.

الأدب 1

ضيوف "العربي الحر"

 

 

 

 

 

 

الأبواب الرئيسية

 

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

             الأخبار

 

BBC ب ب سي العربية
Aljazeera الجزيره
CNN سي ن ن العربية

 

****

*

مختارات قصصية  

 

 

 

من كل روض زهرة و من كل موقع قصة

المنابع الأدبية

www.mnab3.com

نبع الطين

رواية :


فايز الأشتر*

-1-
      وصلت إلى البيت في الساعة العاشرة ليلاً،عائداً من العمل الذي من المفروض أن ينتهي في الساعة السادسة مساءً،إلا أن بُعد المعمل عن مكان سكني،وجشع صاحب المعمل الذي بوده أن يُبقي العمال في المعمل ليلاً نهاراً،وبأجر زهيد،لا يسمن ولا يُغني من جوع،كل هذا يجعلني أتأخر حتى هذا الوقت،وأحياناً يُبقينا صاحب المعمل حتى الواحدة بعد منتصف الليل،إذا كان مزاجه مُتعكر من زوجته الجميلة التي تصغره بعشرين عاماً،والتي تزوجها من أبيها رغماً عنها بسبب الحاجة والفقر.
أول شيء فكرت في فعله عندما دخلت إلى الغرفة هو اسكات معدتي التي قرصها الجوع طوال اليوم. بحثت في "النملية"هكذا يسمونها،ولا أدري لماذا! فقد كانت عبارة عن رفوف خشبية لها باب من المنخل الناعم كي لا تدخل الحشرات،وبنفس الوقت يسمح بدخول الهواء لتهوية الطعام،ولها باب ثاني من الخشب له قفل خارجي،وتستعمل قديماً بدلاً من الثلاجة،وعلى كل حال أنا لست بحاجة لها لأن الطعام لا يباتُ عندي وحجم الغرفة صغير،ولا يتسع لثلاجة،وإذا أردتم الصراحة!أنا لا أملك ثمنها. لم أجد شيء أكله في النملية سوى نصف رغيف من الخبز،بقيَ من الأمس وقليل من دبس البندورة في وعاء زجاجي،نسميه "قطرميز" أعطتني إياه أمي عندما جئتُ من القرية،أمي الحنونة التي لم تصدق عندما قلت لها إن دبس البندورة يُقدم في مطاعم المدينة بجانب البطاطا المقلية،ولكني لم أخبرها بأن دبس البندورة الذي تصنعه بيديها أفضل بألف مرة من دبس البندورة الذي يقدمونه هنا،أمي الحنونة التي حاولت مراراً أن تقنعني بالعدول عن الذهاب إلى المدينة للعمل،وأن أبقى في القرية لكي أعمل مع أبي في زراعة الأرض،أمي الحنونة التي كانت تبتسم عندما أتذمر إذا تأخرت في تحضير الطعام،أين أنت يا أمي لتري ابنك يأكل نصف رغيف شبه يابس مدهون بدبس البندورة.
مددت دبس البندورة على نصف الرغيف و فوقه بضع نقاط من الزيت،و قليل من مسحوق النعنع اليابس،وكما تقول أمي(كل شيء مع الجوع طيب)والأن بعد أن أسكت معدتي الجائعة،اشتهيت على كأس من الشاي لأخفف من طعم دبس البندورة فقد بدأتُ أشعر بحرقة في معدتي بعد أن التهمت الخبز بشراهة من شدة جوعي وأعتقد إن كأس من الشاي سوف يُعدل مزاجي.
تركت الماء يغلي في الأبريق جيداً،ثم وضعت الشاي الأسود على الماء،ففاحت رائحة الشاي العطرة في الغرفة،فتحت علبة السكر فتسمرت عيناي في قاعها الفارغ وأدركتُ حينها إني سوف أنام من دون أن أشرب الشاي.
مع أن الحرقة اشتدت في معدتي،إلا أن التعب من العمل كان أشد على جسدي المنهك فرحت أغط في نوم عميق. كانت الساعة الثانية بعد منتصف الليل عندما أيقظتني من نومي دقات على الباب،ولكن من شدة تعبي،اعتقدت إني كنت أحلم،فعدت للنوم،ولكن مرة ثانية
دُقَ الباب ولكن هذه المرة كانت الدقات أقوى مما جعلني أسستيقظ،وأذهب لأفتح الباب،وقد انتابني شعور بالخوف والقلق،وبدأت الأفكار تدور في رأسي،من هذا الذي يزعجني في هذه الساعة المتأخرة من الليل

