قراءة أدبية
محمد البشير**
عندما
تتصفح مجموعة لبنى محمود ياسين بغلافها الذي تملَّكهُ اللونُ
الأزرق . تدخل دون وعي في طقس قراءة لا يمكنك الفكاك منه ! لا سيما
وأن صفحات المجموعة صغيرة الحجم ، ولم تبلغ المائة ، والمجموعة
تفرض عليك طقساً بتقريظ نفر من كبار الكتاب . يلقي بظلاله عليك
احتراما لما ستقرؤه ، وتتهيأ قبل كل قصة برسم ملون - صيرته الطباعة
رمادياً - يمهد لك خوض غمار القصة ، وكل هذه الطقوس - التي خلقتها
لنفسك - هي محض إملائات نفسية . أولجك إياها عنوان المجموعة ( طقوس
متوحشة ) .
هذه الطقوس ستعلم بعد حين أنها عنوان أحد القصص ، كاكتشافك أيضاً
أن لوحة الغلاف بريشة واحدة لرسام واحد ! رغم اختلاف الاسمين بين
لوحة الغلاف والرسوم الداخلية ، ويجمع شمل ذلك أن تدغم بين الاسمين
بحذف التصدير ، فيصير ( حاتم أبو الحسن ) ، ولوحاته التصاق بالنص
وترجمة له بالريشة ، أو بعبارة أشد دقة ( هي القصة بالريشة ) ،
وبينهما تناغم على صعيد الكتابة والقص بتقارب المدرسة التي ينهجها
كلاهما على صعيد الرسم والكتابة .
وذات الالتصاق تكاد تجريه على طقوس العنوان بثيمة تراها في كل قصة
تصريحاً . كقولها ( أخضعني جدي لطقوسه القذرة ) ص24 من قصة " أصابع
جدي " ، و ( أتقمص كل طقوس الأمريكيين ) ص30 ، و ( في طقوس غربية
غريبة ) في الصفحة التي تليها من قصة " تنتهي بالقاف " ، و ( كنت
أحضر لطقوس موته ) ص 43، و ( طقوس رعبي الليلية )في الصفحة التي
تليها من قصة " طقوس متوحشة " - التي تسمت المجموعة باسمها - ، و (
استغرقت طقوس هذا القرار وقتا طويلا ) ص77 ، و( بدأت طقوسها
الاحتفالية بالعودة إلى عالمها المبعد ) و ( كانت الطقوس أكثر
همجية من احتمالها ) في صفحتين متتاليتين من قصتها " نقطة محايدة "
، وتستطيع أن تجعل هذه القصة بالتحديد طقساً كتابياً لا يختلف
كثيراً عن ما تقوم به القاصة في جميع قصصها بالتماهي بين اللون
والحرف ، وهذا محض التناغم بين الرسام والقاص ؛ لذا حفلت القصة
بكثير من الطقوس أكثر من غيرها إلى درجة تكاد تلقي عليها عنوان
المجموعة ؛ لولا تلك النقطة النرجسية للبطلة حتى منحتها العنوان .
وإن كان ذاك ما جاء تصريحاً ، فبقية القصص أتت محض طقوس لأبطالها :
من طقس المناجي نفسه أمام مرآة في توحد وتشاجر مع الذات في قصة "
الآخر " ، وبألفاظ تحمل سمة الوحشة ( أستعمر .. يكره رؤيتي ..
كابوس .. حتى الغثيان .. سأمسكه من تلابيبه .. سأشده من رقبته ،
وسأكسر له ذراعاً ، وقد أفقأ له عينا .. ) ، وهكذا تلقي القسوة
والوحشة بظلالها . كما هو اللون الأزرق الذي اصطبغ به الغلاف ،
فتسرب كحبر بين الحروف . تراه في تلافيفها عياناً ( لون ضائع بين
ازرقاق داكن تفرضه غيوم ممزقة ) ص 80 ، ولو كان هذا الحبر نقراً
على لوحة المفاتيح ! لا أقلام حبر حقيقية . كما هو الحال في طقس
الكتابة الحديث في قصتها " الوهم الحقيقي " ، وتارة تسير في
الطرقات ؛ لترمق الناس عياناً ، وتحاكي طقوسهم الحقيقية لا وهماً .
