




أحببتُ
الرسم بدون موهبة .
بدون مهارة ..
وبدون حاجةٍ لأن أكون استثنائيةً، أو بارعة.
أحببتُ
الرسم رغم عادية أدائي ورداءة خطوطي، ورغم لوحاتي التي تفتقر إلى الملامح
والخصوصية، ورغم أنني لم أبرع حتى اليوم في تلوين دفاتر تلوين الأطفال بدون
الخروج عن الخط ومغادرة الحدود، ليس تمرداً بل عجزاً. أحببتُ الرسم رغم كل
ذلك، أحببتُ الرسم لأنه يجعلني قريبةً من أحلامي.
على امتداد
ذاكرتي، ومنذ طفلة السادسة وحتى امرأة الثلاثين، وأنا أرسمُ لوحةً واحدة
فقط. كانت هذه اللوحة هي حلمي، وعندما أقولُ حلمي، فأنا أعني بأنها أقرب
شيءٍ أملكه للجنة السماوية، لقد كنتُ أؤثث لوحتي الوحيدة والمكررة والنمطية
بكل الأشياء التي أحبها.
كانت المدرّسة تتململُ لأنني أرسم اللوحة
ذاتها مراراً، لأنني مستعدة لأن أرسمها إلى الأبد. عندما كانت تطلب منا أن
نرسم بحراً، أو سوقاً، أو أي شيء آخر لا ينتمي إلى لوحتي، كنت أحسّ بأنها
تحولُ بيني وبين التواصل مع حلمي، أو تحولُ بيني وبين أن أدخل إلى الجنة مع
الطيّبين.
حلم طفلة السادسة
حلم امرأة الثلاثين
الحلم الذي هو،
ودائماً.
لقد
كنتُ أرسمُ الربيع. أرسمه بالأخضر والأزرق. ولأنني كنتُ محتاجة لأن أواكب
عالم البنيات الصغيرات، كنت أزعم بأن الوردي هو لوني المفضل. كنت أكذب.
الأزرق والأخضر أجمل. كنتُ أرسمُ تلك اللوحة التي أجزم بأن كل أطفال العالم
رسموها، لولا أن بعضهم أقدر من البعض الآخر على مغادرتها.. أنا لم أستطع
المغادرة. منذ أربع وعشرين عاماً وأنا أرسمُ الربيع، وكان هناك دائماً
أشجار فاكهة وأزهار وعصافير وقوس قزح، وهناك أيضاً كوخ بسقفٍ قرميديّ أحمر
ومدخنة تطلق دخاناً أبيض يمتزج مع غيمة، وكان هناك عصفورٌ على الغصن، وزهرة
بين حجرين، وهناك أحياناً أرجوحةٌ لي، وعندما كنتُ أرسمني في اللوحة كنت
أحاول أن أجعلني أجمل من أميرات القصص المصوّرة
..
اللوحة هي هي، منذ أربع وعشرين عاماً. كل شيءٍ ما زال في مكانه.
أغمضُ
عينيّ الآن وأتملى في تفاصيل لوحتي. الربيع / الحلم / الفردوس المفقود
الذي عرفناه بكل غرائز الطفولة. أغمضُ عينيّ لكي أتذكر شكل الربيع، منذ أن
بزغ الربيع العربي في واقعنا قافزاً إلى المشهد بتوثب ومهيمناً عليه
تماماً، ولكن بألوانٍ أخرى.. الأحمر القاني، الأسود، الرمادي.
أغمضُ عينيّ وأقول لنفسي: لقد تغيّر شكل الربيع كثيراً.
تغيرت
رائحته أيضاً. صار دامعاً أحياناً، ضاحكاً أحياناً، دامياً دائماً. صار
الربيع يخالط فصولا أخرى. في الحقيقة صار يخلق فصولاً أخرى. كيف يقوى
الربيع على حمل الزوابع؟ كيف يكون له جبروت العاصفة ورهافةِ القصيدة؟ كيف
يخرج الربيع من حدوده؟ كيف يقفز فوق الشجرة والكوخ والمدخنة والغيمة
والعصفور والغصن ..
إنني أحاولُ منذ يومين أن أرسم لوحة الرّبيع،
أحاول
أن أتواصل مع حلمي، أن ألج الفردوس وأغتسل بمائها. اللونُ الأخضر يرتعشُ
بين أصابعي، والورقة بيضاء من غير سوء. أردتُ أن أرسم الربيع وفشلتُ .. لم
يعد الربيع يشبه شيئا أعرفه، شيئا أستطيع أن أرسمه بموهبتي المتواضعة
وخطوطي العرجاء.
يقولُ بيكاسو: الفن يمسح عن الروح غبار الحياة اليومية.
بين لوحةِ الربيع، وبين حقيقته، نقفُ حيارى .. في غبارِ اليوميّ، بين الحلمِ
والواقع.
ما زلتُ أغمضُ عينيّ، في صلاةٍ أو ما شابه. أبتهلُ لقادمٍ أجمل. أبتهلُ لربيعٍ
يصلُ سريعاً إلى لوحة طفولتي، بالأخضر والأزرق.

بثينة العيسى
- الكويت
Bothayna@hotmail.com