-2-
ذهبت لكي أفتح الباب،وعيناي بالكاد ترى الطريق إليه،ومن غير أن أسأل أو أستفسر عن هوية هذا الزائر الذي قضىَ مضجعي وانتهك حرمة نومي  امتدت يدي إلى مقبض الباب وفتحته بهدوء،وأنا أحاول بصعوبة أن  أبقي عيناي مفتوحتان لأرى ذلك الشخص الواقف أمامي،بوجه شاحب،وجسم  ضعيف،ولولا ثيابه الجديدة التي كان يرتديها لحسبته متسول ساقه قدره
التعيس إلى من هو أتعس منه. تمعنت بوجه الزائر وقلت له:نعم! ماذا تريد?
نظرَ بوجهي بأستغراب وقال:أنا ابن خالتك..أيمن..صديقك،ألم تعرفني نعم إنه ابن خالتي وصديقي أيمن!كيف لم أعرفه،ولكن معي حق أن لا أعرفه فقد مرت سنين طويلة منذ رأيته أخر مرة،عندما سافر إلى اوروبا الشرقية لكي يدرس الطب،ولم يعد بعد أنتهاء الدراسة،بل فضل البقاء هناك لكي يعمل بالتجارة،ولكن ما الذي غيره إلى هذه الدرجة فقد كان ممتلئ الجسم،ذو وجهمنير وجميل.
أخذته بالأحضان وقلت له:أرجوك لا تؤاخذني فأنا لم أعرفك من شدة النعاس تفضل بالدخول..البيت بيتك.
أبعدت ثيابي المرمية على الأريكة ليتمكن من الجلوس عليها،ويا ليتني لم  أبعد عنها الثياب،فقد بانت على حقيقتها،بالية،مهترئة وقد خرج القش  المحشو بداخلها إلى الخارج.
جلس أيمن وهو يبتسم،ولكن ابتسامته كانت صفراء،تكشف عن وجه مهموم و خائف فسألته:ما بالك? لماذا كل هذا الشحوب على وجهك?
نظرَ إليَ بعينين خائفتين وقد اغرورقت بالدموع،وقال:أنا أسف جداً على إزعاجك في هذا الوقت المتأخر من الليل،فقاطعته قائلاً:لا عليك يا رجل،ما هذا الكلام الذي تقوله! تستطيع أن تأتي في أي وقت تشاء،وتابع حديثه بصوت متقطع  يخالطه البكاء..صدقاً أنا أسف ولكن لم يكن أمامي سوى بابك أدق عليه فقد كنت في القرية،وأخذت عنوانك من أمك وهي تسلم عليك كثيراً،وقد أرسلتني لكي أختبئ عندك حتى يحين موعد سفري إلى اوروبا.
قاطعت كلامه مستغرباً! تختبئ عندي! ولماذا تختبئ?
تابع حديثه ببطء وهو يمسح الدموع من عينيه..لقد جئت من اوروبا منذ اسبوع في إجازة لكي أزور أهلي،ولكني لم أهنأ بهذه الإجازة،فقد قتل ابن عمي جاره عن طريق الخطأ،وسلم نفسه للشرطة،ولكن أهل القتيل يريدون قتل أي شخص يرونه أمامهم،والبارحة كنت مختبئ عند أمك في القرية،ولكنها خافت أن يراني أحداً عندكم،فيخبرهم عني،فنصحتني أن أختبئ عندك في المدينة حتى يحين موعد سفري ولم أستطيع مغادرة القرية إلا بعد منتصف الليل كي لا أصادف أحداً من أهل  القتيل،ومرة ثانية أكرر أسفي وأعدك بأنني لن أزعجك أكثر من ثلاثة أيام.
هونت عليه قائلاً:ما هذا الكلام يا رجل! إذا لا يتسع لك المكان أضعك على رأسي،صدر البيت لك والعتبة لي،وطلبت منه أن يبدل ثيابه،وأعطيته ثياب للنوم من عندي،وبصعوبة بالغة أقنعته بالنوم على السرير و نمت أنا على الأريكة الممزقة التي كانت تتحرك تحتي كموج البحر.
عندما استيقظت،لم تكن الشمس في مكانها الذي عهدته كل صباح،فقد قطعت مسافات بعيدة عن نافذتي،والساعة قد قاربت من العاشرة صباحاً،وطبعاً لن أترك ضيفي لوحده وأذهب للعمل وعلى كل حال تأخرت كثيراً وسوف يطردني صاحب المعمل.
خرجت لشراء الفطور،وعدت بسرعة قبل أن يستيقظ أيمن،وكان الفطور سهل التحضير،بيض مقلي وحمص ناعم،ولم أنسى أن أشتري السكر لكي أشرب  الشاي مع الضيف.
أيقظت أيمن بلطف،ودعوته لتناول الفطور فقد كان جائعاً مثلي. جلسنا نشرب الشاي بعد الفطور ونحن نتحدث ونسترجع الماضي،وأيام الطفولة والمدرسة،وتلال القرية،والسباحة في مياه السواقي،والسباق في بيادر  القمح،وحصاني الخشبي الذي انكسر،كانت أياما جميلة لم نشعر وقتها بهموم الحياة.
كان أيمن يجول بنظره في أرجاء الغرفة التي توحي بالفقر والحاجة،ونظرَ إليَ وقال:لماذا لا تأتي معي إلى اوروبا وتعمل معي بالتجارة?.
ضحكت بصوت عالي وقلت له:ليس معي نقود لأشتري طعام،فكيف أسافر إلى اوروبا وأعمل بالتجارة. فقال لي:لا عليك أنا سوف أدفع لك كل التكاليف،وعندما تعمل وتربح تعيد لي النقود،ويجب أن تفكر بسرعة،قبل أن يحين موعد سفري،فإذا وافقت فسوف تسافر معي بعد ثلاثة أيام.
لم أفكر كثيراً،فما أعانيه في عملي،وحياتي يجعلني أوافق بسرعة على عرضه. وفعلاً لم أضيع الوقت،ذهبت معه إلى السفارة وحصلت على تصريح السفر،وأشترى لي بطاقة سفر بالطائرة. ذهبت لكي اودع صاحب المعمل وآخذ باقي أجري منه،ولكن كما توقعت،فقد طردني ولم يعطني شيء،وقال لي:اذهب درب الذي يأخذك لا يرجعك،تركته وذهبت  إلى القرية لأودع أمي و أبي،ويا ليتني ما ذهبت
-3-
وصلت إلى القرية بعد الظهر،وكان السكون يخيم على أرجاء القرية،إلا من بعض
الباعة المتجولين الذين يأتون من المدينة ليبيعوا بضائعهم في القرى التي
يصعب على سكانها الوصول إلى المدينة،وقبل أن أذهب إلى بيتنا،مررت إلى بيت
خالتي لأطمئنهم على أيمن،ولكني لم أجد أحداً في البيت.
وصلت إلى بيتنا،وكان باب(التوتة)الكبير مفتوحاً كالعادة..وكانوا يسمونه
بباب التوتة لأنه مصنوع من صفائح التوتياء،وكان كبيراً بحيث يدخل منه البغل
وهو يجر العربة،عندما يعود من الحقل،دخلت إلى ساحة البيت التي تتوسطها
شجرة التوت الهرمة مسدلةً ما بقي منها من أغصان إلى الأرض،شعرت للحظة
وكأنها تناديني لأتسلق أغصانها كما كنت أفعل وأنا طفل صغير،لأركب على الأرجوحة
التي ربطتها أمي على جذعها القوي،لأتفحص أعشاش عصافير الدوري،وأساعد هرتي
الصغيرة على النزول عندما تعلق في أغصانها العالية،وبالقرب منها كان البئر
العميق بحبله الطويل ودلوه الحديدي يناديني لأشرب من ماءه العذب،وبالطرف
الأخر من الساحة كانت أغصان الكرم اليابسة تحترق في الموقد تحت قدر من محشي
الباذنجان،ورائحة الطعام تفوح بالمكان.
كانت أمي تقف بجانب الموقد لتضع الحطب على النار لتبقى مشتعلة،وعندما رأتني
أرتسمت على وجهها الجميل المنقط بشحار الموقد،إبتسامتها الحنونة التي دائماً
كانت تقابلني بها،وسارعت إلى أحضانها وكأني طفل صغير عاد إلى أمه بعد أول يوم
له في المدرسة.
جلست مع أمي وأبي نتناول الطعام،وأنا أكلمهم عن المدينة،وماذا حصل معي
وكيف جائني أيمن في الليل،ولكني لم أفتح موضوع السفر مباشرة،إنتظرت حتى جاءت
أمي بالشاي المغلي على نار الموقد.
كنت كلما حاولت أن أفتح موضوع السفر تصيبني غصة في حلقي،تمنعني من النطق
لأني أعرف أمي جيداً،وأعرف بأنها لن تتقبل هذا الموضوع،فهي وبصعوبة بالغة
وافقت على سفري إلى المدينة،فكيف توافق بأن أسافر إلى مكان بعيد مثل اوروبا،فحاولت أن أدخل بالموضوع بشكل تدريجي،أخبرتها بأن أيمن عرض عليَ السفر معه،وأنا بحاجة أن أجمع المال لأشتري بيت بالمدينة،ولكن ما أن بدأت بالكلام حتى بدأت تذرف الدموع التي كانت تحرق قلبي،ورددت نفس العبارات التي كانت تنصحني بها في الماضي،أن أبقى في القرية،وأعمل مع أبي في زراعة الأرض.
كان أبي يجلس في زاويته المعهودة في طرف الغرفة،وهو يحرك مفتاح المذياع بحثاً
عن محطات،ولم يكن ينبس بكلمة،ولكني كنت أعلم إنه كان يتابعنا بكل كلمة نقولها،نظرَ إليَ بعينين واثقتين وقال:اذهب يا بني وسافر اينما تريد لا تبقى كما بقيت أنا ولم أفعل شيء بحياتي سوى زراعة الأرض.
وكانت أمي تشد وأبي يرخي وطال النقاش حتى قاربت الساعة من السادسة مساءً
وكان موعد الطائرة في الساعة الثانية عشرة بعد منتصف الليل،وأخيراً وبمساعدة
أبي الذي وقف بجانبي اقتنعت أمي،بشرط أن أعود بعد ثلاثة شهور.
جهزت لي أمي بعض الاشياء كي آخذها معي،وأكثرها كان من الطعام الذي لا يفسد
مثل:الشنكليش،والمكدوس،والزعتر،وخبز التنور الذي تصنعه في تنور
البيت،فيخرج محمراً برائحة الخبز الحقيقي الذي يسيل اللعاب لرؤياه.
أخرج أبي بعض النقود التي كان يدخرها إلى يوم أسود،وطلب مني أن أضعها
في جيبي،ولكني رفضت بشدة،وأصرَ أن آخذها منه،وبصعوبة بالغة أقنعته أني
لست بحاجة،وأن أيمن سوف يدفع كل المصاريف،مع أن جيبي لم يعرف شكل المال منذ
وقت طويل.
خرجنا إلى ساحة المنزل،وقد حثثت أمي على الأسراع لكي ألحق بالحافلة الأخيرة
التي تغادر القرية إلى المدينة،وحانت لحظة الوداع التي أكرهها جداً،وهي
بالنسبة لي أصعب من السفر بكثير،دموع،فراق،ألم،حرقة في القلب.
عانقت أمي لأودعها،وقد أخفت دموعها للحظات ريثما أغادر المنزل مع أبي الذي
سوف يودعني عندما أركب الحافلة،وعندما اقتربت من باب التوتة،بدأ أزيز
الرصاص في الخارج،وكأن معركة قد أشتعلت،فحاولت الخروج لأرى ماذا يحدث،ولكن
أمي منعتني،وأدخلتني إلى الغرفة مع أبي.
لم يدم إطلاق الرصاص طويلاً،فسرعان ما سمع صوت سيارات الشرطة قادمة من بعيد
مما شجع أمي أن تدعنا نخرج،ونتجه إلى ساحة القرية لنرى ماذا حدث.
علمنا من أحد الجيران أن أهل القتيل قاموا بإطلاق الرصاص على أقرباء
أيمن،وعندما سمعوا صوت سيارات الشرطة لاذوا بالفرار.
عدنا إلى البيت،ومرة ثانية،ودعت أمي واتجهنا إلى الحافلة مسرعين،ولكن هذه
المرة كانت الحافلة قد غادرت،وتركتني أبحث عن البديل.
لم يكن أمامي سوى عربة أبي التي يجرها البغل لكي توصلني إلى الطريق الذي
تمر منه السيارات المتجهة إلى المدينة،وكان يبعد عن القرية بضع كيلومترات.
أخرج أبي البغل من الأسطبل،وثبته أمام العربة،ثم انطلقنا عبر الأراضي
الزراعية مختصرين الطريق.
كانت الساعة قد قاربت على التاسعة مساءً،والظلام قد أسدل بستاره على الأجواء.
للحظات نسيت نفسي،وشعرت بحقول القرية تودعني بموكب موسيقي مهيب،كانت أنفاس
البغل العجوز تصل إلى مسامعي وهو يجر العربة متثاقلاً،وكأنه يعزف
بالبوق،والجنادب تقفز أمام أقدامه وكأنها أطفال تتراكض أمام الموكب بأنتظار
أن يرمى إليها بالحلوى،ونقيق الضفادع في السواقي بمحاذاة الطريق يملأ الجو
صخباً،وكأن فرقة موسيقية تعزف على جانبي الطريق،وأبي كان المايسترو الذي
يقود الموكب الموسيقي،فكان يُحرك الحبل الذي يوجه به البغل بين الحين والأخر،وكأنه
يعطي الأشارات للموسيقيين،والنجوم كانت تشع بالسماء الصافية،لتكمل روعة
المشهد الجميل.
وصلنا إلى الطريق الرئيسي،وكنت محظوطاً فقد توقفت لي سيارة عابرة وأقلتني
معها إلى المدينة.
كانت علامات القلق واضحة على وجه أيمن،وكان على لسانه أسئلة كثيرة،يريد أن
يعرف لها جواباً،ولكني طلبت منه أن يُسرع لكي نلحق بالطائرة،وسوف
أخبره بكل شيء على الطريق.
كانت المرة الأولى التي أرى فيها مطاراً،وطبعاً أول مرة أركبُ فيها بالطائرة،مما
جعلني أقلق بعض الشيء.
كانت الطائرة مكتظة بالركاب،وهذا ما هدأ من روعي وخوفي،وكان من بين الركاب
نساء وأطفال يضحكون ويمرحون،وكان أيمن يجلس بجانبي،وقد أرخى برأسه على
جانب المقعد،ولم أدر أذا كان نائم أو يخفي وجهه المهموم عني.
انقضت ثلاث ساعات قبل أن تهبط الطائرة في المطار،نزلنا من الطائرة،واتجهنا
إلى مبنى المطار،ومن ثم إلى شرطة الجوازات لوضع تأشيرة الدخول.
كنت أمشي وراء أيمن،وكأني طفل صغير يلحق بأبيه،وصلنا إلى غرف صغيرة من
الزجاج يجلس بداخل كل واحدة شرطي،وكان للغرفة نافذة تسمح بأدخال الجواز
فقط،أعطى أيمن جوازه للشرطي،فوضع عليه الختم وأعاده إليه،ثم غادر أيمن إلى
الجانب الثاني من المبنى،ولم أعد أراه.
جاء دوري،فأعطيت الجواز للشرطي الذي فتحه،وهو يتمعن تارة بالصورة التي
على الجواز وتارة أخرى بوجهي،مما جعلني أشعر بالإرتباك،ثم خرج من الغرفة
الزجاجية،وأشار لي بيده أن ألحق به،إلتفت يميناً ويساراً لعل أحد يشرح لي
ماذا يريد مني الشرطي،ولكني لم أجد جواباً أو تعليقاً من أحد،كان يجب أن أعطي
جوازي قبل أيمن،كيف فاته هذا الموضوع،لحقت بالشرطي إلى غرفة جانبية كانت
مبنية من الأسمنت،وفيها كرسي ومنضدة صغيرة.
نظرَ إليَ الشرطي،وأشار لي بأن أخلع ثيابي،فشعرت بشيء من الخوف والقلق،فحاولت
إفهامه،بأني لا أفهم ماذا يريد،ولكنه مرة ثانية أشار بأن أخلع ثيابي،وبدأ
يصرخ ويدمدم بكلمات لم أفهم منها شيئاً،ثم خرج من الغرفة بعد أن أشار لي
بيده أن أبقى مكاني،وأنه سوف يعود بسرعة.