كطقس الفقير الذي يراه عيباً في مونولوج يناغي النفس المتضورة
جوعاً بينما الأغنياء على موائدهم المتخمة . يتغنون بأن الفقر ليس
عيباً في " حديث الأغنياء " ، ولم تكتف بهذا السير فحسب ! حتى دلفت
إلى تلك الغرف المستعمرة بالرذيلة في طقس تراجيدي ؛ لاغتيال
البراءة والأنوثة في طقس هو محض " قذارة مزدوجة " كعنون قصتها ،
ولم تكتف بتلك الدهاليز حتى تسربت إلى نفس الأنثى ، وجانب الذكورة
في تلافيف جسدها حتى أذاعته طقساً علنياً بعد تواري ؛ لتخرج واضعة
ربطة عنق ، وبصرخة رددتها في عنوانها " لست أنثى " ، ولعبة الألوان
كما ابتدأت من الغلاف لم تنته بعد ، فها هي ذي في قصتها " مجرد
بيدق " تعيدها - وإن لم تغفلها في قصصها - باللون الأسود والأبيض
كرقعة شطرنج يمارس فيه الملك طقسه ، وباللون أيضاً صبغت عنوان
قصتها متزملاً في بياض الثلج ، وفي طقس السآمة والرتابة يعم السكون
، فـ ( لا توجد حركة إذا ما استثنينا بندول الساعة الرتيب ) ص60 ،
و( كلما وقفت على النافذة لأرى ندف الثلج ، والمشهد الذي لم يتغير
منذ الأزل ) ص71 من قصتها " ملكة الثلج " ، وبقصتين جعلتهما
متبادلتين في المشاعر . ما بين مشاعر الأنثى والذكر ، فالأولى :
مشاعر الأنثى حين تفيض تساؤلات لمن تحب في طقس خيبة جعلها تبوح بكل
مكنونات فؤادها . حين تسلبُ الأعرافُ والتقاليد منها من تحب في
سماجة غير مبالية بمشاعرها التي ظلت متوهجة . كما هو عنوان قصتها "
وما زال ذاك الوهج في قلبي " ، فعنوانها طويل يشي بكثرة ذاك الكم
من المشاعر الموءودة في رمال الأعراف ، والثانية : تختم بها
مجموعتها مغناة بصوت العندليب - المغيب لمصريته - ، وبكلمات نزار
قباني - الحاضر بدمشقيته - في تناغم يتردد في صدر من يبحث عن حبه
المفقود في " تداعيات ذاكرة " حيث لم يفت القاصة المكان ، فدمشق
ذكرت في قصتها : " نقطة محايدة " بأنها ( الحسناء التي تزداد
جمالاً كل يوم ) ص 80 ، وبأنها ( تلك المدينة الأسطورة ) ص 93 في
هذه القصة ؛ لتشي بحبها وتجعله مسك ختامها ؛ لكنها الخيبة المتلبسة
في النهايات حين ( تطارد خيط دخان ) ص96 ، وفي وداعها لـ ( طيور
الشام ) ص 80 ، فالمكان تسجَلَّ هنا بخيبة ربما صنعتها الغربة !.
واحتلت العراق جزءاً باعتبار الأحداث ، وإن كان مكان القصة في
أمريكا كما هو الحال في " تنتهي بالقاف " ، أو تسجيلاً للمكان كما
في ( سجن أبوغريب ) ص44 .
وفي كلا الحالتين توظيف للأحداث الزمنية في القص ، وذاك طقس يعيشه
الإنسان بحياة الإنسان ، وتوظيف الحدث في الإبداع الأدبي لخدمة
المجتمع ، وإن تجافى هذا مع تقنيات الكتابة ، وتنظير النقاد !
فتبصر في هذا النوع من القصص مقاربة للقارئ ، وإن كان على حساب
الناقد ، فاللغة سهلة بعيدة عن التعقيد ، والصور جميلة بسهولتها ،
والسرد منساب دون تعقيد التقنيات السردية ، والخاتمة بعيدة عن
التعقيد ، وانفتاح النص على مصراعيه للتأويل بتقريب الصورة قدر
المستطاع دون أن تفقد بريقها كما هو الحال في " ملكة الثلج "
بمساعدة القارئ لا استغبائه بذكر سبب ثراء صوفيا ، وحل لغز وفاة
والدها بمكالمة العمة في عملية ؛ لتضييق تلك الزاوية المنفرجة دون
أن تفقد كامل انفراجها وتدخل في مصطلح رياضي آخر .
