الأدب 1

ضيوف "العربي الحر"

 

الأبواب الرئيسية

 

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

             الأخبار

 

BBC ب ب سي العربية
Aljazeera الجزيره
CNN سي ن ن العربية

 

****

*

مختارات قصصية  

من كل روض زهرة و من كل موقع قصة

مبادرات

نور

قصة قصيرة من أدب الخيال العلمي

غسان حمصي*

نقلها إلى اللغة الألمانية المترجم أحمد خماس / برلين

      بعد أن أنهينا تركيب المرافق السكنية والتجهيزات التي أصبحت موطناً لأكثر من عشرة آلاف نسمةٍ على سطح القمر، تقدمت بطلبٍ للحصول على تعويضِ انتهاء فترة التعاقد لأسدِّد به آخر أقساط القرض المترتب على شراء مزرعتي في ويومينغ Wyoming. وكنت في نهاية المطاف قد وعدتُ زوجتي بأن أبقى برفقتها على كوكب الأرض بعد انتهاء هذه "المغامرة المنفلتة من عقالها" كما كانت تصفها مراراً وتكراراً. كان ولدانا قد دخلا الجامعة فعلياً، لكنها كانت مصرّةً على أن وجود أبيهما قريباً منهما سيكون عوناً لهما. أما أنا فكنت أرى الأمر مخالفاً لذلك تماماً، لكني آثرت أن لا تحدُث مشاكل زوجيةٌ بيننا بأية حالٍ من الأحوال.

"ما الذي تقصده بـأن الأمر ليس بهذه البساطة"؟ لم أتفاهم يوماً مع دائرة المحاسبة.

"لقد بلَّغنا السيد هِندِرشوت إن الشيخ علي يلح على مقابلتك شخصياً قبل أن نقوم بأية خطوات تالية..."

"لكني عزمت أمري على ترك الشركة. ولم يبقَ سوى أن نبحث في قيمة التعويض."

"صدِّقني لو كان الأمر بيدي لكان المبلغ قد أصبح على حسابك البنكي منذ فترة. لكن لا يسعني أن أقول لك سوى أنَّ رب العمل يطلب منك أن تلقاه اليوم قبل الغد."

قلت لنفسي: "لم يعد الأمر مرهونًا بيومٍ إضافيٍ أو يومٍ أقل". وبخاصةٍ أنني ممتنٍ بالكثير للشيخ الذي عرض عليَّ هذه المهمة الرائعة قبل بضع سنوات. اعتلت وجهي ابتسامة عندما تذكرت لقاءنا الأول وحجم العناء الذي تكبده ليقنعني بأن خطته بتحويل القمر إلى منطقة سياحية ليست مجرد خيالِ رجلٍ مصابٍ بجنون العظمة.

"حسناً، لنتصل به فوراً ونحدد موعداً للقاء."

- - - - - -

ابتسمت لي ليندا بلطفٍ وربما بحزنٍ عندما دخلتُ غرفة الاستقبال الفسيحة، هذه الغرفة التي تدين بسعتها لحجم نهديها العرمرمين. "أصحيحٌ ما بلغني عن عزمك على ترك العمل لدينا يا جون؟" احترت في أمري. "الواقع أنني وعدت زوجتي بذلك." كانت ليندا قد حدجتني بنظرةٍ عميقةٍ ثم فتحت لي بيدها باب الدخول إلى قدس الأقداس. "إذاً آمل أن لا تعاني علاقتُك الزوجية بعدما تنقضَ هذا الوعد...!"

 كنت ما أزال أفكر بجملتها الأخيرة عندما صافحني الشيخ علي بلطفه المعهود. "اجلس يا جون، اجلس... أعتقد أن لدينا أشياء كثيرة لنبحث بها." اتضح لي رويداً رويداً أن الأمر لا يتعلق الآن بأية حالٍ من الأحوال بتعويضي، فرب عملي العربي كان ينظر إليَّ بيقظةٍ عالية. بالطبع لم يطرح الموضوع مباشرةً، فذلك يُنافي اللباقة بحسب أعرافهم. ولهذا تماماً اعتبرت الأمر مؤشر إنذارٍ من الدرجة العالية عندما ألقى بظهره على الكنبة بعد أقل من خمس دقائق وزفر ثم لاذ في الصمت. كنت بمرور السنين قد تعلمت التعامل مع الأمر. زفرت بدوري وألقيت بنفسي على كنبتي الفاخرة (3 آلاف دولار) ولُذتُ في الصمت أيضاً.