-4-
لم يطل غياب الشرطي طويلاً،فقد عاد ومعه شاب أسمر،ذو ملامح
شرقية،عرفت من خلالها بأنه عربي.
تحدث الشرطي مع الشاب بضع كلمات بلغة لم أفهمها،ثم نظرَ الشاب نحوي وقال:
هذا الشرطي يريد منك أن تخلع ثيابك كي يفتشك.
فقلت:ولماذا ?! أنا لوحدي..أنا فقط..يريد أن يفتشني،وبهذه الطريقة المهينة.
فرد قائلاً:إنه يريد إخافتك حتى تعطيه بعض النقود،وأنصحك أن تعطيه
بدلاً من أن يطبق عليك قوانينه الدنيئة.
للحظات اعتقدت بأن الشاب يخدعني،وربما يكون متعاون مع الشرطي ضدي،فحاولت
المراوغة،وقلت:ولكني لا أملك نقوداً،فأنا قادم مع صديقي،وهو قد خرج قبلي.
ابتسم الشاب وقال:لا عليك أنا سوف اعطيه،وأخرج من جيبه عشرة دولارات
ودسها في جيب الشرطي،عندها ابتسم الشرطي،وأعطاني جواز سفري وعليه
تأشيرة الدخول،وأشارَ لي بيده أن أذهب.
شكرت الشاب كثيراً،وطلبت منه أن يرافقني إلى خارج المطار،لكي أطلب من أيمن
نقوداً،أعيدها له بدلاً من النقود التي دفعها للشرطي،ولكنه رفض وغادر من
أمامي بسرعة،حتى لم يعطني الفرصة لأسأله عن اسمه.
خرجت من مبنى المطار،فوجدت أيمن ينتظرني وقد بدت على وجهه علامات الخجل
والأسف،فبادرني بالقول:أرجوك لا تؤاخذني فقد سهوت عنك،لأن تفكيري كله عند
أهلي في القرية،ولم أشعر وأنا أخرج من دونك.
فقلت له:لا عليك،أنا أقدر ظرفك،وقصصت عليه ما جرى معي في المطار،وكيف
ساعدني الشاب العربي.
كانت الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف الليل،استقلينا سيارة أجرة،انطلقت بنا وسط شوارع المدينة متجهين إلى بيت أيمن.
كنت أنظر من نافذة السيارة إلى المباني المرتفعة والشوارع الخالية من المارة
وكأنني أشاهد فيلم سينمائي لأول مرة،ومن شدة تعبي،كنت لا أشعر بجسدي معي،كنت
أشعر بأنني أطير،ولا أفكر إلا بسرير أرتمي عليه ولا أستيقظ قبل ثلاثة أيام.
وصلنا إلى الحي الذي يسكن فيه أيمن،وكان في أطراف المدينة،في منطقة أكثرُ
سكانها من الغجر،ومع أن الوقت كان متأخراً،إلا أن بعض منهم كان يجلس في
الشارع ينتظر غنيمة يغتنمها من فتاة عائدة من مرقص،أو من شاب سكران
أو من مسافر يحمل حقائبه الكثيرة مثلنا.
بعد أن نزلنا من السيارة،جاء أثنين من الغجر وعرضوا على أيمن المساعدة
في حمل الحقائب،وطبعاً رفض،وحذرني أن أنتبه منهم جيداً.
حملنا الحقائب،ودخلنا المبنى الذي يقيم فيه أيمن،وعندما حاول فتح باب
المصعد لنركب فيه،أصبنا بالأحباط،فقد كان المصعد معطلاً،فقلت له لا عليك
هيا لنصعد على الدرج،ولكنه ابتسم ابتسامة صفراء،ونظرَ إلى الأعلى،وكأنه
ينظر إلى السماء،وقال:البيت في الطابق العاشر.
عندما سمعت بالطابق العاشر،خارت قواي وشعرت بدوار في رأسي،ولكن بشيء
من العزيمة والصمود صعدنا على الدرج،وأنا أفكر بالسرير المريح الذي
ينتظرني،وكنا نرتاح كلما صعدنا من طابق لأخر،حتى وصلنا في النهاية
إلى الطابق العاشر،وقد تقطعت أنفاسي من التعب.
أدخل أيمن يده بجيبه ليخرج مفتاح الباب،ولكن يده كانت تخرج فارغة،وكان
يعاود أدخالها وأخراجها في جيوبه،وهو يتصبب عرقاً،ولكن عبثاً،فقلت له أن
يبحث في حقائبه،ربما وضع فيها المفتاح من غير أن يشعر،وفعلاً فتح كل حقائبه
وبعثر محتوياتها على الأرض ولكن لا جدوى،أوقف البحث،وأطرق رأسه نحو الأرض ثم
نفخ نفخة،أحسست بقوتها تلامس جبيني،وقال:لقد نسيت المفتاح في القرية،وأعتقد
أننا سنبقى هنا حتى الصباح،ريثما تعود صديقتي روكسانا لتفتح لنا الباب،فهي
الوحيدة التي تحمل مفتاح أخر،وهي الأن في مدينة أخرى،و سوف تصل في الصباح،كما
تواعدنا قبل أن أسافر.
لم تكن ليلة سوداء من الظلام فقط،بل كانت ليلة سوداء من العذاب،في القرية
وعلى الطريق،وفي المطار،والمصعد المعطل،والمفتاح المفقود.
استلقيت على الأرض بجانب باب البيت،و وضعت حقيبتي تحت رأسي،واغمضت عيوني
محاولاً النوم،ولكني لم أستطيع من قساوة الأرض ورطوبتها،ومع أن فصل الصيف كان
في نهايته إلا أن الجو في اوروبا كان بارداً بعض الشيء،فكنت أتقلب مرة على
الجانب الأيمن،ومرة على الجانب الأيسر،لأخفف عن جسدي قساوة الارض ورطوبتها.
-5-
شيئاً فشيئاً بدأ نور الشمس يتسرب إلى داخل المبنى معلناً بداية نهار جديد
وبين النوم واليقظة،والحلم والعلم،رأيت إمرأة عجوزا ترتدي ثوبا طويلا أخضرا
عليه نقط بيضاء،شعرها قصير أبيض،تناهز السبعين من العمر،خرجت من الباب
المقابل لبيت أيمن.نظرت إلينا وقد بدت علامات الدهشة والأستغراب على
وجهها،اقتربت منا،وهي تتكلم بلغتها التي لا افهم منها شيئاً،وبدأت تحدث
أيمن،وكانت تتكلم بصوت عالي ظناً منها بأننا مثلها،سمعنا ضعيف.
طلب أيمن منها الدخول إلى بيتها ليستعمل الحمام،فسمحت له بالدخول،وتركني
معها تكلمني وتناقشني،وأنا كنت أهز برأسي دائماً،وأبتسم عندما تبتسم،وأحزن
عندما تتغير معالم وجهها،وأرفع حاجبي عندما يجب ان أندهش،كي لا أشعرها
بالأحراج،وعندما عاد أيمن،لا أدري ماذا قالت له حتى أضحكته رغم العذاب
الذي نحن فيه.سألت أيمن عن سبب ضحكه،فقال:إنها تمتدحك كثيراً وتقول إنك متفهم
لكل الأمور وأسعدها كثيراً الكلام معك،وأخذت أنا أيضاً أضحك بالرغم من
التعاسة التي أنا فيها،وكانت خيبة العجوز كبيرة عندما علمت بسبب ضحكنا.
اقتربت مني العجوز ومدت يدها وقالت ماريا،فقال لي أيمن:العمة ماريا تعرفك
بنفسها،فمدت يدي مصافحاً وقلت لها:فارس أنا فارس،صديق أيمن،وكان أيمن يترجم
الحديث بيننا،الذي طال كثيراً.
ذهبت العمة ماريا إلى السوق،وقالت وهي تنزل الدرج:عندما أعود سوف تدخلون
إلى بيتي ريثما تعود روكسانا.
ولكني لا أعتقد أن هذا سيحصل،لأن العمة ماريا سوف تمضي نصف النهارعندما تعود من السوق لتصعد الدرج إلى الطابق العاشر.
لم يطل انتظارنا كثيراً،حتى سمعنا أصوات أقدام تصعد الدرج،كانت فتاة في
الخامسة والعشرين من عمرها،نحيلة الجسد،ممسوحة الصدر،شعرها أصفر قصير تربطه
إلى الوراء،تلبس بنطال أبيض،وقميص أصفر،وتنتعل حذاء رياضيا،خلت من معالمها
الأنوثة،لا تتميز عن الذكور إلا بصوتها النسائي.
اقتربت من أيمن وعانقته بشوق ولهفة،وتبادلوا القبلات الحارة حتى أني خجلت
من النظر إليهما،ورحت أسعل لأذكرهم بوجودي.
نظرَ أيمن نحوي وقال: لا تهتم يا صديقي،هذه الأمور عادية هنا،أنت في أوروبا
يا رجل،ثم قدمني إلى صديقته قائلاً: هذا فارس و هذه روكسانا،فمدت يدها،ولكن
ليس لتصافحني،فقد رفعتها حتى اقتربت من وجهي،فقال أيمن:العادة هنا عندما
يصافح الرجل إمراءة،يقبل يدها.فقلت له أنا لا أُقبل سوى يد أمي،ثم مددت يدي
وصافحتها كما أصافح الرجال،فشعرت بأنها تضايقت من ذلك.
فتحت روكسانا باب البيت،ثم دخلنا إلى غرفة صغيرة،وضع فيها كرسي ومنضدة
وبجانبهما أريكة صغيرة،وتلفاز صغير بحجم الراديو الذي يستمع إلى مثله أبي.
جلس أيمن وركسانا ،وأخذوا يتهامسون ويتحابون،وكأنهم لا يروني.
انتظرت قليلاً حتى يُدخلني أيمن إلى غرفتي لكي أنام،ولكن أيمن لم يهتم بي،كان شغله
الشاغل ملاطفة روكسانا،فقاطعت خلوتهم قائلاً:أريد أن أدخل غرفتي لكي أرتاح
وترتاحون أنتم أيضاً،ولكن أيمن راح يضحك وكأنني دغدغته بكلامي،ثم قال لي وهو
يحاول أيقاف نفسه عن الضحك:هذا البيت يتكون من غرفة واحدة فقط.فقلت له:
حسناً دعني أدخل إلى الغرفة لكي أنام فأنا مرهق.ولكنه عاد للضحك مرة ثانية
وهو يقول:هذه هي الغرفة،نحن نجلس فيها،والأبواب التي تراها هي أبواب المطبخ
والحمام.أصبت بصدمة عندما سمعت كلامه،فهل يُعقل أن كل هذا العذاب والأنتظار
والصعود للطابق العاشر وفي النهاية،البيت غرفة بحجم مطبخ أمي في القرية.
استلقيت على الاريكة،وأرخيت جسدي المتعب،وسلمت أمري إلى الله.
عندما استيقظت كانت الساعة الثالثة بعد العصر،كنت أشعر بالجوع والعطش
و كانت عظامي تؤلمني من النوم على باب البيت،ورقبتي قد تشنجت من النوم من
دون وسادة،نظرت حولي فلم أجد أحداً في الغرفة،فرحت أنادي على أيمن بصوت
منخفض،فلم يجيب أحد.
دخلت إلى المطبخ الذي لا يتعدى طوله مترين وعرضه متر واحد،وقد وضع بداخله
ثلاجة صفيرة جداً،ومغسلة ممتلئة بالصحون التي لم تُغسل منذ وقت طويل،وبعض
الرفوف بجانب المغسلة.فتحت الصنبور كي أشرب،فسال منه ماء بني اللون ممزوج
بالتراب،لا يصلح للشرب،ثم فتحت الثلاجة لعلي أجد فيها بعض الطعام،ولكنها
كانت خاوية مثل النملية التي تركتها في غرفتي.
جلست على الأريكة أنتظر أيمن،ومرَ وقت طويل،وطال إنتظاري،واشتد جوعي،وجف
حلقي،وبدأت الأفكار والظنون تدور في رأسي،أين ذهب أيمن? ماذا أفعل الأن
وحيداً في هذه الغرفة? أسئلة كثيرة لم أجد لها جوابا.

