أدب

صفحة الأديبة رشا المالح الخاصة

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات


 


 

 

   روايات خالدة

 نصف الرجل امرأة

للأديب الصيني : زانغ كزليانغ

.

.

عرض : رشا المالح* 

 

         أمضى الشاعر والروائي زانغ كزليانغ الذي ولد عام 1936 ، اثنين وعشرين عاما من حياته في السجون ومعسكرات إعادة التأهيل خلال حكم ماو تسي تونغ. بدأ بكتابة ونشر قصائده حينما كان في الثالثة عشرة من عمره. وساهمت دراسته للفن والأدب في الأربعينات والخمسينات في تكوين أساس صلب ساعده في الصمود خلال سنوات الأسر في المعسكرات.

التحق زانغ بعد تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949 بدراسته المتوسطة، وحين طرد زانغ من مدرسته الثانوية لانضمامه إلى عصبة (الاخوة السبعة)، توجه إلى نينغكسيا الواقعة في شرقي غرب الصين وعمل في احدى المزارع.

وفي عام 1955 عين مدرساً لكوادر الموظفين وكان في التاسعة عشرة من عمره. وفي العام التالي بدأ ماو حركة (المئة زهرة) التي توصف حاليا بكونها مكيدة لإخراج الثعابين من جحورها ويقصد بالثعابين صفوة المفكرين في الصين.

تلت تلك الحركة حملة اعتقالات وإعدامات كان ضحيتها جميع من جاهروا بآرائهم وبمعارضتهم لبعض أفكار الثورة. ومن ضمن من ألقي القبض عليهم كان زانغ الذي كتب خلال تلك الفترة قصيدته (أغنية الريح العظمى) عام 1957، وعلى الرغم من الشهرة الكبيرة والشعبية التي حظيت بها القصيدة ارتأى بعض البيروقراطيين من ذوي العقول الضيقة بأن هذه القصيدة تعبر عن أعداء الثورة اليمينيين.

كان زانغ حينها في الواحد والعشرين من عمره، وأمضى الحقبتين التاليتين من عنفوان شبابه متنقلا بين السجون ومعسكرات العمل والمزارع التابعة لها. وبعد إتمام تأهيله أطلق سراحه عام 1979، حيث عاود الكتابة وانضم إلى أسرة تحرير المجلة الأدبية (شوفانغ) ومن خلالها نشر قصته الأولى «روح وجسد».

وقد أثارت روايته التالية «نصف الرجل امرأة» ثورة عارمة سواء بين العامة أو الأوساط الأدبية وذلك بسبب تناوله لثالوث المحرمات في الصين الذي يشمل السياسة والهوى وعدم التكيف.

وتغطي أحداث روايته «نصف الرجل امرأة» المرحلة الأخيرة من الثورة الثقافية التي تنتهي بمقتل الثائر زو ابنلاي في يناير وقبل موت ماو في سبتمبر. وتبدأ أحداثها في ربيع عام 1966، حين كانت الثورة الثقافية تستعد للانطلاق بهدفها في تغييب إرادة الإنسان لصالح السلطات.

في البداية يصف البطل زانغ الشاعر والرجل البتول حياة المعسكرات بما يلي، «إن معسكر العمل لهو أشبه بمملكة مستقلة، مجهزة بكافة مستلزمات الحياة. ونتيجة لذلك، فإن مبدأ استخدام مهارات المرء إلى حدها الأقصى يتم تطبيقه وممارسته تماما مثل الديانة: أيا تكن مهارات أحدهم، فإنه سرعان ما سوف يكتشف، أن تعيينه قد تم لتنفيذ مهمات توكل إليه وفقا لمهارته».

ويتابع تناوله للجانب الإيجابي من التجربة أو ربما الدافع المبني على غريزة البقاء بقوله، «إن العمل يخلق الإنسان، ويخرج منه غريزة لطالما غمرتها الثقافة المتقدمة .. حين كان ينتابه شعور بأنه يخرج إلى الوجود ويتبدل ويزداد جوهره خصوبة وثراء». أما عن عمله في حقول الأرز فيصفه بما يلي، «من كان ليرغب في الهروب من جنة نائية مماثلة، خلال الأوقات العصيبة التي كانت تمر بها الصين».

كان في الثلاثين من عمره وقد دمغ بوصمة (عدو الشعب) وذلك من خلال ارتدائه لقبعة ورقية. وحينما كان الزملاء يتسامرون في الليالي ويصفون توقهم للمرأة، كان زانغ يدفن رأسه في الكتب ويتساءل، «الحب الطاهر، الخوف وارتعاشة الحب الأول، الشذا والعبير، توهمات الغرام، أين أضحت كلها اليوم؟ لقد أبادتها السجون والوقوف في الصف ومناداة الأرقام وعملية إحصاء السجناء والسير إلى العمل».

