
قصة : نجلاء محمود محرم

حين
فقد ذراعه فى الحرب.. منحوه نجمة من معدن.. علقها على صدره.. وصفق له الجمهور..
وحكى عنه أهل قريته.. ورفع الأطفال رؤوسهم يرنون إليه بإعجاب كلما سار أمامهم، حتى
فتيات القرية المتناثرات فى الطرقات وعلى شاطئ الترعة كن مولعات بمراقبته وملاحظته!
عقب الحرب.. عقب فقد الذراع.. كان"متولى"سعيدا"!
* * *
تقدم"متولى"لخطبة"محاسن".. إحدى المعجبات اللاتى كن يرقبنه وهن يغسلن
الأوانى على حافة الترعة.. كل شىء نصيب.."محاسن"مازالت صغيرة على
الزواج.
عاد"متولى"يهمس لنفسه:
هل"محاسن"هى التى مازالت صغيرة على الزواج؟ أم أننى أنا الذى صغرت؟
أرغت أمه وأزبدت.. ورمت"محاسن"وأهلها بكل صفات قلة الأصل وانحطاط
الأخلاق.. وتوصلت فى النهاية إلى أنها ليس لها فى الطيب نصيب!"متولى"جالس يرنو
إلى أمه فى صمت.. مدليا كُمّا خاليا.. وأبوه منكس الرأس.. معصور الفؤاد..
رفض"متولى"عروض أمه.. وامتنع عن التقدم لخطبة أى فتاة أخرى..
لم تعد ذراعه المبتورة مثارا للإعجاب.. بل أسفرت عن حقيقتها
وباحت له
باسمها الحقيقى..
انحصرت حياة"متولى"بين الحقل والدار.. والخروج للسوق أحيانا.. يمناه المبتورة
لاتمكنه من أداء الكثير.. لكنه لايركن إلى التكوم كبقايا إنسان منتظرا التحلل.
عاتبه أبوه :
تأخرت كثيرا يا"متولى"وأنا بحاجة إليك.
ابتسم"متولى"فى رضا: معذرة يا أبى ها أنا قد جئت
"رعاك الله يا أبى.. هل تظن أنى أصدق أنك تحتاجنى حقا؟""تمتم متولى
لنفسه.. نهض فخلع جلبابه.. ظهرت بقايا عضده.. خاض فى حقله.. لم تفتر رغبته فى
العمل.. ولم يفت فى عزيمته أن أداءه لم يكن فى كفاءة الماضى.. لم يلعن العجز..
ولم يتخذ منه فوهة يطلق منها قذائف يأس
وكره على الدنيا والناس.
سامحها الله"محاسن".. أفقدته الرغبة فى الزواج!
* كل شىء نصيب ياأم"متولى"
قالها أبوه وهو ينظر إليه بطرف عينه فى إشفاق.. ويشير لأمه بيده أن تصمت!
وبعد يا أبا"متولى"؟ ألم يخلق الله غير"محاسن"؟
الأم المغتاظة لا تعير انتباها لمشاعر الإبن.. فهو ليس أقل من أى شاب آخر.. بل
هو أفضلهم جميعا.. بما فيهم زوج"محاسن"! ليس الأفضل لأنه بطل مضح.. بل لأنه
ابنها.. وهى تراه كذلك!
* ياأم"متولى"كل شىء بأوان..
ثم هامسا :"كفى عذابا"
عذاب؟! أنا التى لا أريد له العذاب!
نهض الأب يائسا من صمتها
هيا يا"متولى"ستفوتنا العشاء..
قام"متولى".. سرى مع أبيه إلى المسجد.. أثناء الطريق لم ينطق أى منهما حرفا..
أفكار وتساؤلات.. رغبات وتخيلات.. تموج وتتصارع فى ذهن"متولى"..
لماذا لم أزر حمودة الشحات حين مرض؟ لماذا تخاذلت عن الاسراع إلى دار أبى
السعود حين ارتفع فيها العويل؟ ولماذا أتظاهر بعدم الانتباه لأتهرب من تحية
البعض؟ ربما بسبب ذراعى؟ أشفق على نفسى من ظهور عجزها أمام الأخرين؟ وهل تبادل
التحية يحتاج الى ذراعين اثنين؟ يبدو أننى تغيرت! لكن لماذا أظل كما كنت؟ وهل
ظل الغير كما كانوا؟ عندى ما يدعوني للتغير.. لكن ما الذى غيرهم؟ هل الإنسان
مجرد ذراع؟ وحتى لو كان كذلك.. فمن أجل من ضاعت؟ ألم أتركها فى الميدان من أجل
الجميع؟ لا! لابد وأن أكون أكثر صدقا.. أنا لم أتعمد التضحية.. لم أكن أختار..