-6-
كان صمتاً رهيباً يطبق على صدري،يشعرني بالوحدة القاتلة عندما سمعت صوت
روكسانا يرن كالجرس في أذني وهي تضحك في الخارج،ثم فتح الباب،ودخل أيمن
بيده علبة من الكرتون تفوح منها رائحة الطعام،تتبعه روكسانا،وهي تتمايل
عليه وتضحك بأعلى صوتها،وقد حملت بيدها زجاجة من الخمر.
بادرني أيمن بالحديث قائلاً:اعتقدت بأنك سوف تنام طوال النهار والليل،فلم
أريد أن أزعجك،ولهذا خرجت مع روكسانا لندعك تنام جيداً،وقد اشترينا لك بعض
الطعام لكي تأكل،فأنت لم تأكل منذ البارحة.
لم تسعفني الكلمات لكي أعاتب أيمن،فقد فتحت العلبة،وكانت تحتوي على البطاطا
المقلية وقطع من لحم الدجاج،وبجانبها زجاجة ماء،فرحت ألتهم الطعام بشراهة
من شدة جوعي،حتى أني خجلت من نفسي أمامهما.
كنت أشعر بنظرات روكسانا تراقبني وفيها شيء من التقزز،وكأن لسان حالها
يقول:من أين جاء هذا الغريب ليشاركني الغرفة مع صديقي.
سألت أيمن متردداً،وقد بانت على وجهي علامات الأرتباك!
-
كيف نتدبر أمرنا نحن الثلاثة في هذه الغرفة الصغيرة?،وأنت لم تخبرني بأن
صديقتك تعيش معك في بيتك!
طال جواب أيمن،فقد كان ينظر إلى سقف الغرفة،وأعتقدت بأنه يفكر في حل لهذا
الموضوع،ولكنه فاجئني عندما قال بعد تنهيدة طويلة: هذا البيت ملك روكسانا
وأنا أقيم عندها.
فسألته مستغرباً:الذي أعرفه أنك تاجر وعندك أملاك كثيرة وشركة وسيارة ورصيد
في البنك،ومحلات تجارية?! هل كل هذا كان كذب!
احمر وجه أيمن حتى ظننت بأن عروق الدم ستنفجر في رأسه،ونظرَ إلى الأرض ثم
رفع رأسه إلى السقف مع تنهيدة طويلة،وقال:إنه القمار يا صديقي،لم يُبقِ لي
شييئا،حتى ثيابي بعتها وقامرت بها،وهذا كان سبب ذهابي إلى البلد،كي أطلب
بعض المال من أهلي،وقد أعطوني ولكن لا يعلمون بأني أصرف المال على القمار
ولكن هذه المرة سوف أعمل وأضع يدي بيدك ولن أعود للقمار.
عائلة أيمن في القرية غنية جداً،وهم يملكون الكثير من الأراضي الزراعية،ولهذا
كان بأستطاعتهم إرساله للخارج ليكمل تعليمه،أما عائلتي فكانت فقيرة،وأبي
لا يملك سوى قطعة أرض صغيرة لا تكفي لأطعام البغل.
هونت على أيمن،وقلت له بأني سوف أقف بجانبه وأساعده،ولن أدعه يعود للعب
بالقمار مرة ثانية،ولكن العيون الصفراء الثعلبية التي تراقب حديثنا
بأهتمام بالغ،وكأنها تعلم ما نقول،وتراقب حتى أنفاسي،وبيدها زجاجة الخمر
تشرب تارة وتدخن تارة أخرى،هل ستدعه في حاله،أني اعتقد أنها هي التي تأخذه
إلى نوادي القمار،وأعتقد أنه يحبها كثيراً،وسوف تجره إلى القمار مرة ثانية
وعندما تنتهي النقود التي معه سوف ترميه في الشارع ليعود مرة أخرى ليطلب
النقود من أهله،هكذا كانت الأفكار تدور في رأسي،ولا أعلم أذا ما كنت على
صواب،أو أني أظلم هذه الفتاة،ولكني كنت على يقين أنها فتاة سيئة.
انتهيت من تناول طعامي،ثم وضعت علبة الكرتون الفارغة على المنضدة،ومن هنا
بدأت المشاكل،لم يعجب روكسانا أن أضع العلبة على المنضدة،وأخذت تصرخ بوجه
أيمن،ولم أكن بحاجة للترجمة،فتعابير وجهها،وحركات يدها،كانت تترجم صراخها،وأظن
أنها غاضبة أيضاً لأني لم أغسل الصحون المرمية في المغسلة منذ أكثر من شهر.
حاول أيمن تهدئتها،ولكن عبثاً،فالكحول التي شربتها كانت كفيلة بجعلها تصرخ
وتذرف الدموع الكاذبة لساعات طويلة.
حاولت التدخل متصنعاً عدم الفهم بما يجري،وسألت أيمن عن سبب غضبها المفاجئ!
فتنهد أيمن تنهيدته المعتادة الطويلة،ثم قال وهو يحاول أن يخفي الحقيقة:
-
لا شيء مهم،أعتقد إنها شربت كثيراً،ولم تعد تعي ما تقول.
ولكنه لم يستطع إخفاء الحقيقة كثيراً،فقد كانت نظرات روكسانا الغاضبة تلاحقه
فتابع كلامه متعلثماً..ولكن يا أخي هنا في أوروبا..كل..واحد يخدم نفسه بنفسه
أرجوك لا تحزن مني فهنا الوضع مختلف عن الوضع في بلدنا،وكان يتكلم وهو ينظر
نحوي تارة،وتارة أخرى إلى روكسانا،وكان صوته يرتفع كثيراً عندما ينظر نحوي
وكأنه يقول لروكسانا،لا تغضبي فأنا أوبخه لأنه وضع العلبة الفارغة على
المنضدة،ولم يغسل الصحون،ولكني فهمت اللعبة،وآثرت أن أبقى متصنعاً عدم الفهم
بما يجري،لكي يُثبت أيمن رجولته أمام روكسانا.
عاد الصمت ثانية يخيم على الغرفة بعد أن شربت روكسانا زجاجة الخمر،وجلست
بجانب أيمن تداعبه أمامي من غير حياء،وكانت تتوسل إليه أن يخرج معها لشراء
المزيد من الخمر،ومرة ثانية تركاني وحيداً وخرجا.
كانت الساعة الواحدة بعد منتصف الليل عندما فتح الباب ودخلت روكسانا
يتبعها أيمن وبيده زجاجة خمر،كان قد شرب أكثر من نصفها.
في هذه اللحظات كنت بالنسبة إلى أيمن وركسانا،لا شيء،لا فرق بيني وبين أي أثاث
في الغرفة،فقد ذهب الخمر بعقل أيمن ولم يعد يُدرك ما يفعله،فكانوا يتصرفون
مثل البهائم،بل البهائم كانت أفضل حالاً منهم.
خجلت من نفسي،ولم أعد أطيق النظر إليهم،فتحت باب الغرفة وخرجت من دون أن
يعيروني أي أهتمام،أو حتى يسألوني إلى أين أنا ذاهب.
سال الدمع من عيني،وأنا أستلقي أمام الباب مثل الكلاب،لأجد نفسي مرة ثانية على هذه الأرض القاسيةالرطبة في سكون هذا الليل العميق الذي لاأعرف مواقع نجومه،فأغفو على همسات أمي تخرج من ذاكرة أعماقي تغني أغنية نومي الدافئة تمسح بيدها على شعري فأهيم بنومي،يغمرني الحب والحنان والأمان،وأفتح عيني لأجد العمة ماريا توقظني بهدوء،وتشير لي بيدها أن أدخل بيتها،فلم أتردد ودخلت إلى بيتها حتى أني لم أر شيئاً سوى السرير،فرحت أغط في نوم عميق.
فتحت عيني على رسوم جميلة،مطرزة على الوسادة البيضاء التي لطخها الغبار
والأوساخ من رأسي و رقبتي،ورائحة عرقي تنتشر بالمكان.
جُلت بنظري في أرجاء الغرفة،كانت غرفة نوم جميلة،عبارة عن سرير وخزانة ملابس
ومرأة كبيرة الحجم،وكلها مصنوع من الخشب الثقيل،وأظن أنها أثرية قديمة الصنع
وعلى الحائط،في مقابل السرير،عُلقت صورة لرجل دين،يلبس ثوب طويل أسود،له
لحية طويلة سوداء،وعندما نظرت إلى وجهه،اقشعر جسدي من نطراته المخيفة،فقد
كان عابس الوجه،وكأنه يقول لي:ماذا تفعل في غرفتي وعلى سريري أيها الغريب
-7-
فُتح الباب بهدوء،ثم بان من وراءه وجه العمة ماريا بابتسامة خفيفة،وكأنها
فأر يحاول أن يستطلع المكان قبل دخوله إليه.