 

سألني الشيخ علي فجأةً: "هل تتبعت التطورات الأخيرة في مشروع دِزِرْتِكْ Desertec ؟". "نعم، إلى حدٍّ ما. بحسب اطلاعي تم تشغيل المحطات السبع الأولى في المغرب والجزائر في العام الماضي. لا بد وأنها تصدِّر حالياً نحو ثلاث أو أربع غيغا واط من الكهرباء إلى أوروبا، وهذه بالطبع نقطة في بحر إذا ما قارناها بالحاجة الفعلية هناك؛ وبخاصة اليوم بعد أن أصبحت مجمل حركة المرور والنقل تعتمد على المركبات الآلية الكهربائية." 

كان الشيخ علي ينقر بأصابعه على الطاولة، أمرٌ لم أعهده عليه أبداً: "وهناك على الأقل ضعف هذا العدد من المحطات قيد الإنشاء. إذا كنت ترغب، بوسعي أن أرسل لك التقرير الأخير، وأنا في نهاية الأمر شريكٌ في ذاك المشروع بمبلغ نصف مليار دولار. لكن ليس هذا هو السبب الأساس للقائنا."

كنت قد وصلت بنفسي إلى هذه النتيجة. بعدما تركت عملي في الناسا NASA (الإدارة الوطنية للملاحة الفضائية والفضاء) وترأست مشروع القمر تعلمت سريعاً كيفية التعامل مع رجال الأعمال والمليارديرين العرب وكيفية نيل احترامهم. وهذا يتضمن الانتباه الدقيق لدلالات أقوالهم الضمنية أو المبطنة. إذا لم تكُن الخمسمائة مليون دولار التي اشترك فيها الشيخ علي قبل سنوات في مشروع كهرباء الصحراء السبب الأساس للقائنا، فهذا حتماً يعني أننا نتحدث عن مشروعٍ قيمته عشرة أضعاف ذاك المبلغ على الأقل، رغم أننا لم ننبث ببنت شفة عن هذا المشروع حتى هذه اللحظة. لكن الجمل التالية التي قالها رب عملي أثبتت شكوكي ومخاوفي.

"أتعلم يا جون، عندما أعلنت مجموعة الشركات الألمانية عن المشروع في عام 2009 كنت أنا وزملائي هنا في الخليج ممتعضين جداً إذ لم يقُل لنا أحدٌ قبل ذلك ولا حرفٍ واحدٍ بهذا الخصوص. لو شاركنا بعد ذاك في المشروع لكان ذلك بمثابة فقدان ماء الوجه، لذا جاءت مشاركتي عبر عملاء سريين فقط. لكن قبل بضعة أسابيع زارني شخصٌ –لا أستطيع الآن أن أفصح عن هويته، لذا أرجو منك أن تتفهم الأمر." أومأت بكياسة مقلداً إياه.

"ماذا ستقول إذا اقترحت عليك مشروعاً تكون محطتنا على القمر حضانة أطفال بالمقارنة به؟ لا! أرجوك أن لا تجيب الآن؟ أعلم أنك تريد الانسحاب من العمل وأنا أتفهم الأمر تماماً. بيد أنني أجزم أنك ستتراجع عن وعدك الذي قطعته على زوجتك في اللحظة التي تطلع فيها على التفاصيل... لذا أطلب منك أن تتخذ قراراً مسبقاً: هل تريدني أن أفصح عن المزيد أم لا. فالقضية برمتها تخضع للسرية المطلقة، ما يعني أنه يحظر عليك أن تنبث ببنت شفة عن مضمون المشروع في حياتك الخاصة."

