نُقطَة و سَطر جَديد
قصة قصيرة
رجاء محمد الجاهوش*
عِندَما
تَنتَهي بِنا الجُملَة ـ أثناءَ الكِتابَةِ ـ في نِهايَة السَّطرِ
نَضَعُ نُقطَة ثُمَّ نَنتقِلُ إلى سَطرٍ جَديدٍ ..
نقومُ بهذه العَمليَّة بشكلٍ تلقائي ، ودونَ
تَعنُّت مِنَّا في رَصِّ الحُروفِ على السَّطرِ الأوَّلِ ، وذلكَ
لأننا أدرَكنا ـ تمام الإدراكِ ـ أنَّ السَّطر لَم يَعدْ يَتَّسع
لحَرفٍ جَديدٍ ، وما عادَ يَحتمِل مِن الكلماتِ ما يُشكِّل جُملة
مُفيدَة ذاتَ مَعنى جَميل ، فيأتي السَّطرُ الثاني بمَثابةِ
فرصَةٍ ثَمينةٍ تَهَبُ حُروفنا الحَياة مِن جَديدٍ !
لكن ؛ ماذا لَو أصَرَّت الحُروفُ عَلى أنْ تُكتَبَ
كلّها عَلى السَّطرِ الأوَّلِ وانْصاعَ القلمُ لرغبتِها ؟
فراحَ سِنُّ القلمِ يَقطعُ المسافة بين أوَّل
السَّطرِ وآخره جِيئَة وذِهابًا بَحثًا عَن فُُرْجَةٍ يَدسُّ فيها
حروفَهُ ، تُرى هَلْ سَيتَحقَّق له ما يُريد ؟
النَّقطة والسَّطرُ الجديدُ وإصرار الحُروفِ على
ألاَّ تَبرحَ السَّطرَ الأوَّل تُذكِّرني بتَجاربِ المَاضي
الفاشِلة التي تُخيِّم بقُتمتِها على قلوبِ البَعضِ ، فيَنغَمِسونَ
فيها حَدَّ الغَرقِ !
أسرَى هُم لأحزانِهم وإحباطاتِهم ، وإذا ناداهُم
مُنادِ الأمَلِ أشاحوا بوجوهِهم عَنه ، وأصَمُّوا آذانَهم ، ثمَّ
مَضوا مُهروِلين إلى حَيثُ يَقبَعونَ دائِمًا في تِلك الزَّاويةِ
الكئيبَةِ في غُرَفِهم المُنزَويَةِ ، لا يَقوونَ عَلى فعلِ شَيء
سِوى البُكاءِ والنَّحيبِ عَلى ما فاتَ ، والأسى عَلى ما هو آتٍ ،
مُكبَّلينَ بالعجزِِ وقلَّةِ الحيلَةِ وسُوءِ التَّدبيرِ !
نَظرهم قَصيرُ المَدى وفي اتجاهٍ واحِدٍ ـ كأنَّ
داءَ التَّصلُّبِ أصابَ رَقبَتَهم ـ ، وإذا سَألتَهم : ماذا ترون ؟
أجَابوكَ : السَّواد يَبسط رِداءَه عَلى كلِّ شَيء ، فلا نَرى
شَيئا !
حَرَموا أنفُسَهم بأنفِسِهم مُتعةَ المُحاولةِ
الجادَّة للبدءِ مِن جَديد ، حِينَما أساءوا الظَّنَّ بالله ـ جلَّ
جَلاله ـ ولم يَفقهوا قوله تَعالى :
" إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ
مَا بِأَنْفُسِهِمْ ... " ـ (الرعد : 11)
لا أعْلمُ كيفَ يُقاسُ النَّجاح عندَ بَني الدُّنيا
، وبمَ يُقاسُ الفَشل ؟
لكنِّني عَلى يَقينٍ أنَّه لا يوجدُ نَجاحٌ مُطلقٌ
أو فشَلٌ مُطلقٌ في هِذِه الحَياةِ بَلْ تَجارب وخِبرات ..
فكم مِن تَجربةٍ فاشلةٍ جَعَلَتنا نَقِفُ مَعَ
أنفُسِنا وَقفَة تَفكرٍ وتدبُّرٍ ، وكَمْ مِن تَجربِةٍ قاسِيةٍ
كانَت السَّببَ في أن نتعلَّمَ سِرًّا جَديدًا مِن أسرارِ النَّجاح
..!
نعم ؛ فما كانَ سرًّا بالأمسِ أصبحَ اليومَ مِن
أبجديَّاتنا ، ولليومِ سَّره الذي لم يُكتشَف بَعد ، حَتَّى إِذَا
ما تَمَّ اكتشافَه ـ بتوفيقٍ مِن الله ـ تقدَّمنا خَطوةً في دَربِ
الفَّلاحِ ، وهَكذا ...
فالتَّجارب الفاشلَة لا تنتهي إلا بانتهاءِ الأجَل
، لكنَّها تَقل بزيادةِ الوَعي والخِبرة ، ولا تُكتَسَب الخبرة إلا
بِسبْرِ أغوارِ الحِياةِ ، وخَوض التَّجارب والتَّعلّم مِنها ،
ومِِن ثُمَّ تَجاوزها لِمَا بَعدَها بتحدٍّ وإيمانٍ كَبيريْن وقلبٍ
لا يَعرفُ الحِقدَ !