وتتجلى الكوميديا السوداء لأسلوبه من خلال السخرية اللاذعة ومثال على ذلك، «كانت الثورة الثقافية بصدد تحطيم الرقم القياسي العالمي في إحصاء عدد (المجرمين)». وحينما يتعرض لقرار الثورة بحلق رؤوس السجينات لتجريدهن من أنوثتهن يصف ما رددته امرأة عجوز عندما أتى دورها، «خطيئة .. خطيئة .. لقد سقطت الثورة على رأسي».

وفي نهاية الجزء الأول، يصف لقاءه للمرة الأولى مع امرأة حيث قادته المصادفة للدخول بين عيدان القصب الطويلة متتبعا صوت رذاذ المياه ظانا أنه سيصطاد بطة متخفية بالقرب منه. إلا أنه يفاجأ بامرأة تستحم على ضفة النهر، وتشله الدهشة لمرأى الجسد الفتي العاري قبالته. وفي صراع مرير بين فكره ورغبته يقرر الهرب بعيدا على الرغم من غضبه العارم. ويعبر عن ذلك بقوله:

«كانت الحضارة حبلا يقيد الإنسان ويعيق حركاته بعد أن يجعل منه (مسؤولا)، فتضحي رغبات الإنسان البسيطة بمنتهى التعقيد، وتصبح هذه الرغبة قريبة وبعيدة المنال في آن».

ويتضح في الجزء الثاني مضي ثمان سنوات قبل أن يلتقي بها مجددا. كان مسؤولا عن رعي الخراف، عندما وصلت «هوانغ كزيانجيو» إلى المزرعة التي يعمل فيها لمساعدته في بعض الأعمال. يبدأ الحوار بينهما بسيطا وتلقائيا سيما لدى تعرف أحدهما على الآخر. تخبره بأنها تزوجت وطلقت مرتين، في الأولى بسبب خوفها من أن يعلم زوجها بماضيها المشبوه الذي ما إن سمع به حتى طلقها، وفي المرة الثانية بسبب استمرار زوجها في تذكيرها بماضيها وتحميلها وزره.

أما هو فيخبرها بأنه أطلق سراحه لمدة زمنية قصيرة أعادوه بعدها إلى السجن مجددا ومن ثم إلى معسكر العمل.

وتتالى اللقاءات والحوارات. وفي هذا الجزء يعرض المؤلف نماذج من شخصيات المعسكر منها الفلاح الساذج والواشي والمسؤول وغيرهم من المقيمين في القرية. يبدأ زانغ بالتفكير في الزواج من هوانغ بالتحديد، ويساعده أصدقاؤه في اتخاذ القرار. تتبخر جميع أحلام زانغ الوردية في الليلة الأولى، حينما يكتشف تعطل حواسه وتمردها، فينتابه شعور بالأسى لحالته سرعان ما يتحول إلى غضب بسبب شفقتها عليه بداية ثم سخريتها منه لاحقا.

وبعد مضي مدة من الزمن يكتشف خيانتها له مع مسؤول المزرعة، فيشعر حينها للمرة الأولى بهزيمة الروح. ينفرد بنفسه في العراء وهناك يستحضر كبار المفكرين ويناقشهم في وضع الصين والحالة المزرية التي وصل إليها.

وفي الجزء الرابع، تستمر حياتهما كأعزبين غريبين يتعايشان في غرفتين منفصلتين. وعندما تهطل أمطار غزيرة تهدد بالفيضان يهب الجميع لتفادي الكارثة، ولدى اكتشافهم لوجود شرخ في السد لا يتردد زانغ في المخاطرة بحياته والسباحة في تيار المياه والغوص لسد الشرخ.

بعد نجاحه في تفادي الكارثة يحتفي به الجميع ويعامل كبطل قومي، ولدى عودته إلى المنزل يفاجأ بصدق قلق وخوف زوجته عليه، وحينما تحاول تدفئته في السرير يتمكن من استعادة رجولته معها، مما يشعره بالسعادة والرضا.

 وفي حين تظن الزوجة أن حياتهما ستبدأ من جديد، تكتشف هاجس رجلها في الرغبة بالرحيل والانعتاق. ويحاول توضيح ذلك لها برفق بقوله، «بدا لي وكأني كنت أعيش في عالمين: عالمي الخاص والعالم الزائف. وفي الواقع كان العالم الثاني هو الذي يسيطر على أيامي، ويتحكم بها ويقود حياتي وموتي. أريد أن أخترق هذا العالم الزائف. أريد أن أتجاوز وجودي». وهكذا يقدم طلب الطلاق ويرحل إلى مستقبل يلفه الالتباس.

===============

رشا المالح

rmaleh57@hotmail.com