تشجعت العمة ماريا على الدخول عندما رأت عيناي مفتوحتان وبدأت تكلمني
وهي تعلم أني لا أفهم من كلامها شيء،ثم ذهبت لتعود ثانية،ومعها منشفة حمام
ولوح صابون جديد،لم يُنزع غلافه بعد.
من خلال الأشارت،فهمت بأنها تريدني أن أذهب إلى الحمام كي أغتسل،وهذا ما كنت
بحاجة إليه،فقد كان حماماً رائعاً بعد كل هذا العذاب.
عندما خرجت من الحمام،أشارت لي العمة ماريا بأن أدخل إلى المطبخ،لتناول الفطور
وهو عبارة عن زيتون أسود،وقطعة جبن،وبيض مقلي.
لا أدري كيف أشكر العمة ماريا،لم يكن بوسعي سوى أن أبتسم وأهز رأسي ممنوناً
لها،ولكني كنت أريد أن أقول لها الكثير ،أن أقول،شكراً أيتها العمة،لقد أحسست
معك بحنان الأم،لقد عطفت وأحسنت لي من غير أن تعرفيني،لمجرد إنك رأيت إنسان
يحتاج المساعدة،أشكرك من كل قلبي،وكانت العمة ماريا قد أحست بي من دون أن
أتكلم،وشعرت من خلال حركاتي،كم أنا شاكر لها.
كما توقعت،لم يمض وقت طويل حتى جاء أيمن وهو يعتذر ويتأسف عما حصل البارحة
ويضع اللوم على روكسانا،بأنها هي التي جعلته يسكر،ولا يدري ماذا حصل له.
لم يكن بوسعي سوى أن أسامحه، فليس باليد حيلة،ولكن العمة ماريا لم تسكت
فأخذت تصرخ بوجه أيمن،ومن نبرة صوتها فهمت بأنها كانت توبخه،ومن إشارات يديها
وتحركاتها،فهمت بأنها تريدني أن أنام عندها كل يوم،ثم ذهبت إلى المطبخ لتعد
لنا الشاي،فسألت أيمن عن صاحب الصورة،ذلك الرجل الذي ينظر إلينا بسخط.
ضحك أيمن وقال أن هذا الرجل كان زوج العمة ماريا،وقد كان رجل دين يعمل في
الكنيسة،ولكنه توفي منذ زمن بعيد.
شربنا الشاي مع العمة ماريا،ولم تدعني أخرج حتى تأكدت بأني سوف أعود لأنام
عندها في الليل.
كانت أول مرة أخرج فيها إلى الشارع منذ قدومي،فقد أراد أيمن أن يُعرفني
بالمدينة،وأن نتفسح قليلاً،والحمد لله،لم تأت معنا روكسانا لأني لم أعد أطيق
رؤيتها.مشينا مسافة قصيرة حتى وصلنا إلى مكان الحافلة،ولكن هذه المرة لم أرَ
الغجر في الشارع،فقلت في نفسي،أظن أنهم ذهبوا ليناموا،لأنهم يتعبون طوال
الليل في ملاحقة أرزاقهم.
ركبنا الحافلة ولم تكن مكتظة،فقد ركبنا من بداية الخط،ولكن ما هي إلا دقائق
حتى امتلأت بالركاب ولم يعد هناك مكان يتسع لنملة.
كان كل شيء غريب بالنسبة لي،المباني المرتفعة،السيارت،الناس،وجوه جديدة
كل شيء أراه لأول مرة.
الأمر الغريب الذي رأيته،أن العجائز يقفون في ممر الحافلة،والشباب يجلسون
على الكراسي،ولا أحد يبالي،فتحركت النخوه في داخلي،وأعطيت مكاني لأحدى
العجائز،وكذلك فعل أيمن،وأظنه فعل ذلك خجلاً مني.
على جانبي وقفت فتاة شقراء جميلة،في العشرين من عمرها،وكانت تبتسم لي كلما
جاءت عيني بعينيها،وتقترب مني أكثر وأكثر وسط الزحام،وكانت يدها تمتد
لتلمسني بهدوء،مما جعل العرق يتصبب مني،وفجأة شعرت بيد أيمن فوق يدها داخل
جيبي،سحب أيمن يدها،وتأكد جيداً بأنها لم تأخذ شيء،ثم صرخ بوجهها وتركها لتغور
بين الركاب بحثاً عن مغفل غيري.
نزلنا من الحافلة،ولم ينتهِ الدرس الذي لقني به أيمن عن الحرص والحذر من
النشالين،وأنواعهم،وطريقة عملهم،وأشياء أخرى كثيرة،لم أحفظ منها
سوى ان أبقي يدي في جيبي،وأن أدع جواز سفري والأوراق المهمة في البيت.
مشينا بوسط المدينة،وكان أيمن يتكلم بدون توقف،وهو يشرح لي عن الأماكن
وعن مغامراته و ذكرياته مع النساء في كل شارع نسير فيه،وكنا ندخل من محل
تجاري إلى أخر،نشاهد الألبسة،والأثاث والأجهزة الكهربائية،فقد كانت معروضة
بشكل جميل جداً،يجعل المرء يشتهي شراءها،ولكن ياحسرة من أين،فجيوبي فارغة.
قضينا وقتا طويلا بالتنقل من مكان لأخر،وقد بدأت أشعر بالتعب من كثرة المشي
فجلسنا نستريح على مقعد خشبي في حديقة عامة كبيرة تقع في منتصف المدينة،تمتلئ
بالأشجار الكبيرة،وفي منتصفها بحيرة صغيرة يحيط بها أنواع كثيرة من الورود.
كانت الحديقة كبيرة جداً بحيث يحتاج الزائر أكثر من نصف ساعة لقطعها سيراً
على الأقدام،وكانت المقاعد الخشبية مثبتة على جوانب الممرات تحت الأشجار،وكان
أغلب زوار الحديقة من العجائز التي ملت الجلوس بالبيت،فتجد في الحديقة
متنفساً جميلاً،بعيداً عن بيوتهم الصغيرة التي تشبه علب الكبريت.
ليس ببعيد عن مكان جلوسنا،وفي الجهة المقابلة لنا،جلست إمرأة عجوز،وقد
أدارت ظهرها لنا،ولم أكن أرى منها سوى شعرها الأبيض،وقد وضعت بجانبها
حقيبة يدها،وهي تمسك بها بحرص شديد،وأعتقد أن هذا هو السبب الذي جعل عيون
اللصوص تلاحقها.
اقترب من خلفها رجل في الثلاثين من عمره،وكان يحمل بيده شيء حاد،ومن غير أن
تشعر به،وبخفة اللصوص قص جانب الحقيبة،وأحدث فتحة تمر منها يده،وأخذ يُخرج
محتويات الحقيبة من غير أن يضايقه أحد،والطريف بالأمر،أن اللص كان يعيد
الأشياء التي لا تهمه إلى داخل الحقيبة،ولكنه لم يحصل على مراده من طرف الحقيبة
فحاول سحبها من بين يدي العجوز،فأحست به،وأخذت تصرخ،واللص يشد الحقيبة،وهي
تمسك بها بكل قوتها،فبدأ اللص يضربها على رأسها لكي تصمت،وألقى بها أرضاً،ولكن
العجوز أبت أن تدع له الحقيبة.
كل هذا يحدث،ولا أحد من الناس يكترث،حتى حارس الحديقة ذهب بعيداً،لكي لا يتدخل
أما أنا وقد بدأت أعصابي ترتجف والدم العربي ينبض في عروقي،نهضت لكي أساعد
هذه العجوز المسكينة التي لا حول ولا قوة لها امام هذا المعتدي اللعين،ولكن
أيمن كان يمسك بي ولا يتركني اذهب،وكان يقول لي،لا تتدخل،هذا الأمر لا يعنيك
نحن في أوروبا،كل شخص مسؤول عن نفسه هنا،ألا ترى أن الجميع لا يهتم.
ولكني لم أستطيع أن أتحمل هذا الظلم،فاندفعت إلى اللص غير مبالي بكلام أيمن
الذي حذرني بأننا سوف نقع بورطة كبيرة،وأبعدت اللص عن العجوز،وأخذت من
يده الحقيبة التي استولى عليها بالقوة،وأعدتها إلى العجوز التي كانت غائبة
عن الوعي تقريباً.
أما اللص،فقد ركض هارباً،وهو يصرخ ويدمدم بكلمات،أظنها عبارات تهديد.
كان أيمن يقف بجانبي ووجهه قد تغير لونه إلى الأصفر،وبدأ يشدني من يدي ويقول
خائفاً:هيا نهرب بسرعة ليس معنا متسع من الوقت.وفعلاً لم يُنهِ أيمن كلامه
حتى عاد اللص،وخلفه أربعة من الغجر يركضون نحونا،وكان أضعفهم،بحجمي أنا
وأيمن معاً.