وإن لم يرق هذا الأمر للناقد بطلب تلك المساحة البيضاء عند القفلة
. إلا أن هذا اللون والموضوع الذي ترسمه القاصة بواقعيتها - دون
إغفال الجانب الإبداعي - يروق لكثير من القراء بتسطير الدهشة عند
حصد المفارقة مكتوبة لا مغيبة يبحث عنها ، فلم يكن ذنبها ( أن
اللوحة كانت قبيحة ) ص 82 عند أناس ما دامت تروق لعدد أكبر يرى
فيها جمال اللون بحقيقته ، فتلك البقعة البيضاء التي يطلبها النقاد
في الآخر أتت في نصوصها ، فلطالما ( أحست أنها والأبيض توأمان ) ؛
لذلك أشبعت ريشتها بالأبيض دون لوحتها !.
أستطيع أن أقول أنني عشت طقس قراءة جميل في وقت يسير ، وقبل أن
أودع الكتابة توقفت عند ( الطقوس ) وارتباطها بالعبادات المسيحية
والسحر ، وبُعْدُها عن اللغة العربية في معاجمها ، فجذر ( ط ق س )
ليس له أثر في المعاجم التي بين يدي ، وأقرب ما قرأت هذا اللفظ في
كتب التراث عند ابن عربشاه في فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء عند
قوله (ومعرفة طقوس الوسوسة كأبي علي بن سينا في علم الهندسة ) بعد
قليل بحث ، وهذا من مواكبة الألفاظ العصرية ، والبعد عن التقعر
اللفظي دون بعث ألفاظ جديدة ، وإنما توظيف لما هو بين أيدينا من
لغة .
فالطقوس ارتبطت بالكتابة ، وما أشبه الكتابة بالعبادة والسحر ! فلا
غرو إن تسرب هذا اللفظ في الكتابة ، لا سيما وأن الكاتبة في طقسها
سابق الذكر في قصتها " نقطة محايدة " ابتداء من مرور أصابعها دون
أن تشعر ( على الريش متفقدة إياها ) ص 78 وحتى رسمها لـ ( نقطة
حيادية بيضاء .. تشبهها تماماً ) ص 82 تمارس ضرباً من الطقوس
الإبداعية .ال
ولطالما ارتبط السحر بالمرأة ! وطقسه ارتبط بالكتابة كما قاطع
بينهما محمد سعيد الريحاني في أحد حواراته على مستوى التحضير
والاستعداد بين الفنين ، ولأن الخلوة هي أحد طقوس الكتابة والسحر
أيضاً ، فيحين لنا أن نعلم تلك ( المتوحشة ) التي وصفت بها القاصة
طقوسها ، فالوحشة من معانيها الخلوة كما عند ابن منظور ، ولولا هذا
الكم من البياض المفارق لسواد السحر ؛ لقلنا أن القاصة كانت تكتب
بعصاة لا قلم .
أنثى في قفص
يحكى أنني في زمان ما طرت عارية إلا من حقيقتي في مملكة السماء
وتسابقت أنا والبنفسج نحو الشمس... ولم نحترق.
.
ويحكى أنني سقطت في أنهار الهوى... فتمردت روحي وحاولت أن أطفو
فغسلتني دموع الألم وبان بريق طهري... فكانت الشمس
.
وقالوا إنني تبعت هواي... فانهارت الأكوان من حولي... وتسابقت
السيوف على لحمي تقطعه... وانهال سواد عيني دموعا من غضب... فكان
الظلام.
.
ويحكى أنه منذ ذلك الحين... قـــصَ جناحي... ولم أعد أطير... ولم
أعد أرتدي حقيقتي... وبانت سوءتي... فارتدتني كل أوجاع الأسر.
.
ويحكى أنني في زمن آخر... زمن شهريار... سُـجنت في قفص من ذهب...
وارتديت ثوبا لا يشبهني فصرت عارية.. وتغطت حقيقتي بأسمال ليست لي.
.
وقالوا أنني عندما جاء دوري لأمثل دور سندريلا... لبست حذائي
بإحكام... وحرصت على ألاّ أفقـده... وهكذا... لم يبحث عني أحد...
أي أحــد .
من المجموعة القصصية الثانية للقاصة السورية لبنى ياسين
بعنوان (أنثى في قفص).
-------------
*لبنى ياسين
كاتبة وصحفية سورية
عضو فخري في جمعية الكاتبات المصريات
للاطلاع على موقعي :
http://uk.youtube.
com/watch? v=MEAZt5G12RM
http://fr.youtube. com/watch? v=pVjXK87Vy0E
http://daralkashkol .com/fourms/ viewforum.
php?f=103&sid=aac2ca70d77778b
099126d927899554
**محمد بن عبد العزيز البشير
من مواليد : 24/3/1975
السعودية ـ الأحساء ـ الهفوف