"أحقاً تنتظر مني أن أوافق قبل أن أعرف ما هي طبيعة العمل؟"

"أجل يا جون، فأنا أعتبر خبيرٌ بك لدرجة أستطيع معها التكهُّن بالذي سيحصل: حالما أعرض عليك المشروع لن تنسَ مزرعتك في ويومينغ فقط بل ستنسى أيضاً الولايات المتحدة الأمريكية برمتها على الأرجح. لا أريد أن أقف عقبةً في وجه سعادتك، لذا أرجوك أن تتحدث إلى زوجتك وتسألها إن كانت مستعدةً لانتظارك لمدة خمس سنوات أخرى، إذ أنك ستمكث نحو هذه المدة على القمر وفي الفضاء دون العودة إلى لأرض بين الفينة والأخرى..."

استقمت في جلستي بطريقةٍ عفوية، إذ لم أسمع من الشيخ علي شروطاً مماثلةً من قبل. أثار مشروع "سباق الجمال على القمر" ضجةً إعلاميةً في حينه. وجرى الاحتفاء بكلِّ خندق حُفِر وكل شراعٍ شمسي جديد بوصفه قفزة العصر النوعية. لذا شعرت بشيءٍ من الأرق عندما أخذت أفكر بما يخطط له الشيخ علي هذه المرة وبطبيعة المشروع الذي يستدعي كل هذه السرية.

- - - - -

"معك المركز الأرضي، هل تسمعني؟"

"معك البراق 2، أسمعك بوضوحٍ تام."

"مرحباً يا جون، هل كل شيءٍ على ما يرام لديكم؟ لدينا بعض بيانات القياس البعادي (تيليميتري) لكنها غير مرضية بما يكفي. أرجوك أن تراعي التشفير عندما ترسل المواد إلينا. سأرسل المتطلبات إلى شاشتك مباشرةً."

"حسناً – سأتابع الأمر. أرجِّح أن يكون الانفجار الشمسي الهائل الذي حصل في الأسبوع الماضي سبب هذا الاختلال، لكن من شأن وحدات التوجيه المستقلة أن تُقوِّم الوضع قريباً. سأتصل بموشي ليراجع مجمل المسألة بدوره، ومن ثم يتصل بك."

"شكراً جزيلاً يا جون. بدِل. انتهى."

نعمل منذ ثلاث سنين ليلاً نهاراً وبلا هوادة كما يقال على كوكب الأرض. هنا في الفضاء الخارجي لدينا نهارٌ أبديٌ - أو ليلٌ سرمديٌ، بحسب حالة المعني النفسية. إنه مشروعٌ عملاقٌ اشتركت في العمل به عدة دولٍ وبعض أكبر الشركات العالمية. وكما هي حال المشاريع الأخرى كان لهذا المشروع وجهان: وجهٌ رسميٌ علنيٌ وآخر سري. أمام الرأي العام كنا بصدد تجهيز مجموعةٍ كبيرةٍ من الأقمار الصناعية للطاقة الشمسية بغية إرسال الكهرباء المكتسبة بدون خسائر كبيرة أثناء نقلها المباشر من الفضاء الخارجي إلى هوائيات الاستقبال التي تلتقط الموجات الصغرى (مايكرو ويف) المُعدَّة خصيصاً لذلك. بهذا كنا بطبيعة الحال نعمل على المشروع المنافس لمشروع دِزِرتِك الذي غدت كل دول البحر الأبيض المتوسط تقريباً شريكةً فيه. لذا حدثت ضجةٌ كبيرةٌ حول مشروعنا في البداية، لكن من ناحية أخرى كانت المحطات الصحراوية للطاقة التي تنتج الكهرباء تغذي شبكات الدول المشاركة والدول الأوروبية ليس إلا، ولم تكُن هناك قدرةٌ حتى على تغطية كل احتياجات هذه الدول.

