
قصة
قصيرة
رجاء محمد الجاهوش*
طَوَتْ
أشعَّتها بهدوءٍ واسْتَـتَرَت، فتَهادَى بوشاحِهِ الأسودِ المخمليّ،
وبَسَطَهُ عَلى صفحةِ السَّماء، مُطرّزًا بنُجوم ماسيَّة وقمر فضيّ.
تناثرت النُّجوم هنا وهناك، وسارَ القمَرُ يَلتَمِسُ مكانَه المعروف،
غازِلاً من النُّور بَريم* الحبِّ
والخشوعِ والإذعانِ.
مَضَت شَمسُنا بإيمانٍ ويَسْر، فحَلَّ مَحَلَّها ـ رغمَ فارِق الحجم ـ
لِيقدِّم ما لدَيه، لِيظهَر.
لَمْ تَنْـتَبْـها
مَشاعِر غيرَةٍ أو حِقدٍ أو حَسَدٍ، فهي المؤمنة الرَّاضِيَة ...
مؤمِنة بأنَّ الله ـ جلَّ جلاله ـ قَسَّمَ بَين عبادِهِ مَعيشَتهم في
الحَيَاةِ الدُّنْيَا، وجعلَ لكلٍّ مِنهم رزقَه الذي لا يُخطئه...
راضِيَة بما قُسِمَ لها، فلا تَتَمَنَّى ما مَتَّعَ الله به غيرها مِن
مُتَع الدُّنيا .
لَمْ تكن يومًا أنانيَّة، ولا تحبّ أن تكون، بَل تُتعبها هذه الصِّفة
الذَّميمَة في بعض الكَواكِب التي تَتَعَلَّـى في تَرَفّع وكِبرياء.
نَبيلٌ قمَرنا، يُشبهها !
يَبزِغُ بنورٍ خافِت لا يَقوى عَلى مجاراة ضيائها، لكنَّه قانِعٌ بما وهبَه
الله، سعيد أنَّه يُشاطرها الحياةَ بودٍّ وسَلام دونَ تناحُر أو اخْتِصام !
لم يُفكِّر ـ يومًا ـ أنْ يَغدر بها، أو أن يَستأثِرَ بالنُّور وحده،
فيَسطو على المكان ويَطردها، ولَم يُخطِّط يومًا لإبادتها !
يَتَعاقَبان وِفقَ قانون إلهيّ، وبعبوديَّة محضَة، لا تمرّد فيها ولا
عِصيان .
تَغيبُ.. وهي عَلى ثِقةٍ أنَّ حضوره لا يُفقدها مَكانَتها، بَل يَزيدنا
شوقًا إليها، إلى ساعةِ إشراقِها، ضيائها الوهّاج، دفء أشعَّتها، ولحظة
اللِّقاء .
يَغيبُ.. وهو على ثِقةٍ أنَّ حضورها لن يُنسينا همسات نورِه وجَمال
هَيْئتِهِ، فتظلُّ النُّفوس توَّاقة لِطَلعَتِهِ .
ــــــــــ
* البَريم : خَيْطان مُخْتلفان أَحمرُ وأَصفرُ، وكذلك كل شيء فيه لَوْنان
مُخْتلِطان، وقيل: البَريم خَيْطان يكونان من لَوْنَيْن.
والبَريم : ضَوْءُ الشمس مع بَقِيَّة سَوادِ الليل والبَريم : الصبح لما
فيه من سَوادِ الليل وبَياض النهار، وقيل: بَريم الصبح خَيْطه المخْتلط
بِلَوْنَيْن، وكل شيئين اختلَطا واجتمعا بَريم .
====================
*رجاء محمد الجاهوش –
سوريه/الكويت