-8-

لم يكن أمامنا سوى الهرب،فرؤية الغجر يركضون نحونا حاملين بأيديهم السلاسل
الحديدية والسكاكين الكبيرة،لا تدعك تفكر سوى بالفرار.
ركضنا محاولين الخروج من الحديقة،ولكن مجموعة أخرى من الغجر
كانت لنا بالمرصاد،فوقعنا بين المجموعتين،محاصرين من كل الجهات.
حاولت التملص من بين المجموعتين،وقد نجحت،ولكن أصابني أحد الغجر بضربة من
سلسلة حديدية،مزقت ظهري،أما أيمن فقد وقع بين أيديهم،فأخذوا يضربونه من
دون رحمة،وهو يصرخ مستنجداً بي.
مع أن الضربة التي تلقيتها كانت ضربة موجعة جداً،إلا أني لم أتحمل رؤية
الغجر وهم يضربون أيمن بهذه القسوة،فجمعت قواي،وركضت نحوهم وأنا أصرخ
بأعلى صوتي: أتركوه يا كلاب..أتركوه..يا حُقراء،فشتت أنتباههم عن أيمن
فتركوه يهرب،ولحقوا بي.
ركضت بين الأشجار،محاولاً تضليلهم عني،ولكن عبثاً،كنت كلما أفلت من أحدهم،وجدت
أخر بوجهي،كانت مطارة عنيفة جداً،حتى أني لم أعد أرى أيمن،والأشخاص الذين
كانوا يتنزهون بالحديقة هربوا،إلا شخصا واحد كان يبيع سكاكر غزل البنات
على عربة متحركة،وكان يقف بعربته بجانب حوض كبير جداً من الورود،فخطر لي
أن أختبئ داخل هذا الحوض،ولكنها كانت فكرة خطيرة جداً،فسوف يروني وأنا
أدخل إلى الحوض،وسوف يمسكون بي،ولكن لم يكن امامي سوى هذا الخيار الصعب،فربما
اكسب وقتاً أطول،فيحدث شيئاً ما،ولربما يعود أيمن ومعه الشرطة.
لم أتردد كي لا أضيع علي أخر فرصة،فركضت بكل ما عندي من قوة،وقبل أن
يلاحظني أحد،ارتميت في حوض الورود منبطحاً على الأرض.
زحفت كالدودة بين الحشائش وأغصان الورود كي أصل إلى منتصف الحوض،حتى لا يجدوني
بسهولة،كنت أسمع أصواتهم المخيفة يصرخون من جهة لأخرى،وأصوات السلاسل
الحديدية،والسكاكين الطويلة الحادة،تثير الرعب والقشعريرة في جسدي.
شيئاً فشيئاً بدأت أسمع أصواتهم تقترب مني،وكأنهم عرفوا مكاني،أو رأني احدهم
عندما ركضت نحو الحوض.كان قلبي يخفق بشدة كلما تحركت الأغصان بجانبي،كانت
كل لحظة بالنسبة لي هي النهاية،فضربة من سلسلة حديدية على رأسي،أو طعنة
سكين بظهري،سوف تكون فيها نهايتي.
كنت كلما أقترب مني صوت أو حركة من أحدى الجهات،هربت زاحفاً إلى الجهة الأخرى
وكنت أرى الأقدام وهي تقترب مني بحذر من جميع الجهات،فعدت بذاكرتي إلى القرية
عندما كنت أنا وأبي والجيران،نحاصر الثعلب بين اكوام القش،عندما يأكل الدجاج
وكان كل واحد منا يحمل عصا أو شوكة حديدية كبيرة،وفي معظم الأحيان كان يُفلت
منا،هارباً بين الحقول.
لم يعد لي مجال للهرب وأيقنت أنها النهاية،ولم يتبق سوى خطوة واحدة من أحد
الغجر ليضع يده علي من بين الحشائش.
كانت يدٌ ضخمة وطويلة امسكت بي من قميصي وسحبتني بسرعة هائلة لأجد نفسي
داخل العربة التي كانت تقف بجانب حوض الورود.
كانت عربة مصنوعة من الخشب،على شكل صندوق كبير له دواليب لكي يدفعه البائع
أمامه بسهوله،وكان البائع يضع بداخله حوائجه من سكر و أصبغة لصناعة
الحلويات.كان المكان مظلم جداً لم أستطيع أن أرى شيئاً،سوى أنفاس خائفة
مرتعبة،تخترق أذاني،ولكن هذه الأنفاس لم تكن غريبة عني فقد كنت أعرفها
جيداً،منذ زمن بعيد عندما كنا نختبئ في خم الدجاج،هاربين من باقي الأطفال
لكي لا يرونا،كانت أنفاس أيمن، نعم هو أيمن بجانبي! همست بصوت خافت جداً،حتى
أني لم اسمع صوتي جيداً: أيمن..أيمن..
فسمعت صوته باكياً يريدني أن أصمت: صه..صه..
صمت قليلاً،ولكني عدت وسألته بصوت غير مسموع:
أيمن ماذا حصل..ما الأمر
لم يسمع ما قلت له،لكني أعتقد أنه فهم ماذا أريد.
وضع شفتيه على أذني تماماً،وهمس : أنه بائع غزل البنات،يحاول أن يساعدنا.
عرفت الأن لمن هذه اليد الضخمة التي سحبتني إلى داخل العربة،فقد كانت
يد البائع الذي كان يقف بجانب حوض الورود،وهو يخاطر بحياته لكي يساعدنا.
لا استطيع ان أصف احساسي بالذل والمهانة،وأنا مختبئ داخل العربة مثل
الجبناء،عشت فقيراً ولكني لم أكن جباناً أبداً،فقد كانت عروقي تنتفض،وأعصابي
ترتجف،من شدة القهر الذي أصابني،ومن غير أن أشعر،اندفعت من باب العربة
محطماً الخوف الذي يحاول السيطرة على كبريائي،وقد فضلت الموت بشجاعة،طعناً
بسكين أو بضربة تكسر رأسي،على الأختباء،ولكن البائع كان لي بالمرصاد
فلم استطع الخروج بسبب ضخامة جسده القابع على باب العربة.
فتح باب العربة،وأطل علينا البائع برأسه الكبير،ثم أشار لنا بأصبعه على
فمه بأن نهدأ،فهز أيمن رأسه للبائع،ثم قال لي هامساً،بعد أن اغلق البائع
باب العربة:أرجوك أهدأ،أنا أعرفك جيداً وأعرف أن هذا الأمر صعب عليك
جداً،منذ كنا أطفال وأنا أتذكر كيف كنت تعارك من هم أكبر منك سناً،ولا تسكت
لهم،ولكن أرجوك نحن هنا نواجه الموت،وأنا لا أريد الموت الأن،فإذا لا تبالي
بحياتك،فأنا أريد أن أعيش أرجوك..أرجوك..أرجوك..وأخذ يجهش بالبكاء.
لم أجيب على كلامه،وبقيت صامتاً،ولكني حاولت تهدئته،فوضعت يدي على رقبته
محاولاً تشجيعه،ولكن ماهذا السائل الذي يملئ رقبته الضعيفة!!!.
كان الدم يجري من رقبة المسكين أيمن من غير أن يشعر به،فمزقت قطعة من قميصي
وتحسست مكان الجرح بيدي،ثم ضمدت الجرح،وأنا لا أرى شيئاً،فربما ما يزال هناك
جروح أخرى في جسده.
علت أصوات اللصوص في الخارج،وقد اصابهم الجنون،فهم لا يعرفون أين اختفت
فريستهم التي كانت ستقع بين أيديهم،ولا يفصلهم عنها سوى قاب قوسين أو أدنى.
اقترب أحدهم من البائع وهو يصرخ،ويضرب العربة بسلاسل الحديد،وكأنه يقول
للبائع،إنك تعرف مكانهم ولا تخبرنا،فكان البائع يتمتم بصوت خافت،وكأنه
يقول له،دعني وشأني،فأنا لا أعرف شيئاً.
كل هذا كنت اخمنه في عقلي،لأني لا أستطيع أن أسأل أيمن عن أي شيء،فأقل همسة
مني،سوف يسمعوها،ويكشفون مكاننا فوراً،فالتزمت الصمت،ووضعت يدي على ظهر
أيمن كي أشعره ببعض الأطمئنان،ولكن جسد أيمن بدأ بالأرتعاش عندما فتح باب
العربة،وامتدت يد سوداء طويلة تبحث عن شيء،ولم تكن يد البائع،كانت يد
أحد اللصوص الذي أخذ قطعة من الحلوى،ومن غير أن ينظر إلى داخل العربة،ثم
أغلق الباب،فهو لم يفكر أبداً،بأننا ممكن أن نكون محشورين داخل هذه العربة
الصغيرة.كانت أنفاس أيمن شبه مقطوعة من شدة الخوف،ولكن سرعان ما هدأ خوفه
عندما ابتعد اللصوص عن العربة.
مرت أكثر من ساعة قبل أن يفتح البائع الباب،ويكلم أيمن،ثم أغلق الباب
وبدأ أيمن يترجم لي ما قاله بصوت أعلى بقليل من ذي قبل
-
يقول البائع،أنهم ابتعدوا عن العربة،وهم الأن يقفون على أطراف الحديقة
يراقبون مخارجها لأنهم متأكدين بأننا لم نغادر الحديقة،ويقول البائع أنه
من الأفضل أن نبقى مختبئين حتى غياب الشمس،لكي نستطيع مغادرة الحديقة في الظلام
وعلى كل حال لم يتبقى كثيراً لغياب الشمس .
لم يمضي وقت طويل حتى فتح باب العربة مرة ثانية،وأشار لنا البائع بالخروج
فخرجنا من العربة،وكان الظلام قد خيم على الحديقة.
أخرج أيمن من جيبه بعض النقود ومد يده ليعطيها للبائع،لكن البائع رفض
بشدة،وكأني فهمت من كلامه،بأنه ساعدنا لله وليس من أجل المال،والغريب بالأمر
أن البائع كان غجري ولكنه غجري شريف،يأكل من عرق جبينه.
