.

يبدو
أن
من يعيش من أجل مبادئه يعيش وحيداً، ولعلّه يموتُ وحيداً أيضاً. احساسٌ
عارمٌ باليتمِ والعزلةِ، شعرتُ به وأنا أتابع الفيلم الوثائقي «الراديكالي
الأميركي... محاكمات نورمن فرنكستين»، والذي عرفتُ لاحقاً بأنه سبق وعرض
مترجماً عن طريق قناة الجزيرة الوثائقية، تحت عنوان <<يهودي ضد التيّار.
<< 
يكاد
<<نعم، يكاد!>> الفيلم الوثائقي أن يعطينا لمحةً عن رعونة ووحشة الحياةِ
التي يحياها البروفيسور نورمن فرنكستين، اليساري الأميركي، أستاذ العلوم
السياسية الحاصل على الدكتوراه من جامعة برنستون، المتخصص في قضية الصراع
الفلسطيني/ الاسرائيلي، يهودي الأصل، وابنٌ لـ ماريلا وزكريا فرنكستين،
الناجيين من معسرات النازية الألمانية «ميدانيك/ غيتو وارسو/ أوشفيتز»،
الذيْن قدّر لهما الخلاص وابتداء حياةٍ جديدة في نيويورك، وتأسيس أسرة، كان
ثمرتها نورمن وطفلين آخرين.
واذا كان الكيان الصهيوني، منذ الحرب
العالمية الثانية وحتى هذه اللحظة، لا يتورّع عن ابتزاز العالم بورقة
الهولوكوست كمبرر للجرائم الوحشية وعمليات التطهير العرقي التي تمارس على
قدمٍ وساق ضد الشعب الفلسطيني، فان البروفيسور فرنكستين، على العكس من ذلك،
يستثمر معاناة والديهِ وأجداده الذين أبيدوا بيد النازية الألمانية من أجل
رفض جرائم الحربِ والابادة والتطهير العرقي، والنضال من أجل الانسانيةِ،
ومن أجل قضية فلسطين بشكلٍ خاص، وهو الموقفُ الأخلاقي الذي تشرّبه تماماً،
وتشبّع به، في كل جزء منه، حتى صار الحافز الأوحد تقريباً... وراء كل
انجازاته العلمية والسياسية، منذ اصداراته المكرّسة تماماً لأجل فضح لا
أخلاقية الكيانِ الصهيوني، مروراً بالمحاضرات والمناظرات والندوات التي
يلقيها في جامعات العالم المختلفة، وانتهاءً بزياراته المتكررة الى فلسطين
ولبنان تضامناً مع المقاومة الشعبية هناك، ودعماً لمواقفها.
قيل
عنه بأنه انسان «مقزز» وبأنه «يهودي يكره نفسه» وبأنه يعاني من «خلل في
الهوية»، كما قيل عنه بأنه انسانٌ ثوري، مثير للجدل، وأنه مناصرٌ للحقيقة.
واتفق كثيرون على أن نورمن فرنكستين قد عاش وفق مبادئه أكثر من اللازم، حتى
أدت مبادئه الى الاضرار به، ونرى ذلك من خلال تخفيض راتبه كأستاذ محاضر-
من دون مبرر- وانتهاءً بطرده بشكلٍ نهائيّ من جامعة دوبول، وهو رغم كل
كفاءته العلمية، خصوصا مع كونه تتلمذ على يد البروفيسور نعوم تشومسكي
شخصياً، فانه ما زال عاجزا عن الحصول على عمل في الجامعات الأميركية، لأن
وجهة نظره - ببساطة - تتناقضُ جلياً مع الدعاية الاسرائيلية/ الأميركية عن
طبيعة الصراع الفلسطيني/ الاسرائيلي، وما تكرسه الروايات الرسمية على حسابِ
الحقيقة، وأخلاقية الموقف أيضاً.
السؤال هو: كيف يمكن أن تستخدمُ
معاناة الانسان مبرراً لالحاق الأذى بانسان؟ يتمحور المشروع العلمي
والسياسي لنورمن فرنكستين حول فضح الشيزوفرينيا الأخلاقية للكيانِ
الصهيوني، وبرأيه.. ليس ثمة شيء أقبح، ولا أوقح، من أن تستغلّ معاناة
والديهِ، وجميع الأرواح التي حصدتها الوحشية النازية، من أجل الحاق الأذى
بآخرين، وليس ثمة منطق يبرر أن تستغلّ العنصرية العرقية التي تعرّض لها
اليهود من أجل تدشين ملامح عنصرية جديدة، صهيونية، تقومُ على انشاء دولة
على أنقاض دولة.