يعتزم الشيخ علي وشركته القابضة على تزويد كل دول الأرض بكهرباء الأقمار الاصطناعية للطاقة الشمسية إن كان بمستطاع الدولة أن تدفع ثمن حقل هوائيات مساحته كيلومتر مربع واحد – وبطبيعة الحال تسديد قيمة فاتورة الكهرباء الشهرية! بعد حديثٍ مع زوجتي استمر حتى ساعات الفجر الأولى بلَّغت رب عملي بموافقتي على إدارة المشروع. وناهيك عن بعض الزيارات القصيرة إلى القمر مكثت مجمل الوقت في محطاتنا التي كنا قد ثبَّتناها منذ البداية في نقاط لاغرانج[1]. كنت أتمرن بالتأكيد بنشاط في قمرة الطرد المركزي لكي أتغلب على انكماش العضلات وهشاشة العظام، بيد أنني بدأت أحن إلى الأرض وإلى المساحات الشاسعة المفتوحة وإلى خرير السواقي أو زقزقة العصافير الطبيعية التي لا تأتي من جهاز التسجيل. لكن راتبي الشهري الخيالي الذي كان يتراكم شهراً تلو الآخر على حسابي البنكي لم يترك ذرة شكٍ لدي من أنني سأنعم بوقتٍ هانئٍ بعد اكتمال المشروع.

كان تشييد محطات استقبال الطاقة على الكرة الأرضية يحقق التقدم أيضاً. نُصِبَت معظم المحطات على جبالٍ مجلَّلة أو في مناطق زراعيةٍ سابقةٍ قريبةٍ من مراكز الاستهلاك. سيزود المشروعُ الأرض بالكهرباء النظيفة المكتسبة من الطاقة الشمسية في غضون عامين على أقصى تقدير. لكن شيئاً آخر سيحدث في هذه الأثناء، شيئاً لم يحسب له أحدُ أي حساب. وأنا بدوري سعيت لأن لا أفكر به قدر الإمكان لكي لا أتقلب من الأرق طوال الليل في مرقدي منعدم الجاذبية. كما حاولت أن أخفف من تبكيت ضميري بحجة أن الجزء السري من المشروع من شأنه في نهاية المطاف أن يقضي على الحروب إلى أبد الآبدين. كنت أضلل نفسي بالتأكيد لأننا لو لم نقُم نحن بالمشروع لقام به غيرنا عاجلاً أم آجلاً. هكذا تسير الأمور دائمًا...

- - - - - -

"هل تعتقد أننا سننجح في ذلك؟"

"سننجح بالتأكيد! فكل الخيوط بيدنا في نهاية الأمر. والدول التي لديها صواريخ بعيدة المدى والتي قد تشكل خطراً علينا تلعب معنا في الفريق. إذاً سيعرِف الآخرون قريباً أنه لا فرص أمامهم سوى القبول بشروطنا... وأن عليهم أن يدفعوا المستحقات."

عليَّ أن أعترف بأن الجانب التقني من مشروع الشيخ علي قد بهرني. حسناً، لم يكُن الأمر نزيهاً إزاء الدول الصغيرة على كوكبنا، بيد أن مشروعنا سيعود عليها بالنفع عبر تقليله الجذري لمخاطر حدوث كوارث طبيعية في المستقبل. أما أنه على دول مشروع دِزِرتِك أن تدفع مستحقاتها لنا فلم يكن سوى القشدة التي تغطي الكعكة. وصدقوني الكعكة كانت كبيرة بل كبيرة جداً.

أثناء أحد اللقاءات أخبرني الشيخ علي عن بعض خلفيات المشروع. بالطبع لم تكُن الفكرة فكرته. كان هناك من توجه إلى قطر عبر عملاء متعددين وكان رئيس دولتهم صديقاً شخصياً لموكلي. وأثناء صيد الصقور تحدثا عن الموضوع. تلت ذلك سلسلةٌ من الاجتماعات السرية شارك فيها خبراء من معهد وايزمان الإسرائيلي للبحوث ممن طوروا الفكرة أساساً.