تشكرنا البائع كثيراً،وودعناه متسللين بهدوء إلى منطقة بعيدة من الحديقة
لكي نهرب منها،من غير أن يشعر بنا اللصوص.
ما أن وضعنا أقدامنا خارج الحديقة،حتى رأنا أحد اللصوص،وبدأ يصرخ وينادي
باقي المجموعة،فأوقفت أول سيارة أجرة قادمة من على الطريق،وارتمينا بداخلها
ونسيت أن السائق لا يعرف العربية،فرحت أصرخ به لكي يسرع قبل أن يصل
اللصوص..بسرعة أرجوك...بسرعة...أسرع..هناك من يريد قتلنا،ولكن السائق لم
يفهم إلا عندما انهال أحد اللصوص بالضرب بسلسلته الحديدية على النافذة
الخلفية للسيارة،ليتطاير الزجاج في كل مكان.
-9-
عندما رأى السائق ما يحدث،فهم الموضوع،ولم ينتظر كثيراً،حتى كانت اصوات
دواليب السيارة تحتك بالأرض من شدة السرعة،بعد أن انطلق هارباً.
لم نتوقف إلا عندما وصلنا الحي الذي يسكن فيه أيمن،نزلنا من السيارة،وأخذنا
نتفحص الأضرار التي الحقها اللصوص بها.
كان السائق ينظر إلى سيارته،وهو حزين جداً عما لحقها من تحطيم للزجاج،وبعض
الضربات على الجوانب،لكن أيمن لم يتركه يعاني كثيراً،فقد أعطاه أجرته،وأعطاه
ثمن الزجاج،ولم ندعه يذهب إلا راضياً،وممنوناً.
كانت مهمتي شاقة وصعبة جداً،فيجب أن أصعد بأيمن إلى الطابق العاشر،وأيمن
بالكاد يستطيع أن يقف على قدميه،بعد الضرب الذي تلقاه من اللصوص.
كما صعدنا أول مرة عندما وصلنا من المطار متعبين،صعدنا هذه المرة ايضاً
وما أن وضعت يدي على باب البيت،حتى ظهرت روكسانا أمامي،وهي تنظر إلينا
بسخط،ولكن ما أن رأت أيمن بحالته هذه،حتى تغيرت تعابير وجهها،واقتربت بسرعة
لتمسك به وتساعده على الدخول.
حدث ما لم أتوقع،فقد دخلت روكسانا،ثم أغلقت الباب بوجهي وتركتني في الخارج.
أول مرة في حياتي أشعر بهذه المهانة،فما فعلت روكسانا معي لم يفعله أحداً
على الأطلاق،شعرت بكرامتي تتدحرج على الدرج،من الطابق العاشر إلى الأرض
اسودت الدنيا أمام عيني،وتمنيت لو أن الأرض تنشق وتبلعني،احساسي في هذا
الوقت لا أستطيع أن أوصفه،فمن الصعب أن يشعر المرء بالذل والمهانة
والمشكلة الأكبر أن تأتي الأهانة من واحدة مثل روكسانا.
وقفت قليلاً على الباب وانا أسمع صراخ ايمن وركسانا في الداخل،وكان صراخاً
عنيفاً،توقعت بأن أيمن سيوبخ روكسانا لأنها أغلقت الباب بوجهي،وأنه سوف
يأخذ موقفاً،يترك لها بيتها،ويخرج معي.
كان صوتهما عالياً جداً،ولكني لم أكن أفهم منه شيئاء،ثم بدأتُ اسمع أصوات أشياء
تتكسر،وشيئاً فشيئاً هدأ كل شيء،ولم أعد أسمع شيئاً،وحل السكون على المكان.
مرت ساعة على الأقل،وأنا أنتظر خروج أيمن،ولكن عبثاً،فلم يكن أمامي سوى
بيت العمة ماريا أطرق بابه.
طرقت باب العمة ماريا بهدوء،فلم يجيب أحد،فقلت في نفسي،ربما تكون نائمة
فلا أريد ان أزعجها،ثم جلست على الدرج ثانية أنتظر،فربما يخرج أيمن أو
تخرج العمة ماريا صدفة،فتدخلني إلى بيتها.كنت أفكر بأمور كثيرة،وقد شردت
في هذا العالم الغريب الذي يجعلني أهيم في أرض لا اعرفها،وأطير محلقاً بأجنحة
من طين،متحدياً النسور،متعدياً على الثوابت ،متوهماً بنور يأتي من بعيد
موجود في الخيال،أسابق الفراشات إلى النور،أرقص مع دوائر الضوء
الملونة بجميع الألوان الزاهية مقترباً شيئاً فشيئاً من مبعث النور،فيعانقني
بقوة،بشوق،بلهفة،فأحترق بحرارة لهيبه،فيتصاعد الدخان من أجنحتي،
وأقع على الأرض،فتأتي الأفاعي،وتطبق على نفسي الأخير.
ايقظني من شرودي صوت العمة ماريا وهي تصعد الدرج،وأظنها كانت تستعين
بالله على صعود الدرج حتى الطابق العاشر.
عَرفت على الفور العمة ماريا ماذا حدث،عندما رأتني اجلس على الدرج،بجانب
الباب كال...،ولكنها،ومن غير ان تنطق بأي حرف،ابتسمت لي،ثم مدت يدها إلى
جيبها لتخرج مفتاحاً،وقد ربطته بخيط أبيض قصير،وأشارت لي أن أضعه في جيبي.
ياالله ما أحسن هذه المرأة،لقد عانت مشقة النزول والصعود إلى الطابق العاشر
لكي تصنع لي مفتاحا،أضعه معي كي أدخل إلى البيت في حال غيابها عنه.
يا إلهي ما أروع هذه العجوز،وكم هناك فرق بين طيبتها،وبين عجرفة روكسانا
وطبعها السيء.
دخلت مع العمة ماريا إلى بيتها،ولم أنتظر كثيراً حتى كان طعام العشاء جاهزا
على الطاولة.أكلت وحمدت الله،ثم نهضت لأساعد العمة ماريا في رفع الصحون،ولكنها
صرخت بوجهي،ثم وضعت أصبعها على خدها،وكأنها تريد أن تقول لي بأنها تخجل بأن
تدعني أرفع الصحون،وكانت تحاول أن تفهمني بالأشارات،بأنها مثل أمي.....أمي
أه يا أمي،أعتقد أنها طارت عبر المسافات البعيدة وأتت إلى هنا لتتدخل
روحها وأنفاسها الجميلة جسد العمة ماريا لكي ترعاني،فمن شدة امتناني
للعمة ماريا،بدأت أناديها يا أمي،وكانت تبتسم لي بسعادة.
مرت ثلاثة أيام على الأقل حتى استطعت أن أرى أيمن،فقد كنت أطرق على باب
روكسانا مرات عديدة كل يوم،ولكنها لم تفتح لي الباب،وعندما كنت أدق الباب
كثيراً،كانت تصرخ من الداخل،ولا أفهم شيء مما تقوله.
في مساء اليوم الثالث،كنت أشاهد التلفاز مع العمة ماريا،حين رنَ جرس الباب
فذهبت العمة ماريا لتفتح،ثم عادت ومعها أيمن،وقد تغيرت ملامحه،وأثار الضرب
كانت واضحة بشكل كبير على جسده المتورم.
أخذته بالأحضان،وكأني لم أراه منذ سنين،وجلسنا نتحدث،وبدأ أيمن يقص على
العمة ماريا ما حدث معنا في الحديقة،وكانت العمة ماريا تُصلب بيدها بعد كل
عبارة يتوقف عندها أيمن،وبعد أن أنتهى أيمن من كلامه،قامت العمة ماريا
وضمتني إلى صدرها،وقد بدأت الدموع تسيل من عينيها،وهي تقول لي كلمات
لم أفهم منها شيء،فقال أيمن مترجماً:
-
تقول العمة ماريا أنها سعيدة جداً بشجاعتك،وأنها تخيلت نفسها مكان العجوز
التي ساعدتها في الحديقة،وأنها تحمد الله على عودتك سالماً.
نظرت إلى العمة ماريا،وقلت لها ساخراً،وبالأشارة حتى تفهمني جيداً:
-
أنا عدت سالماً،ثم نظرت إلى أيمن وقد انتفخت عينيه وازرق جلده،وقلت:
-
وهذا المسكين،لقد عاد سالماً أيضاً،ولكن بعد أن تورم جسده،وتغير لونه.
فضحكنا جميعاً بشدة،حتى أخذ أيمن يتألم من شدة الضحك.
تحدثنا وتسامرنا حتى ساعة متأخرة من الليل،أما روكسانا،فقد كانت تأتي
من وقت لأخر لتستعجل أيمن بالعودة إليها،ولم تجرؤ على الدخول،ليس خجلاً مني
ولكنها كانت تعلم بأن العمة ماريا لا تحبها ولا ترتاح لرؤيتها.
في الصباح،استيقظت على صوت أيمن يستعجلني بالنهوض من الفراش قائلاً:
-
هيا هيا بسرعة،ليس معنا وقت،لقد تعلمت على النوم والكسل،هيا يجب
أن نبحث عن عمل،بدلاً من الجلوس والنوم من دون فائدة.
-
وماذا يجب أن نفعل،وما هو العمل الذي يجب أن نعمله،وأين مكانه،وووو
اسئلة كثيرة وجهتها إلى أيمن من غير ان أشعر،ولكني تلقيت إجابة واحدة فقط
-
هيا بنا الأن وسوف تعرف كل شيء بنفسك.
لم ينتظر ايمن العمة ماريا كي تُعد الفطور،وقال لي بأننا سنأكل أي شيء
في طريقنا إلى مكان العمل،وطلب مني أن أدع جواز سفري وأي شيء مهم في البيت
حتى إذا تعرضت للسرقة،فلا يجد اللصوص في جيبي شيء.
نزلنا على الدرج بسرعة بعد أن أفرغت جيوبي عند العمة ماريا،وتوجهنا إلى
الحافلة التي كانت تقف في أول خط سيرها تنتظر الركاب،ولكن هذه المرة،جعلني
ايمن أجلس بجانب النافذة،وجلس هو بجانبي،لكي يضمن بأنني لن أتحرك من مكاني