في العديد من المقاطع المعروضة في الفيلم، نرى حجم
التأثير الذي خلّفته معاناة أمه في روحه، ونجده يشير الى أن تعرّف القيم
والمبادئ لم يكن عملية تلقين شفهية بالنسبة لأسرته، لم يكن - مثلاً - يسمع
شعارات مثل «الحرب خطيئة» وغيرها... بل تجاوز الأمر عملية التلقين بمراحل
مؤلمة، فقد كانت والدته تصابُ بما يشبه الـ «هستيريا» أمام أخبار الحربِ
التي تذيعها القنوات الأميركية، لاسيما في حرب فيتنام. يقولُ فرنسكتين بأن
أمه لم تعجب بما آل اليه ابنها، وكانت تشعر بالذنب لأنها سرّبت الى ولدها
هذا الكم الهائل من الاحساس بوحشية العالم وفحشه، وأنه صار صنيعة آلامها
مثل... وحش فرانكشتاين*، ولكن في حالته هو وحش فرنكستين «أو فرانكستاين!»،
الجريح... بعمقٍ منقطع النظير، بفعل ما يحدث في العالم عموماً، وفي فلسطين
خصوصاً، من غيابٍ للعدالة وتكريس للوحشية وشرعنة للجريمة على جميع الأصعدة.
من أجل اصدار كتابه الأوّل، كان نورمن فرنكستين يقوم بزياراتٍ
صيفية لرام الله في فلسطين، مقيماً عند أصدقاء فلسطينيين، وشهد عن قرب
عملية اطلاق نار تعرّض لها طفلٌ فلسطيني على يد جنود اسرائيليين، وكان
-
حسب ما يروي أصدقاؤه - يبكي في كل مرة يتذكّر تلك الحادثة، وأصدر على اثر
تلك الزيارات كتابه «صعود وهبوط فلسطين: رواية شخصية لسنواتِ الانتفاضة»،
كما قام بزيارة جنوب لبنان، خلال العام 2006، تضامناً مع المقاومة الشعبية
اللبنانية أثناء الغزو الاسرائيلي لجنوب لبنان. في العام 2008 اعتقلته
السلطات الاسرائيلية لاستجوابه عن سبب زياراته، وعن علاقاته مع جماعتي «حزب
الله» و«حماس» ومواقفه المؤيدة لمنظمات يصنفها العالم على أنها «ارهابية»،
وانتهت عملية الاستجواب بمنع البروفيسور فرنسكتين من دخول دولة اسرائيل
لمدة 10 سنوات... لأسباب أمنية، كما استضافته بعض القنوات اللبنانية لسبر
طبيعة علاقته مع جماعة «حزب الله».. وكان رده القاطع ببساطة هو: من حق
الشعوب أن تدافع عن أرضها ضد الغزاة، لا أعرف ما هي سياسة «حزب الله» ولا
يعنيني ذلك، وهذا شأن الشعب اللبناني وحده أن يختار من يمثله، ولكن بالنسبة
لي، كيف لا أحترمُ من يدافع عن حقه ويؤثر الموت وقوفاً على الحياة زحفاً؟
ابتدأ
فرنسكتين مسيرته السياسية ضد ممارسات اسرائيل منذ العام 1982 مع الاحتلال
الاسرائيلي للبنان، ونرى - من خلال موقعه الالكتروني
normanfinkelstein.com
وموقع اليوتيوب أنه مستمرٌ في نشاطه حتى اللحظة، رغم كل ما تعرّض له من
طرد ورفض ونبذ ووصفه بأبشع الألقاب، ما زال ينتصر لمبادئه.
ولعل
أحد أكثر مقاطع الفيلم تأثيراً في نفسي، هو عندما خرج البروفيسور من ندوة
ألقاها في جامعة كندية، وقال لمرافقيه.. شكراً للحكمة الالهية التي لم
تجعلنا مخلّدين، حتى لا نضطر الى تبني هذا الألم طوال حياتنا. أحدثت
كلماتهُ أصداءً حزينةً في نفسي، لأنها تعكس - الى حدٍ بعيد - حجم المعاناة
التي يتكبدها الانسان الذي يعيشُ في سبيل قيمه، ضد تيار اللا قيمة، واللا
منطق، واللا أخلاق، واللا انسانية أيضاً. انه انسانٌ يعيش وحيداً، ولعله
يموتُ وحيداً أيضاً، ولكنه الانسان الذي نعوّل عليهِ، من أجل خلاص العالم،
الانسان الذي نريده، الانسان جداً.
شخصياً، ما يمثله البروفيسور
نورمن فرنكستين هو الأمل، فيندرُ حقيقةً، في أزمان الصدأ هذه، أن تجد شخصاً
ينتصر لقيمه، على حسابِ كل شيء، حتى نفسه.
الاسم الأصلي للفيلم هو
American Radical : The Trials of Norman Finkelstein،
وهو متوافر في موقع
الأمازون للراغبين بالحصول على نسخةٍ منه، والنسخة المترجمة منه متوفرة في
الموقع الالكتروني لموقع قناة الجزيرة الوثائقية، تحت عنوان «يهودي ضد
التيار»... أدعوكم، أن تتعرفوا على وجهٍ جديد للأمل، على شمعةٍ وحيدة،
وضئيلة، وهزيلة، تلعنُ الظلام.

بثينة العيسى
- الكويت
Bothayna@hotmail.com