وبما أن مشروع القمر كان قد اكتمل بشكلٍ أو بآخر، وكنت أنا والشيخ علي قد لاحظنا أن المشترك بيننا هو كرهنا الشديد للروتين، جاء أخذ القرار يسيراً. كذلك بالنسبة لي ولزوجتي، فما سأتقاضاه في هذه السنوات الخمس سوف يكفينا حتى ثامن جيل بعدنا، ناهيك عن أنني كنت شريكاً بنسبةٍ في الأرباح، ومن الناحية الحسابية لم يكُن ممكناً أن نصرف العائدات المتوقعة مهما طال الزمن.

انكببنا على العمل. والآن بقيت سنتان، أو 104 أسبوعاً، أو 730 يوماً، ما أروع ذلك! ستمر الأيام بسرعة فلكية بكل ما للكلمة من معنى. أصبحت الأقمار الصناعية للطاقة الشمسية جاهزةً ويمكننا استخدامها متى نشاء، لكن هناك أيضاً الجانب السري من المشروع وقد كان يشكِّل لنا تحديات كبيرة.

"ألا تخشى من عملٍ انتقامي على الكرة الأرضية؟"

ضحك رب عملي بصوتٍ عالٍ قائلاً: "أتعلم يا جون، أتوقع حدوث بلبلةٍ هنا أو هناك، لكن صدِّقني في اللحظة التي نقطع الكهرباء عن مسببي الشغب سيأتون إلينا راكعين يستجدون الرحمة والعفو."

- - - - - -

حددنا موعد المؤتمر الصحفي عند الظهيرة تماماً، كما اخترنا الموقع بدقةٍ متناهية. تقع كيتو عاصمة الإكوادور في حوضٍ على سلسلة جبال الأنديز على ارتفاع 2850 م عن سطح البحر، وهي ثاني أعلى عاصمة في العالم بعد العاصمة البوليفية  سوكرى. لكن الأهم أنها تقع على مسافة 20 كلم فقط من خط الاستواء. فهنا سيظهر التأثير الأقوى والأسرع لمشروعنا.

توافد ممثلو وكالات الإعلام وبوابات الإنترنت منذ الصباح الباكر إلى أكبر مدرج رياضي في المدينة. ولم تذهب أتعاب خبراء الأرصاد الجوية المكلفين سداً، حيث لم تعكِّر ولا حتى غيمةٍ صغيرةٍ صفو السماء الزرقاء.

عند الساعة 11 قبل الظهر بدأ المدعوون بإلقاء كلماتهم، وكنا قد دعونا بعضاً من أشهر علماء كوكبنا. تحدث الواحد تلو الآخر عن بداية عصرٍ جديدٍ، وكان عليَّ في كل مرةٍ أن أضبط نفسي كي لا أرتعش بقوة. ثم لاحظت بدايةَ بلبلةٍ بعد نصف ساعة. وبخاصةٍ بين المصورين ومصوري التليفزيون الذين أخذوا بالعبث بأجهزتهم دون أن يجدوا سبباً للتراجع السريع لقوة الضوء. لكن لم يطُل الأمر حتى لاحظ حتى أكثر الصحفيين سذاجةً بأن السيطرة على شيءٍ ما قد فُقِدَت. أما الشيخ علي الذي كان يجلس بجانبي فلكزني بكوعِه غامزاً. وبعد دقائق كنت أنا من يعتلي المنصة ويتنحنح لعدة مرات أمام الميكروفون لكي ألفِت إليَّ انتباه الصحفيين والمراسلين المتوترين الذين كانوا ينظرون إلى السماء.

"السيدات والسادة المحترمون، إذا أصغيتم في الدقائق العشر التالية لما سيُقال ستحصلون على أجوبةٍ عن كلِّ أسئلتكم. لذا أرجوكم الهدوء!"

"لا نستطيع تصويركم بشكلٍ جيدٍ إذ لم نجلب معنا معدات الإضاءة، ومن ذا الذي يفكر عند الساعة 12 ظهراً بأن الظلام سيحل فجأةً؟! أم هو خسوفٌ شمسيٌ إضافيٌ أُعِدَّ خصيصاً لهذه المناسبة؟

حصد مراسل محطة الجزيرة الشاب ضحكات بعض زملائه على ما قاله، لكن الانقباض ظل جاسماً على معظم الحضور.

