مختارات قصصية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

  نزول الحقائب

 قصة قصيرة بقلم : عبدالله تايه

دنيا الوطن

 

      نزلت الحقائب وافترشت الأرض بين مئات الحقائب ، هل كان للعربة أن تعاني هذه المعاناة كي تقصقص المسافة المحدودة في رجوع يثير ويخرج المرء عن أطواره ، ولم لا والمسافرون ينتشرون كالجراد جلوسا على مقاعد تهري مؤخراتهم ، تقوس فقرات ظهورهم ، تحني هاماتهم وهم يحاولون طرد الشمس بظل أي شئ ، ستة أرجل وثلاثة أدمغة ، ثلاثة أجساد تفاوتت في الجلد والعزيمة ، الشمس التي خرجت من عب النهار في المشرق الممتد عبر حقول اللوز والحدود تمد لسان لهيبها شيئا فشيئا ، أما في الجنوب حيث أسلاك المعبر الذي ينتظر الناس أن يفتح فالساعة تجاوزت العاشرة والبوابة لا تزال تصد النظر ، وتبعث قلق التأخير ، تمر دبابة داخل المعبر تندفع شرقا ، تنفث خلفها وحواليها كتلة غبار تكفي لملء مئات الرئات ، علمان مختلفان متواجهان يبعدان عن بعضهما أكثر من مائتي متر ، أحدهما فوق البوابة المحتلة ، والآخر فوق مكتب الجوازات المؤقت بعد هدم مباني كثيرة بجوار المعبر ، العلمان المتنافران في الألوان يرفرفان بقوة ولا أحد يكترث لهما : ـ هاهي الدبابة قادمة داخل المعبر ، بعد قليل يفتحون البوابة . قال أحد المنتظرين بتفاؤل لقرب نهاية انتظاره . ـ لا . لا تحلم بفتح البوابة . رد جالس بجواره . ـ وما أدراك ؟ ـ انظر هناك . أشار بإصبعه .

   نظر البعض نحو الجهة التي أشار إليها الإصبع ، مجموعة من الرجال يجلسون على المقاعد الخشبية ، منهم من صارت مكعبات الحجارة مقاعد لهم ، والتراب صار لهم كذلك ، بعضهم يلبس قبعات قماش مختلفة الأشكال والألوان تقاوم حر الشمس ، وآخرون بلا قبعات ، يمصون دخان سجائرهم وينفثونه سحابات ، يتلهون بالحكايات والضحكات لتمرير الوقت ، وهم لا يرصدون انفتاح بوابة المعبر  ولا يراقبونها ، ولا يعنيهم متى ينفتح فاها الحديدي عن جندي أبرص ينظرهم بناظوره ويشير بيده لدخولهم متى يشاء ، فالحلم بالدخول للهروب من الانتظار وصهد الشمس يظل معلقا بإشارة من اليد الممدودة للجندي. تناوب الأسئلة والإجابات بعض القريبين:

ـ ما هؤلاء ؟

ـ ناس ينتظرون ؟

ـ  مسافرون ؟

ـ إنهم يتمازحون .

أجاب أحد الجالسين :

ـ هؤلاء عمال المعبر .

ـ إذن ليس في الداخل عمال ؟

ـ عندما تراهم يدخلون تباشر خيراَ .. عندها فقط  تبدأ إجراءات فتح المعبر .. ـ ومتى يفتح في العادة ؟ ـ الله أعلم . على كيفهم . وقتما شاءوا وشاءت يد الجندي .. أو شاء إصبعه .. ـ وقتما شاءوا؟! ـ ها وقتما شئنا !!

  علمان يرفرفان ، يتواجهان عن بعد ، والقلوب في الصدور من فرط غضب الانتظار وإزعاج الصغار ترفرف .. الجنود يأكلون ، يحتسون القهوة الصباحية ، يختمون بالماء البارد ، يستحلبون اللبان على صوت موسيقى تصدح من مذياع بحجم الكف ثم يتصلون بأمهاتهم وآبائهم وزوجاتهم وأولادهم وبناتهم وأصحابهم وصاحباتهم يطمئنونهم عن سلامتهم وأنهم لا يزالون يقومون بمهامهم ، في حين لا يزال رنين الهواتف النقالة يشتعل بحماس في كل لحظة من ذوي المسافرين يسألونهم ويستفسرون منهم بأسألة لا تنقطع : أين وصلتم ؟ هل فتح المعبر ودخلتم ؟ أنتم في الجانب الإسرائيلي أم المصري ؟ معقول حتى الآن لم يفتحوا البوابة ؟! لا ..لا . أكيد تمزحون ، نخمن أنكم الآن تأكلون السمك المشوي في العريش . لا ينقذهم سوى الحلف بأغلظ الأيمان أنهم لا يزالون يفترشون القهر والتراب والانتظار .

   المسافرون المنتظرون تزوغ منهم الأبصار هنا وهناك ، يتصيدون أية حركة تنبئ عن فتح بوابة المعبر ، يتصافق العلمان في قوة الهواء الذي يأتي من بحر رفح فلا يغطي التصافق على صراخ الأطفال ، ولا على أبواق العربات ، ولا نداء الصبية المنتشرون في الساحة يبيعون أو يعتلون الحقائب ويكدسونها فوق ظهور العربات ، سح العرق يرطب الثياب ، ينعجن بالغبار الطيني على الجلود والسحنات المقطبة ، ينتفي فرح السفر ، تروح متعته من عيون الصبايا والنساء حيث غطى الغبار كحل العيون .