كنت مدفوعا.. لم يكن هناك سوى طريق واحد يسير فيه الجميع؟ لا سبيل للرجوع.. لم
أفعل هذا من أجل"محاسن".. لم أضح بذراعى فى سبيل شخص.. كانت الحرب.. لماذا
ألوم"محاسن"؟ أكان من الممكن أن تختار العاجز وأمامها السليم المعافى؟ ألا
أستطيع نبذ اعتقاد البطولة وأعتبر نفسى أصبتُ فى حادث؟"
بعد الصلاة.. وفى طريق العودة للدار.. سأل أباه: ما رأيك فى أن نزور حمودة
الشحات يا أبى؟
*
* *
تمدد"متولى"فى فراشه الخشن وهو يسأل نفسه:
لماذا
زرت حمودة؟ لماذا أرعى شعور الآخرين وأحد لم يرع شعورى؟"
أخرج"متولى"الوسام اللامع من علبته المخملية.. قلبه بأطراف أصابعه حتى استوى
على راحة يده.. جلس يتأمله.. تذكر الاحتفال.. وتهنئة القائد الأعلى.. صورته فى
الجريدة.. (البطل المجند"متولى"أبوالعلا حامل وسام"....") لقد ذهب كل شىء.. لم
تبق إلا تلك القطعة المعدنية.. تذكره بكل ما ضاع.. تثير فيه الاحباط والخذلان..
لم لا تذهب هى الأخرى وتتركه بدون بطولة؟ تتركه شخصا عاديا لاينتظر عرفانا
ولايتطلع لشكر؟
خبطها بعنف وهو يضعهافى علبتها.. ثم ألقاها فوق ظهر الصوان المترب!
صارح"متولى"بالحقيقة نفسه..
نعم.. أنا نادم على ما راح منى.. لم أجنِ غير الخسارة!
بعد أن صارح نفسه صار أشد جفاء.. وأكثر نفورا.. لم يعد يكتفى بالصمت حين تجرى
سيرة"محاسن"على لسان أمه.. بل أصبح يلقى بعض الكلمات العدوانية
اللاذعة.. لم يعد يبرر تقصيره فى أداء الواجبات الاجتماعية.. بل صرح بأن"الناس
لايستحقون"!
* * *
فوجىء أهل البلدة بالطائرات تئز فوق رؤوسهم.. وتلقى حممها فوق دورهم.. علا
الصراخ.. وتناثرت الدماء.. اختلط الأهالى بالجنود.. واختلطا معا بجند الأعداء
وأعمل الجميع القتل!
"متولى"جاثم فى داره لايخرج
مالى بهم؟ دافعت عنهم مرة فليدافعوا هم مرة..
تصل إلى أذنيه صرخات.. ونداءات.. وأنات.. تتدفق إلى مشاعره وخزات أليمة حين
يسمع صوتا مألوفا.. أكثر من مرة نهض.. ثم قرفص ثانية
أولاد الكلب.. ما الذى أتى بهم ثانية؟
صوت فَزِعٌ يتسلل الى قلبه فيلسعه
ينهض"متولى"ثم يقرفص ثانية
فلينقذه أبوه!
* ياعم"متولى"!
هَبّ"متولى"واقفا فتطوَّحَ كمُّ جلبابه الخالى..
* ياعم"متولى"!!
محروس؟ محروس ابن محاسن؟
تجمد"متولى"فى مكانه لحظات.. أيترك محروسا لمصيره؟ أيخرج اليه الى ابن
محاسن مضحيا بذراعه الأخرى أو بساقه أو بعينه؟
فكر"متولى"وزأر بصوت كالرعد
لاتخف يامحروس
جرى فاتحا باب داره مواجها الموت.. أمه تصرخ وراءه:
إرجع يا"متولى"
فى الحارة الضيقة يقف محروس باكيا.. مفزوعا وعلى بعد أمتار منه يقف جندى قاسى
الملامح.. مشهرا بندقيته..
اندفع"متولى"فى وثبة نمر.. رفع الصغير بذراعه الوحيدة.. وقبل أن يلج إلى داره..
استقرت رصاصة في أحشائه.
ارتمى فى فناء داره.. عويل أمه وبسملة أبيه وصراخ محروس يلفونه بجو مشحون
بالحب..
الرضا والسرور يكسوان وجه متولى.. عادت السعادة تشرق من عينيه الغاربتين..
ناداك ابن محاسن فقتلت نفسك يا ولدى