"لا أعتقد أن الأمر مرهونٌ بالتقاط صورٍ جيدة. عوضاً عن ذلك سأعطيكم بوصفي مدير مشروع هيليوس ما يكفي من المعلومات لكي تملؤوا برامجكم لمدة أسبوعٍ كاملٍ. على الأقل! أنسب لكم بكثير أن توجهوا عدسات كاميراتكم إلى أعلى لأنه كما تلاحظون تراجعت قوة أشعة الشمس بشكلٍ كبير. أنتم تعرفون تماماً أن مجموعتنا من الشركات الدولية قد أنشأت في السنوات الخمس الأخيرة سلسلة من الأقمار الصناعية للطاقة الشمسية في الفضاء الخارجي. وقد شاركت في هذا المشروع حكوماتٌ وشركاتٌ دوليةٌ. الهدف من ذلك هو تزويد جميع الناس على كوكبنا بالكهرباء النظيفة دون أدنى تأثيرٍ سلبيٍ على بيئتنا الأرضية. والآن أريد أن أطلعكم على عنصرٍ إضافيٍ في مشروعنا. يعتمد هذا العنصر على الأسس العلمية الصادرة عن معهد وايزمان في إسرائيل، وجامعة موسكو، ومعاهد بحثية مختلفة في الولايات المتحدة الأمريكية."

أخذتُ استراحةً مصطنعةً استغليتها لأشرب جرعة ماءٍ ولأمسح العرق عن جبيني وكأني أفعل الأمر تلقائياً. لا، لم أكُن أخشى شيئاً، فالشيخ علي كان قد كلَّف ما يكفي من الحرس الشخصيين بإعادتنا عند الضرورة نحن وجميع ضيوف الشرف بالسيارات الفاخرة إلى المطار، حيث اصطفت الطائرات الخاصة منتظرةً بجوار بعضها. وبالرغم من ذلك، هالني قليلاً رد الفعل الذي ستحدثه كلماتي التالية لدى الصحفيين الحاضرين.

"أعددنا لكم بالطبع مواد إعلامية شاملة سوف تحصلون عليها أمام البوابات لدى خروجكم. لذا اسمحوا لي أن أعطيكم ملخصاً مفيداً عن الموضوع: أطلقت الدول الأوروبية ودول شمال إفريقيا مشروع دِزِرتِك في عام 2009 وكان أكبر مشروعٍ للطاقة الشمسية المتجددة في حينه كما أصبح معلوماً للجميع. بعد ذلك بفترةٍ وجيزةٍ تشكلت شركةٌ جديدةٌ من دولٍ وأفرادٍ لم يكونوا منخرطين في مشرع دِزِرتِك. كنا مقتنعين بإمكانية توفير الكهرباء بواسطة الأقمار الصناعية للطاقة الشمسية بأسعارٍ قادرةٍ على المنافسة – وهذا ما فعلناه. بعد عدة أسابيع سيكون جميع زبائننا ‘موصولين, بالمحطات الفضائية وسيتزودون بالطاقة عبر الموجة الصغرى. لكن هذا أحد جوانب المشروع ليس إلا."

ارتفعت وتيرة الفوضى بين الحضور فنقرت عدة مرات بأظافري على الميكروفون.

"علاوة على ذلك، نصبنا في إطار مشروع هيليوس مظلةً عملاقةً تنفتح في هذه الدقائق وسوف تحجب أشعة الشمس عن الأرض في المستقبل. نريد أن نضمن بذلك تخلصنا النهائي من مشاكل المناخ المتنامية باضطراد. كما سيكون باستطاعتنا أن نتحكم بكميات الضوء بحيث تحصل الدول التي توقع عقوداً معنا على ما يكفيها من ضوء النهار التي تحتاجه لأراضيها الزراعية. نتطلع طبعاً لأن تكون جميع الدول حكيمةً وتفكر بمواطنيها، فنحن نضمن على أية حال ومن خلال تقنياتنا الحديثة نهاية التلوث البيئي الناتج عن الطاقة الأحفورية والذرية، كما نضمن مناخاً متوازناً في كافة أنحاء المعمورة، وبطبيعة الحال نضمن التزويد بما يكفي من الطاقة والضوء لكل من يريد أن يتزود بها من مشروعنا. شكراً على إصغائكم..."