   ستة أرجل وثلاثة أدمغة يلاحظون تصافق العلمين المتواجهين ، يرتلان حكاية الإنسان ، الذي يمر على وجع الإنسان فلا يرى فيه إلا عدواَ يستحق الذل أو الموت، تتساءل الأدمغة عن رفرفة العلمين المختلفي الألوان تماماً في زهو يؤججه هواء مسح بحنو وطراوة على أيدي وعيون ووجوه وتراب وجدران مهدومة منذ انفلاته من فوق موج المتوسط حتى آخر جدار مهدوم في رفح ، حتى يأتي يلطم وجه الساريتين والجند والناس ، ويذهب شرقاَ إلى حيث غبار كثيف يتصاعد من أطراف دبابة تكنس ممرات الشريط وبوابة المعبر ، والناس على قلق المفاتيح والبوابات المغلقة ، والمنتظرون على الحقائب المصلوبة في الشمس يدردشون صيغ ولعنات بكلمات وأفكار شتى ، نداء الصبية يتصاعد عن أرقام العربات واصطفافها في الطابور ، والحقائب ترفع بترابها فوق أكتاف فتية لوحت وجوههم شمس تموز الحارقة .

  تهرول الأقدام الفتيَة بالحقائب ، تقف الحقائب في صفوف فوق ظهور العربات ، يحشو الصبي بعض الأعطيات في جيب سرواله الذي ينم عن نحافة ساقيه ويغيب بين الجموع . يقف نصف الناس ينظرون إلى البوابة التي تحركت : ـ يا اللا يا شباب ..

   يهتف صوت في استرخاء لا يزال يستمده من استرخاء أعضائه على التراب وقد ضرب كوعا على الأرض في انتظار فتح البوابة ، تفتح البوابة فاها ، مطوقة بأسلاك شائكة واستحكامات وتدابير لا حصر لها ، يفتح المسافرون أفواههم وآذانهم وعيونهم وجيوبهم : ـ ها قد جاء الفرج ..

   تقوم أم تجرجر حقيبة وابنة ، وآخر يكاد يطلع من وراء ثيابها المشدودة في حمل واضح ، يرتفع صراخ الصبية الذين ينادون على الأرقام والأسماء والحقائب وصرف العملات وكروات الجوال والشاي والبرَاد ، تسرع وتيرة الأقدام والتزاحم على الأرض الترابية ، يهف الغبار الموجودات جمادات وأجسادا ، تعرق الرءوس ، تتصاعد اللعنات ، وعلمان متواجهان يتفرجان في زهو الظالم والمتحدي .. ـ ياللا يا شباب ..

   يتكرر الصوت مراراً ثم يصمت ، إذ فاجأه باب البوابة بالارتداد ثانية ، صمت النداء والمنادي في غل ، ماذا يفعل الجندي بمشاعر الواقفين الصابرين ، والجالسين المرضى ، والكاظمين الغيظ ؟َ! ماذا يرى وعلى ماذا يتفرج في ناظوره السحري ؟ يقلب السحنات الملهوفة على لحظة فرج على مرأى من علمين يصطفقان متواجهين ، وفلاة خاوية جهة البحر ، مطلع شمس ، وقهر ممتد ، نسيم يحمل حر الشمس ، وبريق يلمع من زجاج العربات والنوافذ والرءوس ، أطفال يتقلبون على الأرض أو في أحضان أمهاتهم فتغدو ملابسهم الزاهية قاتمة ، يعود المنتظرون للجلوس ثانية . علمان وناظور وستة أرجل وثلاثة أدمغة وشمس تضرب الجميع ..

    ظلت عقارب الساعة تمرجح الوقت مع بلادة جندي الحراسة ، تقيه قبعة الشمس ومظلة حديدية ، وألوان من الطعام والشراب ، وموسيقى راديو صغير بحجم الكف ، والناس على وجع ينتظرون ، حتى صارت العقارب تشير إلى الثانية عشرة، اقترب منتصف النهار ، تعلقت الشمس فوق الرءوس ولا من إذن لدخول عمال  المعبر المنتظرين ؛ الذين تناولوا فطورهم وشايهم وقهوتهم وسجائرهم ونكاتهم وحاجات نسائهم وأولادهم وحكاياتهم الاجتماعية والاقتصادية وتهكماتهم الشخصية والسياسية والجنسية حتى لم يعد في جعبتهم شئ . تململوا ، نهضوا من أماكنهم ، توزعوا في الساحة يلينون ثنيات ركبهم وفقرات ظهورهم والتواءات التكويع ووجع الجلوس في مؤخراتهم من المقاعد الصلبة .. يتأففون من الراحة والخمول .. يراقبون المسافرين والحقائب والأطفال بعيون تظنها على الأشياء لكنها مبحلقة في فضاء واسع ، وأفكار تروح بعيداً إلى هموم الأسر وحاجات الأولاد وفقر الحال ، لا تنبههم سوى صرخات حادة لأبواق شاحنات تستعد لنقل الزلط من داخل المعبر.