-10-
انطلقت بنا الحافلة تجوب شوارع المدينة،ولم يمضِ وقت طويل حتى نزلنا،وركبنا
حافلة أخرى،لأن الحافلة التي نزلنا منها لا تصل إلى المكان الذي نذهب إليه
وعلى الأقل هكذا أفهمني أيمن.
قضينا أكثر من ساعة جالسين في الحافلة وهي تجوب بنا الشوارع،وأنا لا أدري
أين نذهب،وكانت الشوارع بالنسبة لي كلها متشابهة،لا أستطيع أن أفرق بين
شارع وأخر،وكان أيمن كعادته يجلس بجانبي،مُرخياً رأسه على طرف المقعد
متظاهراً بالنوم.
كانت الحافلة قد خرجت من المدينة عندما توقفت في أخر موقف لها،فنزلنا
لنسير على أقدامنا في شارع تمر منه سيارات كثيرة،جيئة وذهاباً،حتى وصلنا
إلى سوق شعبي كبير جداً،يقع خارج المدينة،تحيط به الأراضي الزراعية،وبعض
البيوت التي يقطنها المزارعون.
دخلنا من بوابة السوق التي تدخل منها السيارات إلى موقف كبير،يكتظ
بالشاحنات الكبيرة التي تُحمل بالبضائع،ثم تنطلق إلى مدن أخرى،فقد كان سوق
كبير للبيع بالجملة.
أول ما لفت انتباهي،هو المحلات التجارية،فقد كانت كلها مصنوعة من الصفيح
ولا يتعدى حجم المحل اربعةامتار طولاً،ومترين عرضاً،ولولا أني على يقين بأني
موجود في اوروبا،لظننت بأن أيمن أخذني إلى الصين.
فقد كانت المحلات تكتظ بالتجار القادمين من الصين،ليبيعوا بضائعهم الرخيصة
في اوروبا،وكان السوق مزدحماً لدرجة كبيرة،لأن كثيراً من أهل المدينة الفقراء
يقصدونه لشراء حوائجهم،مستفيدين من فرق السعر الشاسع بين الجملة والمفرق.
كان السوق عبارة عن صفوف طويلة من المحلات،وكل صف من المحلات يقابله صفٌ أخر
والممر بينهما ضيق كثيراً،مما يساعد على الأزدحام،ويساعد اللصوص أيضاً
في تنفيذ مهامهم بجيوب الزبائن،ومما يزيد الأزدحام أكثر،مرور عربات اليد
التي يدفعها العمال امامهم بين الممرات الضيقة،محملة بالبضائع،حتى أنها كانت
تسد الطريق أحياناً.
كنت أمشي وراء أيمن بهذا الأذدحام،وأنا أشعر بأصابع اللصوص تجسُ جيوبي
ثم تعود خائبة من غير أن تجد شيئا.
وقفنا بجانب مطعم صغير،وقد أشترى أيمن بعض فطائر الجبن،ولأن المطعم لا يتسع
سوى للبائع،فقد جلسنا على حرف الطريق نأكل ونحن ننظر إلى الزبائن المارين
من أمامنا،وكأنهم نهر يجري بين الممرات.
لم أمضغ أول لقمة حتى شعرت بها تقف في حلقي،وبدأت أعصابي ترتجف،وجسدي يقشعر
وأنا أشاهد أحد اللصوص يتتبع فتاة تمشي لوحدها،وقد أفرغ كل ما في جيوبها
من غير أن تشعر،وهي تتلفت يميناً ويساراً،مستمتعة بمشاهدة البضائع المعروضة.
لم استطيع ضبط نفسي،ولكني لم استطيع التحرك،فقد كان أيمن يطوقني من خلفي
بيديه،ويستحلفني بالله أن ابقى مكاني.
جلست مكاني ودمي يغلي في عروقي،وأيمن يحاول تهدئتي قائلاً:
-
أرجوك يا فارس،لا تتدخل في شيء لا يعنيك،وإذا كنت لا تهتم لنفسك،فكر بي
أرجوك فأن جروحي لم تلتئم بعد،افهمني جيداً أرجوك،فهنا لن يساعدنا أحد
سوف يضربونا ولن يتدخل أحد من أجلنا،لقد جئنا نبحث عن عمل ولم نأت
لنصلح المجتمع،أرجوك الف مرة أن تبقى هادئا،ولا تحاول أن تنجد أحداً،فمهما
فعلت،فلن تغير شيء،انظر إلى باقي الناس،كلهم ينظرون،ولا احد يتدخل.
لم يقنعني كلام أيمن ولكني هدأت قليلاً،ورحت أمضغ فطيرة الجبن بشدة،وكأنني
أنتقم منها بدلاً من اللصوص.
كنت أنظر إلى الزبائن يمرون من امامنا وكأنني أشاهد التلفاز،بشر من جنسيات
كثيرة،وبين الحين والأخر،يمر اللصوص مسرعين ومعهم حقيبة،قد سرقوها،ثم يقفون
خلف المط