كنت أقول دائماً إنه لا يجب الاستهانة بشيوخ النفط. حسناً، كان من شأنهم أن يمتطوا جمالهم ويقفلوا عائدين إلى الصحراء غير مكترثين إن نفد النفط فعلاً ذات يوم. لكن من ملك هذه القدرة الاحتكارية في مجال الطاقة ذات مرة لن يسمح بإزاحته إلى الهامش مجدداً. هذا الأمر غاب عن الجميع تقريباً.

والحق، إن أكثر ما أثار استهجاني هو التنسيق العربي الإسرائيلي الجيد في إطار الشركة الجديدة، وكأن النكبة لم تحصل أبداً. حلَّت اليوم بالعالم نكبةٌ أكبر من سابقتها بكثير، لكن هذه المرة نضع نحن يدنا على مفتاح التبديل... ولن ننزعها عنه أبداً!

بالطبع ضمنتُ لمزرعتي في ويومينغ شروطاً خاصةً بحيث أستطيع يومياً أن أتمشى تحت أشعة الشمس مجاناً وذلك بغض النظر عن مدى الظلمة المدلهمة في أي مكان حولي وعن المبالغ التي يتعين على الآخرين دفعها للحصول على قليلٍ من الضوء. إذ "يَهدِي اللهُ لنوره مَنْ يشاءُ" كما جاء في القرآن الكريم في سورة النور...

 ملاحظة: كتب غسان الحمصي هذه القصة في دمشق في عام 2009 بعد اطلاعه على مشروع دِزِرْتِكْ.

وقام أحمد خماس بنقلها إلى الألمانية في برلين في عام 2020 بعدما اكتشف أثناء ترجمته الفورية في لقاء سري ضم ممثلين عن دول وشركات وخُصص للبحث في تنفيذ مشروع الأقمار الصناعية للطاقة الشمسية والمظلة العملاقة. وبعدما لاحظ أن الواقع على وشك أن يسبق الخيال العلمي ويخلِّفه وراءه. الأمر الذي أثر عميقاً في نفس المترجم الذي شرع فوراً بنقل القصة إلى الألمانية. لكن في ظروفٍ غامضة اختفى غسان الحمصي ومخطوط قصته بلا عودة، ولم ترَ الترجمة الألمانية النور في حينه لأسباب لا يعلم بها إلا المعنيون بالأمر مباشرةً.

عُثِرَ في عام 2050 على المخطوط الألماني. وبعدما لم تستطع كل الجهود المبذولة من إيجاد النسخة العربية الأصلية كُلف المترجم يوسف حجازي بنقلها إلى العربية بغية تنبيه الكتَّاب العرب إلى ضرورة حماية أنفسهم من الفناء إن هم استمروا في كتابة قصص من هذا الطراز، وبالطبع بغية تحفيزهم على توزيع مخطوطات القصص بأسرع وقت وعلى أكبر عدد ممكن من القراء لكي يحفظوا هذه القصص من خطر تغيِّبِها في الظلمات. لكن وقبل كل شيء تحفيزهم على إرسالها إلى أحمد خماس الذي أصبحت لديه إمكانية حفظ هذه القصص على أكثر من كوكب بعدما أصبح مطلعاً على خبايا المشاريع الكونية وشبكتها الضوئية وله يد طولى خفية في معظمها.

[1]  هي النقاط التي ينعدم عندها تأثير جاذبية جرمين سماوين كبيرين على جسم ثالث في العادة أصغر حجما مما يجعل حركته تتوازن بين حركة الجسمين الكبيرين.