجته زوجته بالانتقال إلى بيت أهلها الأكثر أمنا لخوفها على أطفالها ..
ذهب ليحضر والدته العجوز.. خرجت تحمل متاعها على رأسها ودموعها جارية
تتعثر على تجاعيد السنين .. تجر خطواتها متثاقلة .. كطير مكسور الجناح ..
اعتقدت بأنه قد حط رحاله .. بعد أكثر من نصف قرن مضى .!!
*****
أمروا بإزالة رسومات زُينت شوارع المخيم .. كانت تبدوا بنظرهم تحريضية..
انتفض مدرسهم التاريخ متسائلا: كيف تُمحى ذاكرة أطفال؟.. نُقشت بدماء
زملائهم على جدران قلوبهم.. فابتلعوا ألسنتهم .!!
*****
في حصة التاريخ .. أشار مدرسهم أن يكتبوا عن دراكولا في العصور الوسطى ..
أجمعوا دون استثناء .. برؤيتهم وسماعهم فحيح مصاصي الدماء جوار مساكنهم ؟..
و بقايا أرجل وسيقان وأحشاء ممزقة في الطرقات بعد كل غارة .. رسموه جميعهم
.. كان على هيئة طائرة نفاثة .. بنجمة زرقاء سداسية .!!
"الحلقة الأخيرة"
قهقهوا
بأشداقهم بعد أن أردوه مرات ومرات.. تحدث والد الشبل بحشرجات وغصة ..
مرارتها لا تزال في أذنه و قلبه .!!
*****
فتكوا بالبشر والشجر والحجر... بنفس اللحظات كانت أم محمود ( الداية )
تُبشره بميلاد ثائر..
عندما كان يغرس نخلة أمام خيمة أقامها على أنقاض بيته .. بينما كان شبله
اليافع .. يغرس راية الوطن .. على مرأى من عيونهم الحائرة .!!
*****
كانت تعانق قبضتها مصحف شريف.. عندما أزال الركام عن محياها الباسم..
فانعكست على وجهه هالة من نور... في جوارها وجد أشلاء طفله وكراسه الرسم..
كانت خارطة الوطن في أول صفحاته.. فتجسدت له فكرة ؟... فتحسس حزامه .!!
*****
شاهد أسرته وقد امتزجت مع بقايا أنقاض من ركام منصهر .. سُمعت في الأرجاء
صرخته مدوية .. كانت أخر ما نطقه أحمد قبل أن يصعد إلى السماء .. مخلفا
بقاياهم النتنة على الأرض.!!
*****
كتب سلسلته الرابعة .. معتقدا بأنها الأخيرة.. بينما لا يزال الهواء ملوثا
بروائح البارود .!!
*زياد صيدم
- فلسطين/غزة
************
أخي المبدع زياد
ما جرى في غزة ، وصمة عار في جبين العروبة ، وصمة عار في جبين كل مسلم ، وصمة
عار في جبين الإنسانية
إنه الوحش الأسطوري الذي انبثق من أعماق التاريخ ليقتل و يحرق و يشوه بكل ما
يملك من اسلحة دمار شامل ، بينما لم يجرؤ أحد حتى الآن على التصدي له أو
محاسبته!
لقد اثرت مكامن الغضب و الأسى في نفوس قرائك في سلسلتك القصصية هذه ، و هذا
دليل تفوقك>
سلم يراعك و دمت متألقا رائعا
نزار